تجلّيات بابويّة
2022.12.11
محمد سعيد حسين - فينكس
على عكس أغلب أقراني، كنتُ في طفولتي الأولى، أستمتع بالأسئلة "المهضومة" التي درَجَ "الكبارُ" على عادة رشقِها في وجوه الأطفال الّذين يصادفونهم في حياتهم، ولعلّ أكثر هذه الأسئلة المتداولة "ظرفاُ ولطفاً" وبالتالي إمتاعاً لي هو:
ـ مين بتحب أكتر، البابا أو الماما؟!!
كانت متعتي لا تضاهى وأنا أحدجُ "الماما" بنظرة تشفّ وتحدٍّ، مجيباً بسرعةٍ وجرأةٍ تفاجئ بلاهة "السائل" دائماً: ـ البابا - أحبّ البابا أكثر..!
ولتتحوّل تلك النّظرة تلقائياً، إلى مزيجٍ من العتبِ واللّؤم، حالما أبدأ بشرح أسبابي؛ دون أن يُطلَبَ منّي هذا غالباً؛ قائلاً: البابا لا يطالبني أن "أدرس" أو أن أذهب إلى "العين" البعيدة لجلب الماء، أو أن أعيدَ للجارةِ أرغفة الخبز الّتي أرسلَتْني أمّي بالأمس لاستعارتها، كي تعطيها "للشحّاذات"؛ اللواتي كنّ يُثِرنَ دهشتي دائماً باصطحابهنّ طفلين، أحدهما محمولاً على الخاصرة اليسرى، والآخر في كيسٍ معلّقٍ على الظّهر! ثمّ أبدأ بتعدادِ الأشياء الّتي يجلبها لي "البابا" لدى عودته من الأمكنة الكثيرة والبعيدة التي كان يذهب إليها ويغيب طويلاً..!
بيد أنّ الأكثر غرابةً لديّ حينذاك، وبعد كلّ إجابةٍ على السؤال عينه، هي دموع "الماما" التي كانت تلطم وجهي الطفليّ، وهي تضمّني إلى صدرها قائلةً: (برابو عليك يا ابني)...!!
في تلك الأثناء، لا تتصوّروا كم كان حجم فرحي عظيماً، عندما عرفتُ أنّ الاسم الحقيقي للشخصية التليفزيونية الشهيرة، معشوقة الكبار قبل الصّغار، (أمّ كامل) هو: "أنور البابا" وليس "أنور الماما"، رغم السّؤال العويص الّذي أعجَزَني حينذاك:
ـ (كيف لهذه أن تكون "أم" و "بابا" في الوقت ذاته؟!)
في زمنٍ لاحقٍ، استقرّ "البابا" بيننا، بعد أن أقلعَ عن عادة إطالة الغياب في أماكنَ بعيدةٍ ومجهولة، وأصبح الكبارُ يتلذّذون أكثر بجوابي المعتاد لهم، وهم يرون "البابا" يعتصرني بين ذراعيه مطلقاً ضحكته المجلجلة، تعبيراً عن فرحته بي وأنا أحبّه أكثر، دون أن ينسى توجيه بعض النظرات والتعليقات الكيدية إلى "الماما" الّتي لم تُقلع أبداً عن عادة ضمّي ورشقي بعبارة: (برابو عليك يا ابني) ولكن دون أن تلطم خدّي سخونةُ دمعها كما درجت العادة.!
كبرتُ، أو هكذا خيّل إليّ، وأصبحتُ أكثر قدرةً على التّمييز بين الأسئلة التافهة وتلك الأكثر تفاهةً، واستطعت ببساطةٍ اكتشاف كم كان جوابي حينذاك أتفه من السؤالِ وسائِله، ولكنّ الاكتشاف الأخطر الذي جاء تراكميّاً، هو أنّ "البابا" في مجتمعنا، ليس سوى حاكماً مطلقاً بأمره فيمن يُفترض أنها أسرتُه، اكتشافٌ، لم أتوصّل إليه بهذا الوضوح، إلا بعد أن عاينتُ وعانيتُ، اضطهاد "البابا" بكل أشكاله وتجلّياته المعروفة وغير المعروفة عبر التاريخ البشريّ.
وصرتُ أكثر ميلاً لاعتبار قبول الفنان السوري الكبير، الراحل أنور البابا بلعبِ دور "أمّ كامل" طوال مسيرته الفنّيّة المميزة، ردّ فعلٍ رافضاً لسطوة هذا البابا الذي يحمله في اسمه وصفته الفيزيولوجية، وبدأتُ باستحضار الأشكالِ (البابويّة) التي سُلّطتْ على رقابنا منذ بدء تحوّل المجتمع الإنساني من مرحلة ما يسمى بالعصر الأمومي، إلى الذّكورية السّافرة التي أصبحت عليها الآن، دون أن أنسى استعراض الكمّ الهائل من (الآباء الملهمين العظام) الّذين مرّوا على تاريخنا المغرق في العنف والدّم..!
بيد أنّ تكاثر "البابوات"، الّذين يحلمون بممارسة "أبوّتهم الرّحيمة" علينا، منذ بدء الحرب السّورية حتى الآن، عبر طرح أنفسهم كبدائل لنظامٍ هو الّذي أنتجهم على شاكلته ـ بل أكثر سوءاً أصلاً - وكذلك الأسماء الكثيرة الّتي طفَتْ على سطح هذه الحرب، لـ (بابوات مناضلين) لم نكن قد سمعنا بأسماء أغلبِهم، ومنهم من كان يرفل "بنعيم" هذا النّظام "البابوي بامتياز"، ثمّ تحوّلوا ـ بقدرة قادرٍ ـ إلى رموز ثوريّين من الدّرجة الأولى، أجبرني على مسح قائمة تفضيلاتي البابويّة، باستثناء واحدٍ منهم فقط، هو أحد أكثرهم قبحاً وعرياً وحقداً، عبر تاريخهم الذّكوريّ الحافل بالجدب والقحط، فقط كي لا أنسى أنّ (حُكْمَ) البابا أورَثنا كل هذا النّدم والدّم!.