"مسعد يا تنّور"
2023.07.13
علي مصطفى بدور:
حققَ الفنانُ الشعبيّ عيسى نعّوس شهرةً واسعةً في الساحل السوري وحمص وحماه منتصفَ التسعينيات.
كانت أغنيتُه الشعبيةُ "مسعد يا تنور" ترددُ على كلّ لسانٍ.
قالَ ماهر: هناكَ عرسٌ مساءَ اليومِ في "ذوق بركات" سيحييه عيسى نعّوس.. ما رأيكم؟
كانت الأعراسُ آنذاكَ تقامُ في الساحاتِ العامةِ للقُرى أو على أسطحِ المنازلِ وبإمكانِ الجميعِ أن يشاركَ حتى لو لم يكن مدعواً.
قبل أن تتجه الشمسُ غرباً على أملِ لقاءٍ جديدٍ.. قررنا التحركَ مشياً إلى "ذوق بركات"، لم تكن الطرقُ معبدةً كما هي اليومَ.. كان بعضُها ترابياً تحفُّ به أشجارُ السنديان والبلوط والكثيرُ من الزيتونِ والتين والعنب.. والسير فيها متعةٌ حقيقيةٌ تريحُ البصرَ وتشرحُ الصدر.
كان المرحومُ عيسى العموري قد بدأ برش الماءِ أمام استراحته "العموري".. والشبابُ والصبايا يتوافدون زرافات ووحدانا على نبعِ العين "عين أوبين".
تمهلنا قليلاً عند النبع، شربنا وأحصينا سريعاً العاشقين والعاشقات الذين حضروا مبكراً إلى المشوار.. فلان يحبّ فلانة.. فلانة لا تحب فلان لأن قلبها مع غيره.. بالرغم من محاولاته الكثيرة معها، لكنها حتى الان لم تبعْه نظرة.
موجزٌ غرامي سريعٌ عن حالةِ عشاق "درب العين" ثم اتجهنا صعوداً إلى حكر الشيخ إسماعيل حيث النسيمُ عليلٌ عليلٌ.. تماماً كما وصفه ابن زيدون بقوله:
وللنسيم اعتلال في أصائله.
هناك تبدو أوبين كعقدِ لؤلؤ يزينُ رقبةَ جبل "أبومراد"، والشمسُ ترخي جدائلها قبل المغيب.. كم يصبح اللؤلؤ جميلاً عندما يطوّق رقبةً جميلة تحبها... بينما نهر "أبو يابس" يتوسّدُ وادي أوبين كخَلْخال في حوارٍ صامت بين قدم امرأة تحبُ وقلبك الذي يردد قول عبد الرزاق أمين:
غيداءُ تخطو والرنينُ يزفُها
وَقْعٌ يميّزُ مَشْيَ ذات الخالِ"
في صافيتا والساحل السوري عموماً.. تنهكك التضاريسُ.. قاسية متقلبة.. تارةً في صعودٍ وأخرى في هبوط.. لا يمكن ترويضُها.. كعاشقة غجرية ذات دلال وحسن.. لكنها رقيقة معطاءة، تمنحك الفرحَ والدهشة مع كل منعطفٍ تسير فيه أو مسقط جبل ترنو منه إلى البعيد.
قبل أن نكمل طريقنا.. مررت على بيت أحمد صبرية. تسلمت منه مكتوباً كان قد أرسله عمي محمد معه من أستراليا. وضعته تحتَ القميص وتوجهنا غرباً إلى "ذوق بركات".. كان الطريق نزولاً هيناً وفي البعيد تظهر أمامنا "مشتى الحلو" وجبل السيدة وقبلها حرش "عين عفان" والكثير من الجبالِ الشامخة وصولاً إلى مصياف ووادي النصارى.
وصلنا إلى عين مرعي.. نبعٌ صافٍ جميلٌ ينسابُ رقراقًا بمياه عذبة شهية كثغر فتاة يهبُ الحياةَ لمن تحب.. كانت حفلاتُ المساء قد بدأت في المطاعم على طرفَي النهر والسياراتُ الخليجية تتزاحمُ في المواقف.. شربنا من النبع وبدأنا السؤال عن مكان العرس..
لم نصل إلى جواب شافٍ.. مجموعة تكهنات في قرية لا يصل عدد البيوت فيها آنذاك إلى 20 بيتاً..
بحكم أن الصيف كان مناسبةً للأعراس فقد عرَفنا أن القرية ستشهد هذا المساء ثلاثة منها.. في الأول كانت مسجلة الكاسيت قد بدأت نشيد الفرح.. لكنّ حلقاتِ الدبكة لم تعقدْ بعد.
قالَ ماهر: سننتظر قليلًا يبدو أن عيسى نعّوس لم يصلْ بعد.. وافقته أنا وطلال على مضضٍ ونحن نعلم أن قدميه تسابقان الريح عندما تسمعان قرعَ الطبل.. يحب الدبكة كما أنا أحب المتّة وهو ماهرٌ بها.. صفة يحملها جميعُ أبناء عائلته من المرحوم والده مروراً بإخوته الذين كانوا ولا يزالون يزينون كل مناسبة بالدبكة عالأول.
حضر ريّاس كوع المحمرة "النور" وبدأ أبو أحمد الريّس على المجوز يرافقه الطبل.. هرع ماهر مسرعاً وتسيد الساحة، فلحقنا به ونحن غير القادرين على مجاراته.. دبكنا وتنقلنا من يد إلى أخرى بحثاً عن فتاة جميلة ندبك بقربها.. هكذا كان حال جميع الشباب.
ساعتان ونحن على هذا الحال.. قلت لطلال هل قطعنا كل هذه المسافة مشياً للدبكة مع أبو أحمد الريّس؟!.. علينا البحث عن عيسى نعّوس.
غادرنا على عجَلٍ متبعين صوت أغانٍ تصدحُ في حارة أخرى.. لم تكن المهمة صعبة في قرية صغيرة مثل "ذوق بركات".
بعد عدة دقائقَ وصلنا ليكون المشهد كسابقه.. أناس يتجمعون بفرح وعريسان على مرتبة أعدت على عَجلٍ.. لا شيء يوحي بأن عيسى نعّوس قادم للعرس..
إنها العاشرة والنصف مساءً.. هل علينا مواصلة البحث أم نستمتع بما هو موجود؟.. قال ماهر لنشارك في الدبكة قليلاً وفي حال حضر عيسى نعّوس إلى العرس الثالث سنسمع صوت الفرقة الموسيقية ونذهب إليه.
الغريب أننا لم نكن نعرف أحداً في العُرسين.. دخلنا وشاركنا ولم يسألنا أحد من أنتم؟!.. بل كنا موضع ترحيب.
هكذا كان الحال.. بيوت مفتوحة للضيف والشمس والحياة.
في الثانية عشرة ليلًا بدأت نقطة العُرسان.. عادة جميلة تعكس التكافل الاجتماعي في بيئة كانت وما زالت فقيرة جداً.
كل المعازيم يقدمون نقوطاً للعريس والعروس بما تيسر لديهم.. سواء ذهباً أو نقداً.
هنا شعرنا بالحرج.. نشارك في عرس لم نحسب حساب النقوط فيه..
قلت: أنا معي 10 ليرات.. لنجمع ما بحوزتنا ونقدمها للعريس.
بعد مداولات جمعنا مبلغ 25 ليرة.. ظننا أنه مبلغ متواضع ولا يليق بنا أن نضعه علناً في صينية النقوط.
تذكرت مكتوب عمي محمد ففتحته وأخرجت الرسالةَ منه ووضعت مكانها الـ 25 ليرة وتقدمنا من العرسان مهنئين.
انتهت النقطة وعادت حلقة الدبكة من جديد ليطول بنا المقام في هذا العرس حتى الثانية صباحاً.
كما يقال: "راحت السكْرة وإجت الفكرة".. علينا الآن تكبد عناء السير مجدداً حوالي الساعة للوصول إلى قريتنا.
في العودة سلكنا الطريق العام.. لم نجرؤ على اتباع أي طريق مختصر خوفاً من غدر الأفاعي في الليل.. لذلك كان علينا تحمل مشقة طلعة الشيخ محمد.
طريق جبلي قاسٍ مروراً بمدرسة "ذوق بركات" إلى بيدر القتيل صعوداً باتجاه حكر الشيخ إسماعيل، نزولاً إلى أوبين.. خلال الطريق أكلنا ما لذ وطاب من التين والعنب.. آنذاك كان العنب والتين خيراً مباحاً.
وصلنا الثالثة فجراً إلى عين أوبين.. كان صوت عيسى نعّوس يصدح من استراحة العموري "مسعد يا تنّور".