من فضاء الأسطورة.. قصة الخلق والطوفان عند البابلبيين
2023.08.15
مروان حبش- فينكس
إن الحياة البشرية تتعرض من حين إلى حين لأخطار فيضانات الأنهار الكبيرة التي كان ماؤها سبباً في قيام الحضارات القديمة. وإن أهمية هذه القصص تكمن فيما تعرضه من أحكام، وعلى عقل الإنسان أن يستمتع ببساطتها ووضوحها وأحداثها التي تخلب اللب.
لقد كانت هذه القصص هي الوسيلة الشعبية التي عبر بها القدماء عن فضاء فكري، أو موقف أخلاقي لخصوا فيه بإيجاز تجارب كثيرة مرَّت بالبشرية.
يروي بروسيس أشهر المؤرخين البابليين وأكثرهم ذكراً، في اطمئنان المؤرخ الواثق من معرفته، تفاصيل وافية عن خلق العالم وتاريخ الإنسان في عهده الأول، كما يُقدر في ثقة جديرة بالثناء، الزمن الذي مضى من خلق الأرض إلى أيام الطوفان الأعظم.
وها هو جلجامش حين يصل إلى الجزيرة السعيدة التي يعيش فيها شمش- نيشتيم الخالد أبد الدهر، ويتوسله أن يفضي إليه بسرِّ الخلود، فرد عليه بأن سيخبره بقصة الطوفان، وكيف ندمت الآلهة على ما سببته في سورة غضبها من دمار، وكيف أبقت عليه هو وزوجته فخلتهما لأنهما أنجيا النوع الإنساني من الفناء.
لقد كانت أساطير سومر وبابل هي المعين الغزير الذي أخذ كتبة التوراة منها قصص الخلق والطوفان التي يرجع عهدها عند تلك الشعوب إلى حوالي 4500 ق.م. و 3000 ق.م. وقد وُجدت قصص الخلق والطوفان البابلية مكتوبة على سبعة ألواح، لكل يوم من أيام الخلق لوح، عام 1948م، في خرائب مكتبة آشور بانيبال بنينوى.
اتخذ البابليون من آلهتهم شخصيات نسجوا حولها أساطيرهم، وقصة الخلق عندهم، إنه في أول الأمر كان العماء "في الوقت الذي لم يكن فيه شيءٌ عالٍ يُسمى السماء، ولم يكن شيءٌ وطيء يُسمى الأرض، جاء الإله أبو المحيط، وكان أبا الأشياء أول الأمر، والإلهة الأم "تيامات العماء" التي ولدتها كلها، وخلطا ماءهما معاً" وبدأت الأشياء تنمو على مهل وتتخذ أشكالاً. ولكن الإلهة الأم تيامات العماء المرعبة شرعت بإبعاد كل الآلهة الآخرين لتجعل نفسها صاحبة المقام الأعلى، وكان نتيجة ذلك ثورة عنيفة، اضطرب منها كل نظام. ثم جاء كببر الآلهة "مردوك" وقتل تيامات العماء بدوائها هي، وذاك بأن دفع في فمها ريحاً عاصفة حين فتحته لتبتلعه (تبتلع مردوك)، ثم طعنها برمحه في بطنها الذي انتفخ بما دخله من الريح، فانفجرت، ولما عاد إلى الإله مردوك هدوءه، قسم تيامات العماء الميتة إلى قسمين، و"دفع بأحد النصفين إلى الأعلى فكان السماء، وبسط النصف الآخر تحت قدميه فكان الأرض". وبذلك استبدل الفوضى والعماء بالنظام الذي هو جوهر الفن والحضارة.
لما فرغ الإله مردوك من صنع السماء والأرض، ووضعهما في مكانيهما، شرع يعجن التراب بدمائه ويصنع البشر من طين لخدمة الآلهة، وكان البشر يعيشون عيشة حيوانية في جهالة وبساطة حتى جاء وحش مهول يدعى "أونِّس" نصفه سمكة ونصفه إنسان، علمهم الفنون والعلوم والعمارة ومبادئ القانون، ولما انتهى من ذلك، نزل إلى البحر وكتب كتاباً في تاريخ الحضارة.
لم تلبث الآلهة طويلاً حتى غضبت على البشر الذين خلقتهم، فأرسلت عليهم طوفاناً عارماً لتهلكهم وتمحو بهم سيْ أعمالهم، ولكن إله الحكمة أشفق على البشر واعتزم أن ينجي منهم على الأقل رجلاً واحداً هو شمش- نيشتيم وزوجته، وظل "الطوفان مهتاجاً، وغص البحر بالخلق كأنهم سرء السمك"، ثم بكت الآلهة على حين غفلة وعضت بنان الندم على غفلتها وسوء تدبيرها وتساءلت: "عمَّن سيقدم لها القربان المعتاد"، ولكن شمش- نيشتيم كان قد بنى فُلكاً ونجا من الطوفان وحطَّ على جبل نصير، وأرسل يمامة تستطلع، ثم قرر أن يقرب القربان للآلهة، وقبلت الآلهة قربانه وهي مندهشة شاكرة "وشمت الآلهة الرائحة الزكية، واجتمعت بكثرة فوق القربان".