كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

القانون الطبيعي ودستور الولايات المتحدة الأمريكية

مروان حبش- فينكس:

اعتمدت فكرة الحقوق الطبيعية على الاعتقاد بوجود قانون طبيعي، ذلك أن حقوقاً كهذه تكون شرعية وملزمة بفعل هذا القانون، ونتج عن ذلك اختلاف على الهدف، فبعد أن كان ينظر إلى القانون الطبيعي في البدء على أنه يفرض الواجبات والمحظورات أصبح ينظر إليه الآن على أنه مصدر الحقوق الديمقراطية الأساسية التي تقيد حرية الحكام الذين كانوا يعتبرون أنهم يتمتعون بسلطات مطلقة. وكان التأثير المهم على النتائج الثورية للقانون الطبيعي من "روسو" الذي يرى أن القانون الطبيعي إذ هو يخلق حقوقاً طبيعية للأفراد لا يمكن أن تسقط بالتقادم، أضفى سلطة مطلقة غير قابلة للنزول عنها على الشعب ككل، والذي كان لهذا الغرض يؤلف كياناً مبهماً غامضاً هو (الإرادة العامة) التي تختلف عن مجموع إرادات الأفراد المواطنين. وكانت هذه (الإرادة العامة) هي السلطة الشرعية الوحيدة غير المقيدة في الدولة، وأن أي حاكم عرضة للإطاحة به إذا ما فقد ثقة (الإرادة العامة) وتعتبر الشعب الحاكم الحقيقي وأنه قادر على الإطاحة بأي حاكم. وقد أطاحت الثورة الفرنسية بالنظام الملكي على ضوء هذه الفلسفة، وفرضت قانون الحق الطبيعي. ولكن من المؤسف أن حدود مبادئ "روسو" أصبحت تُستغل إلى درجة أنها مكنت أي مستبد يستولي على السلطة من أن يعلن أنه يمثل (الإرادة العامة) ويفرض سيطرته واستبداده، وأصبحت "الروسوية" التي انطلقت من الإيمان بالديمقراطية والحرية آلة بيد الحكام المستبدين.
أما الفيلسوف الإنكليزي "لوك 1632-1704"، في كتابه (رسالتان في الحكم)، وهما حجر الزاوية في النظرية الحديثة في الديمقراطية في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، يؤكد بشكل رئيسي على أن القانون الطبيعي يُرسي سلطة الشعب الأساسية، ويضمن حقوق المواطنين الطبيعية العادلة. لأن الأفراد في الحالة الطبيعية كانوا أحراراً متساوين ولا يحق لأي قوة أن تخضعهم لأية سلطة دنيوية إلا برضاهم، وبمقتضى العقل توصل الأفراد إلى "عقد اجتماعي" تنازلوا فيه عن حقوقهم الفردية في القضاء والعقاب، لا للحاكم، بل للجماعة ككل، وعلى هذا تكون الجماعة هي السيد أو الحاكم الحقيقي، وهي تختار بأغلبية الأصوات رئيساً أعلى ينفذ مشيئتها، ويؤكد "لوك" أن أعلى سلطة في الدولة يجب أن تكون السلطة التشريعية التي تختارها الأصوات الحرة غير المشتراة، ويجب أن توقع القوانين أشد العقوبة على كل محاولة لشراء أصوات المواطنين أو المشرعين.
وقد تضمن الدستور الأميركي الذي تأثر كثيراً بفلسفة "لوك" جزءاً كبيراً من تراث القانون الطبيعي إلى العالم الحديث، ويعتبر توماس جفرسون (18261743)، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية والرئيس الثالث لها، أول رجل معاصر، صاغ مبادئ الديمقراطية في عبارات ذات صبغة إنسانية، واعتبرها حقائق واضحة بذاتها، وضوحا يجعلها في غير حاجة إلى دليل أو برهان. فجميع الناس خلقوا متساوين، وقد وهبهم الخالق حقوقا ذاتية كامنة فيهم، ولا يجوز التنازل عنها بأي حال من الأحوال. ومن هذه الحقوق: حق الحياة، وحق الحرية، وحق السعي وراء السعادة.
ويرى جفرسون أن كل شيء يمكن أن يتغير إلا حقوق الإنسان التي لا يجوز المساس بها، لأنها مقدسة، فهي جزء من جوهره الذي وضعه فيه الخالق، ولا يحق لأحد أن ينتزعها منه، لأنه بذلك يهدم القانون، ويدمر ما أبدع الخلاّق العظيم. وقد تكون هذه الحقوق في بدايتها «مبادئ أخلاقية»، لكن لا يجوز استخدامها على هذا النحو الذاتي، فلا يكفي أن نقول إن الإنسان حر ونقف عند هذا الحد، وأن نستنتج أن له الحق في أن يفعل ما يشاء، فتلك هي الفوضى بعينها. أو من حقه أن يحيا كيفما اتفق. بل لا بد من تقنين هذه الحقوق، أي وضعها في صورة قوانين محددة. فالحرية هي ما تجيزه القوانين، كما قال مونتسكيو بحق، عندما توضع الحقوق في قوانين تصبح موضوعية وتنتفي منها صفة الذاتية، فلا يستطيع أحد أن يفسرها على هواه. ومعنى ذلك، أنها لا بد أن تلتحم في نسيج اجتماعي عام ينظم سلوك الجماعة. وعلى هذا الأساس، نلاحظ أن الحق إن كان معطى طبيعيا يتجسد في كونه مثالا أخلاقيا، فإنه لا يصبح ذا قوة إلزامية، إلا حينما يجري تقنينه، والتوافق عليه بكونه حقا لكي تكون له قوة إكراهية. وعلى هذا الأساس نتساءل: هل الحق قيمة متجذرة في طبيعة الإنسان الأصيلة؟ أم هو قيمة ثقافية وضعية؟ هل وجد الحق منذ وجد الإنسان الطبيعي؟ أم هو نتيجة اتفاق إرادي أبدعه الإنسان المدني؟ ومن أين يستمد الحق قوته الإلزامية، هل من القانون أم من قيمته الأخلاقية؟ بعبارة أخرى هل يتأسس الحق على ما هو طبيعي أم على ما هو وضعي؟
كما أن الدستور الأمريكي لم يربط القانون بفكرة الحرية فحسب، بل أنه صان الفكرة الشديدة التأثير في عصرنا الحاضر، القائلة إن الحقوق الطبيعية يمكن أن تكون موضوع ضمانات قانونية، وأن هذه الضمانات القانونية يمكن أن يُقضى بها كما يُقضى بغيرها من الحقوق والواجبات التي يمنحها أو يفرضها القانون الوضعي. وإذا ضُمِنت هذه الحقوق في دستور فإنها تُعطى أولوية خاصة كحقوق ممتازة سامية، تسمو على أي تشريع أو قانون يتعارض معها، وبذلك يولد جهاز فعلي يتم بموجبه نقل هذه الحقوق الطبيعية إلى صلب القانون وتُمنح الاعتراف وقوة التنفيذ كحقوق شرعية.
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية