كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فينكس تنشر وصية د. أحمد عمران الزاوي.. "تحية وداع"

بتاريخ 9 تشرين الأول من عام 2017 فُجع الوسط الثقافي السوري عامة والطرطوسي خاصة برحيل الأديب والعلّامة د. أحمد عمران الزاوي، بعد أن خلّف وراءه قرابة الأربعين مجلداً تناول فيها مواضيع عدة من فكر وتاريخ وفلسفة وأدب وسجالات مع مفكري عصره، كما بنى أسرة يُشهد لها في سمو الأخلاق والمكانة العلمية التي وصل إليها أفرادها، إذ فيها الأستاذ الجامعي اللامع في مضمار الهندسة (د. منذر)، والحقوقي البارز (المحامي عمران)، والطبيب الناجح (د. وائل)..، كما ترك الدكتور الزاوي سحابات من زواكي العطر في نفس كلّ من عرفه قرب، وشوقاً وحسرة في قلب من سمع به ولم تسعفه ظروفه بالتشرّف بلقياه.

غداً، تحلّ الذكرى السادسة لغياب فقيد البلاغة وأمير المنابر وسيد الفصاحة (في زماننا)، وبهذه المناسبة تكرّم الأستاذ المحامي عمران عمران بإرسال وصية د. الزاوي لأولاده إلى فينكس، وبقدر ما هي وصية خاصة هي عامة، وهذا ما سيجده القارئ لها، والأهم أنها عبارة عن نهج في الأخلاق، فعسى في نشرها شيء من الوفاء لقامة كبيرة قدمت لنا الكثير، ناهيك عما تنطوي عليه من قيم ونبل ومعان إنسانية عميقة، مع الإشارة أن الوصية المعنونة بـ"تحية وداع" موجودة في بطون أحد كتب أستاذنا الراحل د. الزاوي.

تحية وداع

بقلم – د. المحامي أحمد عمران الزاوي
صباح الخميس 19 شباط 2015

تحية وداع

هذه التحية أُوجهها إليكم، وأخصها بكم يا أبنائي لأنكم أقرب الناس، وأعزُّ عليَّ من جميع من طلعت عليه الشمس.

سئمت طولَ العمر، وانتظارَ الأجل.

تجاوزتُ هذه المرحلةَ التي جعلتْ زُهيراً بن أبي سُلمَى يسأم من طولِ الحياة ويقول:

سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعشْ
ومن هَابَ أسبابَ المنايا ينَلْنَه

ثمانيـــنَ حولاً لاأبالَـكَ  يَسأمِ
ولو نــالَ أسبابَ السماءِ بسُلَّم

أنا الآن أترنح بين فكي التسعين.. سئمت مثلما سئم زهير لكنني لستُ خائفا من الموت ولا أخشى قدومه متى شاء لأنه المصير المحتوم لكل حي من إنسان ونبات وحيوان وطير وجماد، ولم يختلف في جوهره أينما حل فالاختلاف يقتصر على الأسباب وصور التنفيذ.

لقد أدرك المتنبي ذلك فقال: "تعددت الأسباب والموت واحد"، ومثلما لم يبق من الذين ذهبوا غير ما بقي من ذكراهم، فأنا مثل جميع من سبقني من أول الحياة إلى اليوم لن يبقى مني غير ما تتذكرونه عني.

بعد أن تزولَ أسبَابُ الحياةِ من الحي يزول جميعُ ما كان يربطه بالوجود والموجودات أي جميع ما على سطح الأرض مهما تتالت الأجيال، ولا يلاحقه غير أعماله:

فــ "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"[1].

و"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا"[2].

تساءلت بيني وبيني:

ما الذي دفع بي إلى هذا الصعب؟

ما الذي دفع بقلمي إلى هذا المضيق؟

فأتاني الجواب من داخلي: إنه واجب الاعتراف قبل الذهاب.

إن حديثَ كرسيِّ الاعتراف ولو لفترة يخفف وطأة الكابوس الجاثم، ويعينُ الذاهبَ من الدُّنيا أن يأتيَ الله بقلب سليم [3].

من على الكرسي:

استعرضت بعض ما مرَّ بي وما مررت به من حوادثَ خلال عمري المديد، وبالأخص منذ أن صار لدي بيت ضم الزوجة، وولد فيه الأولاد، وبالأكثر خصوصية وتأثيراً فجيعتي بموت والدتي وموت والدي بعدها، وهما وإن ذهبا راضيين عني فأنا غير راض عن نفسي لشعوري بأنه كان عليّ أن أبذل الأكثر في سبيلهما، ولو فعلت لنلت الأكثر من الرضا وذلك لأن إكرام الوالدين وصية من أمهات وصايا الرب[4].

ولأن القرآن حض في كثير من الآيات على إكرامهما والعناية بهما، وعد هذا واجبا يُثاب عليه ويعاقب من لا يقوم به:

 "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ * أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا * وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا "[5].

"وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا * إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا" [6].

"وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" [7].

ففي الآية الأولى: جعل الله عدم الاحسان إلى والديه بمنزلة الشرك به.

وفي الآية الثانية: جعل مرتبة الاحسان اليهما أمراً قضى به الله.

وفي الثالثة: وصّى بهما لما كابداه في تربية الأولاد من صعوبات وتعب.

نعم أحببت والديَّ حباً صادقاً شاملا كاملا لكن بعد استقلالي بالبيت الذي ملأته الزوجة وأشاع فيه الأولاد الخضرة والهناء أحسست أن جبل الحب انْشَطَرَ إلى شطرين أكبرهما ما توجَّهَ إلى زوجي وأبنائي..

ومازال حبُّهم في قلبي إلى الآن ناراً لا تخمد مع أن كلاً منهم صار صاحب بيت وزوج وأبناء وحل في الموقع الاجتماعي والعلمي الذي أهلته له مواهبه.. لكنها نارٌ كنارِ إبراهيم: برد ٌ وسلام.

ياقرَّةَ عيني...

بعضكم وبعضهم يقول: إن ماتنعمون به من رفاه وكفاية واستقرار أُسرويٍّ وماديٍّ وثقافي نشأ بفضل جهود خاصة قمت بها وحدي...

لكن كلّا: فأنا – وإن كنت وُلدتُ ونشأتُ بين الجليد – وإن كان هذا المنشأ الباردُ اليابس فرَضَ عليَّ أن أبقى سجينَ الجهود حتى بلغتُ بنفسي وبكم إلى مانحنُ فيه، فلن أنسى أنَّ جهودي ماكان لها وحدها أن تعطيَ هذه النتائجَ لو لم تقمْ إلى جانبها جهود أخرى لم تكن مساهمتها أقل من جهودي: هي جهود أمكم، ولست متجاوزا ولامبالغا إن قلت: إن تلك الجهود التي تضافرت مع جهودي كانت أكثر التصاقا بكم وكنتم أكثر حاجة إليها.

هنا – نقطة نظام يحق لها أن تقطع الكلام في أي زمان، وفي أي مكان، ودون استئذان..

هي: إن أول المتاعب الأسرية وأشدها إرهاقا وضعها الله على عاتق الأم.

حمل وإرضاع وتنظيف وحضن رحيم ليس له مثيل في الكون دفئا وحنانا بالنسبة إلى الوليد المحضون.

صحيح أَنَّنِي صُنت بناء الأسرة وقدَّمتُ بجهودي ما يحتاجه البناءُ وساكنوه من زوج وأبناء.

لكنها كانت لوحدها تضع في الوجود لبناته واحدةً واحدةً وهي أنتم.

لقد أدرَكَتْ هذه الحقيقةَ قصيدةٌ إذ قالت في بيت فيها:

ليس الذي صان البناء وزانه

مثلَ الذي شادَ البناءَ وأحكما

حقيقة يجب أن لا تغيب عن أي بال، فأول غذاء يغتذيهِ الجنينُ هو من دمِ أمِّه، وأول مسكن له وهو في الرحم بجانب قلبها، وحين يُخرَجُ من الظلمات إلى النور يَسارُ به على طريق من أوجاعها، وحين يُمَدّدُ في حضنها انهمر من الأعلى في فمه دمُها بلون أبيض (الحليب) من ثديين أطلا عليه كما وصفهما القرآن بقوله:

  "أَلـم نجعلْ له عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَينِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ "[8].

ثم تعقب هذه المرحلة الأولى الأساس مرحلة يستمر فيها الرضاع والتنظيف والتقميط[9] والهدهدة[10] مدةً لا تقل عن عامين تليها مرحلة التوجيه والإشراف التي تستغرق مدة الحضانة.

حقائق ووقائع لا يعمى عنها غير أعمى البصيرة وفاقد الوجدان..

نعم.. منذ أن ولدتم امتلكني الحبور، وكلما كبرتم كان سروري يزداد حتى أصبحتم بصري وبصيرتي في نومي ويقظتي وإيابي وذهابي وعملي وكسلي، فالوقت لدي لم يعد غير الوقت الذي أستطيع فيه أن أُلبِّيَ فيه حاجاتكم الغذائية والكسائية والثقافية.

مع كل ما ذكرت – وهي حقائق ووقائع عشتها واحدةً واحدةً – لن يُحجبَ عن ضميري ما تجشَّمَتْه والدتُكُم من المتاعب وهي الأقرب منكم، والمرافقة الدائمةُ في ليلكم ونهاركم، فكانت أولى المهام لديها تربيتكم على التحلي بمكارم الأخلاق وممارسة الفضائل في القول والعمل، واحترامِ مصدرها إن جاءَت من الغير أيَّاً كانَ هذا الغيرُ لأنَّها الأقْوَمُ والأَدْوَمُ والأرْضَى للَّهِ وللنَّاسِ.

انظروا إلى حبَّة القمحِ كمثال على التكوين.. مثلما بدأتم بَدَأَتْ، وبمثل المراحلِ التي مررتُم فيها مرَّتْ..

غَابتْ في رحِمِ الأرض ثم انفَلَقَتْ عن جنين النموِّ الذي برزَ كائناً مستقِلاً تحت طبقات الثرى ثم بعد فترةٍ طفِقَ يشُقُّ برأسه الغضروفيِّ الخجولِ العاري جلاميدَ التراب والحصَى، وما أن اكتحلت عيناه بالنور حتى حَبَتْه الطبيعةُ بساقٍ قام عليها ثم كسَت السَّاقَ أوراقاً حَمَتْهُ من البرد، ثم ما لبثت أن قامتْ على ساقه الغُصونُ المكلَّلةُ بالأوراق ثم بدأَ الإِزهارُ والإِثْمارُ.

هذه المراحلُ يجتازُها كلُّ مخلوق - ليس من خلاف بين المخلوقات بغير الأسماءِ والأزمنةِ والأمكنة – من الأجنة حتى الاكتنان[11] في الأرض، فكل ولادة رسول الى الموت (كما قال الإمام عليُّ).

يا أبنائي، يا مجد روحي..

تذكَّروا – وأنتم بذلتم وتبذلون في حدائقكم أكرم الرعاية وأصدق الجهود، وتسقون أغراسكم وتشذبون أشجارها من التصرفات اليابسة – أنكم كنتم حديقتنا وأننا بذلنا فيها سقايةً ورعايةً وتشذيباً وتهذيباً مثلما بذلتم وتبذلون، وعند منابت زهوركم بذلنا أصدق التضحيات وتجرعنا أمرَّ الظروف.      

يا أبنائي..

لم يكن ما قلناه أنا وأمكم من قبيل التفاخر أو المَنِّ بل من باب التذكير ولفت الانتباه، فنحن لا نُمَنِّنُ لاستيفَاءِ الدَّينِ لأن الله أغنانا عن طلب الاستيفاء لكن ما قلناه كانَ لسببين:

أولهما: إن ما بذلناه كان تكليفاً من الطبيعة لم نكن نحن أولَ من وضعه ولنْ نكونَ آخر واضعيه. إنه سنة الله في خلقه "ولَنْ تجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيْلا وَلَن تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيْلا "[12].

وثانيهما: لأنكم كابدتم وتكابدون مثلما كابدنا وبذلتم وتبذلون مثلما بذلنا، وسوف تصلون الى ما وصلنا.

إن في العبرة التي نُقلتْ عن أحد الحكماء "غرسُوا فأَكَلنا، ونغرسُ فيأكلون" تصويراً صحيحاً لما جرى ويجري، وَأكْمِلُ الحكْمَةَ – مع وافر ِاعتذاري لذلك الحكيم – فأقولُ: "ويغرسون فيأكل القادمون" لأن الحياة كانت وستبقى هكذا نهرا يتدفق منذ الأزل وسيبقى متدفقا وما مرّ منه لن يعود.

أطلب منكم في الختام أن لاتفرقوا في توزيعِ المشاعر بيننا - نحن والدَيْكُم - لأن كلّاً منا بذل تجاهكم أقصى ما يستطيعه من الاهتمام، وأقول بأمانة وصدق: إن مرَّ أحدكم بوقت من الأوقات اضطرته الظروف فيه إلى التفريق فليكن ذلك لمصلحة الأم لأن حنانها أقدمُ وأعمق.

                                                                                                             أحمد عمران الزاوي

[1] ) - المدثر 74/38.

[2] ) - لقمان 31/33.

[3] ) – اقتباس من سورة الشعراء 26/89

[4]  ) – خروج 20/12

[5]  ) – الأنعام 6/121

[6]  ) – الاسراء 17/23

[7]  ) – لقمان 31/14

[8]  ) – البلد 90/8-9-10

[9]  ) – التقميط من قمَّط أي شدَّ ومنه تقميط الصبي في المهد

[10] ) – الهدهدة هي التحريك برفق إلى الأعلى وإلى الأسفل، ومنه هدهدة الأم لابنها كي ينام

[11] ) – الكنّ والكنانة: الستر والإخفاء، والاكتنان وقاء كل شيء وستره، وجاء في التنزيل العزيز:

         (وَجَعَلَ لكُم منَ الجِبَالِ أكْنَانَا) – النحل 16/81

[12] ) – فاطر 35/43 

الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية