الشاعر أحمد الجندي يروي قصة نفيهم زمن العثمانيين
2023.06.28
نصر شمالي:
هذه الحكاية الواقعية الحقيقية العثمانية رواها في مذكراته الأديب العربي السوري الراحل الأستاذ أحمد الجندي (1910-1990) من أهالي مدينة سلمية في محافظة حماة، ووالده القاضي علي الجندي المتوفى عام 1926..
في بدايات مذكراته التي تحمل عنوان "لهو الأيام" تحدث أحمد الجندي عن طفولته في سلمية التي كان تعداد سكانها حوالي 4 - 5 آلاف نسمة، وكانت فيها مدرسة واحدة.. ولأن والده القاضي علي الجندي كان من المعارضة العربية المناضلة ضد العهد العثماني فقد تقرر نفيه إلى تركيا في خضم الحرب العالمية الأولى في العام 1916، وكان الأستاذ أحمد الجندي حينئذ طفلاً في السادسة، وقرارات النفي التركية كانت تطال الكثير من المعارضين العرب في مختلف أنحاء سورية، وكان في استطاعة المعارض المقرر نفيه أن ينفذ القرار بمفرده أو أن يصطحب معه أسرته إن أراد ذلك، وقد اصطحب القاضي علي الجندي أسرته إلى المنفى بل اصطحب معه خطيبة ابنه الكبير حيث أقيمت حفلة العرس الفخمة لاحقاً في مدينة المنفى التركية، في مدينة "بيلجك" القريبة من مدينة "بورصة" في أقاصي تركيا..
وقصة النفي الذي دام حوالي عامين على أهميتها استهلكت صفحات قليلة جدا من مطلع المذكرات، لماذا؟ لأن النفي يبدو أشبه برحلة سياحة حرة، ممتعة في الذهاب والإياب، قامت بها برغبتها أسرة محترمة ميسورة! يقول الجندي أن الأسرة المنفية غادرت سلمية مودعة من حشد شعبي ورسمي علناً وحتى ضواحي سلمية، وفي الطريق حيث حملتها العربات برعاية رسمية كانت تستقبل بالحفاوة والإكرام أينما حلت في القرى والمدن وفي حماة وحلب، حيث المعارف العرب والسلطات أيضاً يكرمونها ويؤمنون احتياجاتها وإقامتها ويسهلون لها متابعة سفرها بوسائط النقل العامة كأي مسافر عادي ميسور ومحفوظ الكرامة!
وأثناء وجودها في حلب يروي أحمد الجندي أخباراً طريفة ومدهشة عن الأيام القليلة الممتعة التي قضوها فيها برعاية العرب، وبخاصة أبناء سلمية الموظفين في حلب، وبرعاية السلطات أيضا، حتى أن الإبن الكبير للمنفي حضر حفلة غنائية لمطربة مصرية مشهورة في أحد ملاهي حلب! ونتابع رحلة النفي عبر الأراضي التركية حيث يروي أحمد الجندي أنهم في كل بلدة كانوا يجدون من يستقبلهم بحفاوة ويكرمهم ويرعاهم سواء من العرب أو من السلطات الرسمية التركية، وأنهم عندما وصلوا مدينة "بيلجك" أنزلتهم السلطات التركية في ما يشبه قصراً من أربعة طوابق توفرت لهم فيه كل أسباب الراحة والمدارس للأولاد والمعلمين الخصوصيين..
ونفهم من كلامه أن الأسر العربية المنفية كانت تعيش حياة أرستقراطية حقاً، وتعامل رسمياً بمنتهى الاحترام!
وعندما سمحت السلطات للمنفيين العرب السوريين بالعودة إلى بلادهم استثنت منهم من لم يبلغ الستين من عمره، وشمل الاستثناء القاضي المنفي علي الجندي، فعادت الأسرة إلى سلمية من دونه، وعوملت في طريق العودة في كل مكان حلت به كما عوملت في رحلة النفي..
والأهم أن القاضي المنفي لحق بأسرته بعد أيام قليلة من دون موافقة السلطات التركية، ولقي المعاملة اللائقة في كل بلدة مر بها حتى وصل بيته في سلمية معززاً مكرماً!