في حضرة صاحبة الجلالة الملكة زنوبيا- ح1
2023.04.01
مروان حبش- فينكس:
برزت مدينة تدمر، وسط صحراء خضراء، يحيط بها من الخلف هلال من التلال، وبدت الأسوار الشامخة مزركشة بالفجوات بدقة ومهارة، تتوسطها أعمدة رفيعة تتألق بياضاً في نور الشمس الخافت وكأنها عناقيد من العاج، موسومة بالزمرد، تستحم في توهج أبيض، وترامت خلف المدينة سهول الصحراء، على مد النظر، حتى اتصلت بالسماء عند الأفق، لتزيد من حدة عزلتها.
سميت بتدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن لاوذ بن سام بن نوح، وتعني بالآرامية "الجميلة".
كان، أذينة، هذا الزعيم العربي الذي لقب بزعيم الشرق قد أنقذ الإمبراطورية الرومانية في آسيا بصده وهزيمته الجيوش الفارسية، ودفع بها إلى ما وراء نهر الفرات، وانفرد بالسلطة في المشرق بما يشبه الاستقلال التام عن سلطة روما.
تربعت زنوبيا هذه المرأة الجريئة على العرش إبان حكم غاليان، ويوم كان كليوديوس يحارب القوط. انفردت زنوبيا بالحكم عام 266 م، وصية على ابنها وهب اللات، بعد اغتيال زوجها أذينة وابنه في حمص. وخاضت معارك في الشمال انتصرت فيها، كما استردت مصر لحكمها، واحتفلت في تدمر، عام 271، بذلك، وأصدرت نقوداً تشير إلى استقلالها عن روما.
يقول تريبليوس بولليو، المؤرخ اللاتيني من القرن الربع ميلادي: (شوهدت امرأة أجنبية تدعى زنوبيا، وقد ارتدت، بعد اغتيال زوجها أذينة، المعطف الإمبراطوري وتزينت بكل شارات السلطة، وأحاطت جبهتها بالتاج، وحكمت.
كانت أجمل من كليوباترة وأبعد تأثيراً كحاكمة، وأشجع من الملكة الآشورية سمير آميس، وقد وصفتها المصادر الرومانية بما يلي: (سمراء لوحتها الشمس، سوداء العينين يشع منهما بريق رائع، أسنانها أشبه بالجمان، تتكلم بصوت رنان قوي، وتخطب بجنودها معتمرة الخوذة، وتركب العربة الحربية، وقلما تعتلي السرير المحمول، ولكنها تمتطي الجواد في غالب الأحيان، وتحتمل الشمس والغبار، قوية البنية مثل زوجها، إنها أنبل نساء الشرق، وأكثرهن جمالاً).
لقد أيقظت الشعور القومي في جميع أقطار شرق البحر المتوسط، وبدأت عملية التحرر من سيطرة الغرب، وأدركت بفطنتها وذكائها أن الشرق مركز الثقل في السياسة العالمية من تلك الحقبة، ونشرت العلم، وفتحت آفاقاً تجارية واسعة غير طريق الحرير، وسعت لإلغاء الرق، وتحرير المرأة.
وفي ملاطفة أورليان مع زنوبيا سألها: ما اسم طفلك يا سيدتي؟ وكم يبلغ من العمر؟ أجابته، (إنه في الثانية من عمره، دعوناه وهب اللات وتفسير ذلك بلغتكم "هبة الإله اللات،.... إنه مواطن تدمري، يا أيها القائد، أعني إنه عربي، لقد اخترت له اسماً من لغتنا، وأنا سعيدة جداً أن تكون الألفاظ العربية هي الأولى التي تدور على شفتيه).
كانت زنوبيا طموحة، قوية الشخصية، ذات ثقافة عالية، تجيد التحدث باللغات التدمرية واليونانية والمصرية وبعض اللاتينية، مولعة بالأدب والتاريخ والفلسفة، وضمت إلى بلاطها كبار رجال العلم والفلسفة وفي طليعتهم الفيلسوف الحمصي "لونجينوس".
قالت زنوبيا: كنت ذات يوم أحاور معلمي "كورنيلوس" الذي كان يحاول تمويه حقائق التاريخ، فقد تعاطفت معه بشأن اليونانيين الذين جاؤوا، بعد موت الاسكندر الكبير، وأقاموا في سوريا والبلاد العربية الأخرى، وكشفوا لنا عن عالم جديد، لم يكتف هؤلاء الرواد ببناء المدن الجديدة، والشوارع ذات الأعمدة والأروقة، والمسارح والقصور، والمدارس، وإنما علمونا اللغة المجنحة للشعراء والتجار التي مكنت رجالنا، عابري الصحاري، من الوصول إلى أقاصي الشرق والاتصال والتفاهم مع باقي سكان الأرض الآهلة.. في حين جاء الرومان إلى بلادنا بعد ثلاثة أجيال فحسب، ومعهم جحافلهم وفيالقهم الوحشية، وآلات الخراب والدمار، والحكام الطغاة، والولاة المتسلطون الجشعون وقساة القلب، والعشارون الغلاظ، وسارقو الكنوز من القصور والمقابر على السواء، وتجار التماثيل العارية، وناشرو الرعب والإجرام...
يتحدث الرومان عن روعة بلاطها، وكانت تعيش حياة الأبهة والوقار في بلاط فخم يتبع نظام الأكاسرة، وكانت حاشيتها تحييها بالسجود، حسب الأسلوب الفارسي. وكانت في المناسبات الرسمية تلبس ثوباً أرجوانياً موشى بالجواهر ومشدوداً عند الخصر، وتترك أحد ذراعيها عارياً حتى الكتف، وكانت تركب والخوذة على رأسها في عربة تشع بالأحجار الثمينة، ... كما كانت مضرب مثل العفة، ولا تشرب الخمر إلا نادراً، فإذا شربت مع قادتها تفوقت عليهم، ولم يظهر طوال حكمها أي نزاع بين العرب والأرمن أو سواهم.
يفيض تاريخ زنوبيا ملكة الشرق وأورليان امبراطور روما بالحوادث المثيرة المدهشة، لدرجة تتجاوز حدود الخيال. وربطت الصدفة بينهما فنشأت علاقة من الألفة والخصومة في وقت واحد.
إن مدى النصر التدمري وكماله وشموله، وإن زنوبيا أصبحت من القوة بحيث باتت خطراً أقلق بال روما التي أرسلت الجيوش بقيادة الامبراطور أورليان لاستعادة مصر وإعادة المملكة التدمرية لحظيرة روما.
وعلى ظهر سفينة أرسيت في منطقة محايدة في مضيق "هيلس بونط" الذي يعزل أوروبا عن آسيا تم اللقاء بين زنوبيا وأورليان، وبادرته قائلة: هل اطلعت يا أورليان على قصة أنطونيو وكليوباترة؟ وهل تعلم أنهما اتخذا سفينة مكاناً للقاءاتهما؟ واستطردت، هل تذكر أول لقاء لنا في تدمر، وكان وجهك يحمر كلما تحدثت معك. ثم سألته: ما الذي حملك على طلب هذا اللقاء؟
- أردت أن نبرم فيما بيننا اتفاقاً.
- لمصلحة روما؟
- لمصلحتنا، لمصلحة كل منَّا، في أن واحد، فلن نستطيع أنت وأنا، المضي أبعد من هذا الحد يا زنوبيا دون أن نتفق، وإلا فسيدمر أحدنا الآخر.
- أنا أسعى دوماً نحو السلام. أما أنت يا أورليان ...أنت رجل حرب. فلا بد إذن من دافع قوي وحافز كبير لديك حتى جئت تعرض عليَّ اتفاقك.
- لن يتسع العالم لكلينا، بعد الآن، إلا إذا توصلنا إلى طريقة للعيش فيه بسلام دائم.
- والتفتت مبتسمة إلى أورليان وقالت: إني إلى جانب أي اتفاق يحقق لنا سلماً دائماً. وما هي الشروط.
- ابرام معاهدة صلح وسلام، تحتفظين أنت بموجبها بجميع المقاطعات التي استوليت عليها في الشمال، وتسترد روما مصر والمقاطعات العربية المجاورة لها. ولقد بدأت جيوش روما بالزحف على مصر، وسيستمر زحفها، إن دعت الحاجة، حتى تصل إلى تدمر نفسها، فإن ترددت، أو حاولت كسب الوقت، فقد يتعذرعلي وقف اندفاع الجيش، عليك أن تتخذي قرارك الآن، إما معاهدة الصلح التي أعرضها عليك وإما الحرب الشاملة. وسأعتبر استيلاءك على مصر خطأ في التقدير.
- لم يكن استيلائي على مصر خطأ في التقدير، وإنما حاجة وضرورة، فعندما يسير المرء شوطاً بعيداً في طريق حروب التحرير، لا يحق له أن يتوقف أو يتراجع، إذ يصبح الاستمرار شرطاً وسبباً للبقاء، وإنني أدرك أن روما لا تسمح أن تنفصل عنها امبراطوريتها الشرقية، وأن تحكمها ملكة سورية، ومعاهدتك التي تقترحها ليست هي أكثر من وسيلة حتى يتيح لك الوقت وتهاجمني لإعادة بلادي المحررة إلى عبودية روما، لذا لا تفرض علي شروطاً تعلم أنت أنني سأرفضها.
- أعترف لك يا سيدتي أنك امرأة فريدة، فهل من العبث أن أدعوك مرة أخرى إلى التمسك بالحكمة والتبصر فيما عرضته عليك؟
- يبدو أن لا مناص من خوض حرب مصيرية معك. ولكنني لن أستسلم، حتى لو كانت النتائج غير مضمونة.
قالت ذلك وغادرت بزورق السفينة لينقلها إلى الشاطئ.
- وداعاً يا زنوبيا. الحرب إذن قائمة بيننا.. سألحق بك عن قريب مع جنودي.
وقاتلت جيوشها الجيوش الرومانية في مصر، وفي انطاكية وفي حمص، ثم انحسرت إلى تدمر المحصنة. وفي ردها على رسالة الامبراطور الروماني أورليان الذي كان جيشه عام 272، يحاصر ويطوق تدمر، كتبت: (من زنوبيا ملكة الشرق إلى أورليان أوغست، لم يتجرأ أحد قبلك أن يطلب مني الاستسلام، ففي الحرب يحسم كل شيء بالشجاعة، ألا تعلم أن كليوباترة فضلت الموت كملكة على أن تعيش بذل.... إن شعب تدمر يهوى الحرب ولا يخشى الجوع، ويفديني بكل غال ورخيص، فلا تنتظر مني الاستسلام).
بعد حصار طال زمنه، ولم يحقق أورليان أي انتصار على مقاومة المدينة الباسلة بسبب إرادة القتال الصلبة لدى الملكة وقادتها، وإلى المستوى القتالي للقوات التي دمرت هجمات الرومان، مضافاً إلى ذلك التنظيم الإداري الجيد للمدينة.
كانت قبضة الحصار محكمة، وأخذت الملكة على عاتقها أن تجد مخرجاً له، وقررت أن تقصد سابور ملك الفرس الساسانيين لطلب النجدة، فتسللت من المدينة على "هجين سريع" بمرافقة فئة من حاشيتها وأعوانها، وأدلحت في طريق خفي حتى وصلت نهر الفرات، غبر أن الخيانة، وأعين الرومان كانت متيقظة، فانطلقت كوكبة من الفرسان يقودها الامبراطور ذاته، في مطاردتها، وما كادت تنزل من القارب لتعبر النهر حتى حيل بينها وبين الوصول للضفة الأخرى. لكن أورليان رآها فلحق بها بعدما أصبحت وحيدة، وزلفت زنوبيا بخفة عن ناقتها، وركضت مسرعة إلى حافة الشاطئ باتجاه الزورق، والتحم الفرسان في قتال مصيري، ترك المجال مفتوحاً أمام زنوبيا لتبتعد منطلقة إلى شاظئ النهر، ولكن أورليان تجاوزها، ودخل في مياه الفرات بحصانه، وحال بينها وبين وصولها إ لى الشاطئ. وعاد أورليان على رأس فرسانه وهو يقود زنوبيا خلفه، ممسكاً بطرف حبل وثاقها، وهي رافعة رأسها بإباء وشموخ.
يتبع