بريكليس: نصير الديمقراطية والحكم الصالح
2023.01.13
مروان حبش- فينكس:
بريكليس 490-429 ق. م، الذي تعلم الموسيقى والأدب على يد فيثاغورس، واستمع إلى محاضرات زينون في أثينا، وأصبح تلميذاً مخلصاً للفيلسوف أنكساغوراس، ويعتقد أفلاطون (إن الفيلسوف أنكساغوراس هو الذي دفع بريكليس إلى شؤون الحكم والسياسة)، ويقول المؤرخ فلوطرخيس (إن اتصال بريكليس الطويل الأمد بأنكساغوراس هو الذي أفاد منه سمو القصد، وقوة اللغة التي سمت كثيراً فوق بلاغة الغوغاء وما فيها من سخف حقير دنيء، هذا فضلاً عمَّا أفاده من هدوء واطمئنان ووقار في جميع حركاته، وثبات لا يزعزع قط مهما يحدث حوله أثناء خطبه).
لما رأى ذلك الأرستقراطي المولد، أن مبادئ الحزب الألجركي (المحافظ) لا تتمشى مع روح العصر، انضم من بداية حياته إلى حزب (الديموس) أي حزب سكان أثينا الأحرار الديمقراطي، وتولى زعامة هذا الحزب عام 461 ق. م، كان هذا الأولمبي الصلب، متمتعاً بالكياسة والمقدرة اللتين لا بد منهما للنجاح في الحكم والسياسة، ولم يكن يتردد في أن يمضي في أي عمل تفرضه عليه قواعد التربية الحقة، وكان حين يقدم على أي عمل سياسي يستعد له أكمل الاستعداد. وكان صالحا ومستقيماً، ومبرأً من جميع ضروب الفساد، وأكبر من أن يهتم بجمع ثروة، ومنزهاً طاهراً، وفي أهدافه من العظمة بقدر ما في وسائله من التطور. عمل على رقي أثينا وتقدمها، وجعل منها مركز دول اليونان الثقافي، فكان عصره، عصر النور والمعرفة الذي يبعث في آفاق البشرية مبادئ الفكر الفلسفي العميق. وعصر الفن البالغ ذرى معانيه، وأبهى روائعه الإنسانية الخالدة، وعصر تطور علمي في زمن يكاد يكون خلواً من الآلات العلمية، وعصر تنوع الأفكار واضطرابها في تحديه لجميع المعايير والعقائد التقليدية القديمة، وعصراً عُرف بكثرة الآراء الفلسفية وعظمتها وغزارتها، وفي القوة التي تُناقش فيها، حيث كانت كل المسائل تدور على ألسنة الناس، وبهجة الفلسفة تستحوذ على خيال الطبقات المتعلمة في أثينا.
أجمع محبو بريكليس ومعارضوه أنه يمتلك ثقافة سريعة النماء، فصيح اللسان الذي لم تسمع أثينا قبله مثل فصاحته في قوتها وعظيم تأثيرها، وكانت خطبه خالية من الانفعال، تتأثر بها العقول المستنيرة، وكان قليل الكلام وجيزه، يدعو الآلهة ان تمسك لسانه فلا ينطق بأي كلمة لا تمت بصلة قوية للموضوع الذي يتكلم به. و أن نفوذه لم يكن مستمداً من ذكائه فحسب، بل من صلاحه واستقامته أيضاً. ويجمع مؤرخو عصره أنه كان أكمل إنسان أنجبته بلاد اليونان جمعها.
ومما يدل على حكمة الأثينييين أنهم ظلوا خلال ثلاثين عاماً أو نحوها ينتخبونه ويجددون انتخابه، وكان بقاؤه في منصبه هذه المدة الطويلة نسبياً، جعله واحداً من القادة العشرة لأثينا، وصاحب السلطة العليا في المجلس العسكري، والموجه لجميع قوى أثينا المادية والروحية في خلال عظمتها ومجدها. واستخدم في السياسة جميع نواحي الحضارة الأثينية الاقتصادية، والعسكرية، والأدبية، والفنية، والفلسفية.
استمتع سكان أثينا في عهده بجميع مزايا الديمقراطية، مضافة إلى رضا المواطنين الأحرار، وكان وجوده وإعادة انتخابه، يثبت المبدأ القائل إن "خير وسيلة لتنفيذ الإصلاحات القائمة على أسس الحرية، و أضمن الطرق لتثبيت هذه الإصلاحات وتقوية دعائمها هي أن يتولاها زعيم يستمتع بتأييد الشعب"، ومن أجل ذلك بلغت الحضارة اليونانية أعلى درجاتها حين نمت الديمقراطية نمواً كافياً يكفي لأن يكسبها قوة وتعدداً في نواحي نشاطها، إضافة إلى حسن النظام وسلامة الذوق، وأدت إصلاحاته إلى زيادة سلطة الشعب زيادة عظيمة، وانسجاماً مع مقولته (نحن الأثينيين الشعب الوحيد في العالم الذي يعتبر أن من لا يهتم بالشأن السياسي ليس مواطناً صالحاً وإنما مواطناً عديم الجدوى)، وسَّع في عام 457 ق. م حق الانتخاب، الذي كان من قبل مقصوراً على الطبقات الغنية، حتى شمل الطبقة الثالثة من الأهلين، انطلاقاً من أن هؤلاء الفقراء لهم الشأن الكبير في الدفاع عن أثينا. كما شَّرع قوانين تهدف إلى المحافظة لأهل مدينة أثينا الحريصين على حقوقهم بما يعود عليهم من هذه الحقوق الوطنية والامبراطورية بكل المزايا.
وقد خصص من مال الدولة، لكل مواطن مبلغاً من المال كل عام، يؤديها أجراً لدخوله لمشاهدة ما يعرض من مسرحيات وألعاب في الأعياد العامة، وحجته في ذلك أن هذه المسرحيات والألعاب يجب أن لا تكون امتيازاً تختص به الطبقات العليا والوسطى، بل يجب أن تهدف إلى رفع وصقل مستوى الناخبين العقلي جميعاً.
كان الحكم في عصره صالحاً، واجتمع لأثينا حسن التوجيه وفرط الذكاء، وسرعة البت في الشؤون العامة، مضافة إلى رضا المواطنين، وأدرك أن أي أنواع الحكم يبدو في أعين الناس صالحاً إذا عاد عليهم بالحرية والرخاء.
كانت الحرية والديمقراطية تتعاونان مع الزعامة المثقفة على خلق عصر أثينا الذهبي المجيد، وكان في وسعها أن تشهد ذروة مجد الحياة في بلاد اليونان وكمال وحدتها من سياسة، وعلم، وفلسفة، وأدب، وفن، وأخلاق وتراها وقد اندمج بعضا ببعض، فتكوَّن منها صرح متعدد الألوان هو مفخرة هذه الأمة
ولم تكن ديمقراطيتها نظاماً يفسح الطريق لكل مواطن ليفعل ما يحلو له، وكما أنها لم تكن رقيباً عتيداً على الأملاك والنظام فحسب، بل كانت تشجع بالمال المسرحيات اليونانية وتعمل لرفاهية الشعب وتقدمه وتهيء له الفرص التي تمكنه أن يعيش على خير وجه.
إن ديمقراطية أثينا، دون غيرها من أنواع الحكم، هي التي استطاعت أن تطلق تلك الطاقة التي رفعتها إلى أسمى مقام بلغته أمة في التاريخ، ذلك أن الحياة السياسية داخل نطاق المواطنين لم تبلغ قبل ذلك العهد أو بعده ما بلغته من القوة والابتكار، وأقل ما يقال في هذه الديمقراطية إنها كانت مدرسة تنضج العقل والفهم، وتنمي القدرة على الحكم.
كانت ديمقراطية أثينا، أضيق الديمقراطيات وأكملها في التاريخ، لقد كانت أضيقها لقلة من يشتركون في امتيازاتها، وأكملها لأنها تتيح لجميع المواطنين على قدم المساواة فرض السيطرة بأنفسهم على التشريع وتصريف الشؤون الإدارية، و من أجل هذا، يُقال: (إن التاريخ لن يجد حرجاً من أن يصفح عن جميع خطاياها).