دولة السيطرة، ودولة الحق
2024.01.23
مروان حبش- فينكس
في حقبة السبعينيات من القرن العشرين دخلت إلى القاموس السياسي العربي ألفاظ ومعان جديدة من قبل حكام النظام العربي مثل: كبير العائلة، والرعية ....، وإن هذه التعابير البعيدة كل البعد عن منطق الحكم في العصر الحديث إنما تعني أن كبير العائلة يوجب طاعة العائلة وانقيادها له، وأن الشعب ما هو إلا عائلة كبيرة، وأن أفراده قُصر، وأن الحاكم يملك رعيته، والرعية ملك حاكمها. وتعني أيضاً فيما تعني أن الحاكم ذاتاً، والمحكوم شيئاً، ويحق للحاكم صياغته والتصرف به كما يريد.
إن هذا المنطق في إدارة الحكم قاد إلى تأسيس دولة السيطرة، أي دولة السلطة التي فصّل فيها الحاكم دستوراً على هواه وفرضه على "رعيته" باستفتاء صوري، أصبح بموجبه، من خلال جمعه لكل الصلاحيات، هو الدولة بكل سلطاتها، ويردد دوماً ما قاله ملك فرنسا لويس الخامس عشر حينما وقف في الثالث من مارس 1716م أمام برلمان باريس قائلاً: "في شخصي وحده تجتمع السلطة, و لي وحدي تعود السلطة التشريعية دون منازع أو حسيب". مع أن السلطة تحتاج إلى الشرعية كصفة ملازمة لها وغير ذلك فهي سيطرة.
إن ما تسعى إليه المجتمعات هو تأسيس دولة حديثة تكون مرجعية السلطة منبثقة عنها، حيث من المتفق عليه في العصر الحديث أن الصاحب الطبيعي للسلطة السياسية في الدولة هو الدولة نفسها، والسلطة السياسية الأصلية والعليا في الدولة هي سلطة الدولة. والدولة في الأساس هي المجتمع السياسي المستقل، قبل أن ينقسم إلى حاكم وشعب، وهي أيضاً، منظومة المؤسسات والأجهزة التي تتولى إدارة الشؤون العامة في المجتمع، وهذه المؤسسات والأنظمة والأجهزة ليست في الأصل أكثر من أدوات لتحقيق سلطة الدولة على نفسها. أو كما يقول عبد الله العروي: "إن الدولة الحديثة بصفة عامة هي مجموع أدوات العقلنة في كل دروب الحياة".
والسلطة السياسية في الدولة الحديثة ترتكز على التوازن والتكامل في فصل السلطات، وعلى الارتباط الجوهري بين السلطة والعدل. وحسبما يقول جون لوك: "في نظرية فصل السلطات وتوازنها وتكاملها محاولة لترتيب وضع القوة في الحكم بحيث يمتنع قدر الإمكان الاندماج بين الحق والقوة في بنية هذا الحكم".
وهذا الفصل منطلق من علّة السلطة التي تبرر وجودها وقيامها، وهذه العلّة هي ما يحدد أهدافها الخاصة بها. وفي رأي ناصيف نصار أن علّة السلطة السياسي:
- توفير أمن وسلامة المجتمع داخلياً وخارجياً، وهما الشرط السابق أو المصاحب لعملية تنظيمه.
- تحقيق مصالح المجتمع وصيانة خيراته من الشرور والمفاسد، وتنمية قدراته ومزاياه ويكون كل ذلك وفقاً لسياسة يؤيدها الشعب بحرية واقتناع منفتح، مع الاحترام الصارم لحقوق أعضائه، الطبيعية والمكتسبة، وخيراتهم ومصالحهم الخاصة.
- إن سلطة الدولة قائمة على عقد وسلطة الحكم تفويضية مستمدة من سلطة الدولة وعائدة إليها، وهو تفويض ليس مطلقاً ولا كلياً وهو محدود بمدة زمنية، وخاضع للمراقبة والمحاسبة.
- لا يحق للدولة انتهاك الحقوق الطبيعية لأعضائها، أو التدخل في ميادين السلطات غير السياسية ونشاطاتها إلا للمحافظة على الأمن والنظام العام والازدهار في المجتمع، وسلطة الحاكم تابعة لسلطة الدولة.
- إن سلطة الدولة تتقدم على سلطة الحاكم في الحق وفي الوجود، وإن فلسفة تقدم سلطة الدولة على سلطة الحاكم تلغي إسناد الحكم لفئة معينة من الناس دون غيرها.
أي أنه في سلطة الدولة تكون جميع أجهزة الحكم من دستور وقوانين وقيادة سياسية ومؤسسات، كلها تعمل في منظومة متكاملة تستهدف غايات الوطن. ويكون النشاط السياسي حقاً لجميع أفراد المجتمع، ولا يجوز تأطير النشاط في اتجاه واحد ومذهب واحد حول الحاكم. وإن تفويض سلطة الدولة الإجرائية إلى الحاكم المنتخب يشتمل على مبدأ مشروعية المعارضة، وهذه المشروعية تعبير عن انتصار منطق الحق على منطق السيطرة في عملية الحكم، وإن عدم وجودها دلالة على خلل في نظام الدولة.
ومن واجب سلطة الدولة أن تعمل على توعية المواطنين لحقوقهم لأن ذلك يوضح حدود سلطة الدولة على أعضائها، وواجب السلطة السياسية العمل على صيانة وتحصين هذه الحقوق، وعلى تنميتها في حياة الشعب.
إن أي سلطة سياسية هي واجب وحق، وإن واجبها سياسي وأخلاقي معاً، ومن هنا يكون المحافظة على الدولة بواسطة تقوية الإرادة الجامعة، وليس بمنع حرية التفكير في أساسها. و يرى "هيغل" أن الحرية لا توجد إلا في الدولة التي تعبر عن الأهداف الجمعية.
وإن ما يحب أن تناضل من أجله المجتمعات هو اسقاط الطاغية ، و هو دولة السلطة أو السيطرة التي لا تُبنى على العدل، ولا تعمل بحسب مقتضاه، و تبارك وتدعم فئة معينة بتسخيرها إمكانيات الدولة لغرض سيطرة تلك الفئة على مواقع التأثير ومفاصل الدولة، ثم تشرعن السلطة في التنازل عن وظائفها لصالح تلك الفئة التي تمارس عملياً التحكم في كل شيء حتى في الدولة ذاتها، ويصبح التسلط، أي انتحال الحق، هو الطابع الطاغي بدلاً من السلطة التي تكون قراراتها صادرة عن حق لها فيه، وحيث التماهي بين سلطة الحاكم وسلطة الدولة والتحايل عليها، كي ترتد سلطة الدولة إلى سلطة الحاكم.
في ظل هذه السيطرة، لا يحترم الحاكم سلطة الدولة، ويحل سلطته محلها ويتماهى معها، وحيث يقول الحاكم: أنا الدولة، و ما يستتبع ذلك من استغلال للشعب واستعباده، ومن احتكار للنشاط السياسي في المجتمع، وإلغاء حقيقة أن الشعب هو الفريق الأغلب في الدولة وهو صاحب المصلحة الحقيقي في سياسة الدولة، وله حق التفكير والرأي في الشأن العام. ومن إلغاء مقولة بأن الاختلاف في الرأي ظاهرة طبيعية في حياة المجتمع السياسي المستقل وإلغاء ضرورة استيعاب الاختلاف وضبطه وتنظيمه بشكل يضمن لأفراد الشعب حرية التفكير والتعبير والمبادرة السياسية.
إن كفاح المجتمعات يجب أن تكون غايته إسقاط الحكم ذي القبضة الأمنية على كل شيء من زيادة المخبرين والبصاصين وتقوية الوشاية وإفقار "الرعايا" بزيادة الضرائب عليهم لإبقائهم يلهثون وراء قوت يومهم، ويعيشون بحرمانهم وهمومهم حيث الفقير يزداد فقراً والغني يزداد غنىً من خلال استغلال الفوضى والفساد والرشاوى وغيرها من الأمور السلبية.
وأيضا، إسقاط منطق دولة السلطة التي تعبر عن الفوضى والفساد والحرمان للمستضعفين الذين هم قوام الدولة وعمودها الفقري، ومنطق سياسة التطهير بالقضاء على البارزين من أبناء الشعب وأصحاب العقول الناضجة، ومنطق حظر كل الاجتماعات إلاّ ما كان منه دعاية للحاكم، ومنطق حجب كل ما يثبت الشجاعة والثقة بالنفس ويعمل على تدني مشاعر حب الوطن و مبادئ وقيم العمل من أجل المصلحة العامة وغايته، كذلك هو الأكيد على أن وجود الحاكم السياسي يكون بواسطة إرادة الأكثرية، وأن ممارسته للسلطة هي ممارسة الحق له في الأمر، وهي ممارسة متحررة من قاعدة القوة والحق للقوي.