فولتير في الباستيل
2022.10.29
مروان حبش- فينكس
من المعروف أن فولتير هو من أبرز مفكري حركة عصر الأنوار التي ترمي إلى تحرير العقل الإنساني من الخرافة واستعمال العقل من أجل الإصلاح السياسي والاجتماعي، وكان أهم ما حمله فولتير إلى الفكر السياسي في زمانه هو تعبيره عن التسامح وحقوق الإنسان، وكان أكثر الكتاب قراءة في عصره، وقبل وفاته بقليل تُوِّجَ امبراطوراً على امبراطورية الآداب من جانب المعجبين به في أوبرا باريس.
لم يكن فولتير مؤمناً بالمساواة ويراها بأنها الأكثر بداهة وبذات الوقت الأكثر وهماً. وفلسفته الاجتماعية هي فلسفة ملاّك بورجوازي، ولقد عرفت البرجوازبة الأوربية نفسها في (الملك فولتير).
ويقول فيلسوف وسياسي فرنسي من القرن التاسع عشر: إن الملك الحقيقي للقرن الثامن عشر هو فولتير، كما يقول الفيلسوف والمؤرخ الأدبي الدانماركي جورج براندس 1842- 1927: إن فولتير خلاصة قرن من الزمان.
في مذكرات الكونت سان- سيمون"1" فقرة مميزة تصف شاباً محدثاً أثار ضجيجاً في فترة الوصاية اسمه فرانسوا ماري آروويه، وعرف فيما بعد باسم "فولتير" ومنهم من ردَّ هذا الاسم إلى تلاعب في حروف اسمه، وآخرون إلى أنه ورث عن عمه مزرعة اسمها "فولتير" وأضاف هو إلى الاسم لقب "دو".
كان "فولتبر" ينظم أبياتاً من الشعر، فيها هجوٌ شديد ووقاحة بالغة، ويقول سان- سيمون: (ماكنت لألهو بتدوين هذا الحدث التافه لولا أن "آروويه" هذا، الذي أصبح شاعراً وأكاديمياً كبيراً باسم "فولتير"، وأصبح كذلك شخصية في دولة الأدب، لا بل بلغ شيئاً من الأهمية بين بعض الناس، كان شعره متألقاً، وذكاؤه حاضراً، بتشرب الهرطقة وينشرها).
هجا "فولتير" الوصيَّ على عرش فرنسا، "فيليب دوق أورليان"2 الذي كان قد اختزل إلى النصف خيول المرابط الملكية، فعلق "فولتير" على هذا: (بأنه كان خيراً للوصي أن يطرد نصف الحمير الذين يزحمون بلاط سموه)، كما أنه نشر أبياتاً من الشعر عن أخلاق ابنة الوصي (أنكر أنه كاتبها حتى أواخر أيام حياته، ولكنها نشرت في أعماله الكاملة)، ولم يغفر الوصي الهجائيات الموجهة إلى ابنته، وعليه ففي 5 أيار 1716 أصدر أمراً بنفيه إلى مدينة (تل) الواقعة على بعد 300 ميلاً جنوب غربي باريس، وتوسط له والده عند الوصي الذي وافق على تغيير المنفى إلى مدينة (صلى- سير- لوار) على بعد مائة ميل من العاصمة، واستضافه "الدوق صلى" في بيته، وقد استمتع " فولتير" بكل شيء إلّا الحرية، وبعد ما يقارب العام، وجه شعراً برسالة للوصي يؤكد فيه براءته ويلتمسه العفو عنه ليعود إلى باريس، واستجاب الوصي لذلك.
استمر "فولتير" الذي اعترف به الناس بأنه أعظم شاعر حي في فرنسا، بنظم الشعر (في بذاءة أحياناً وفي سطحية في كثير من الأحيان وفي ذكاء دائماً)، حتى أصبح يُنسب إليه كل هجو لاذع يتم تداوله في المقاهي والأماكن العامة، دون معرفة كافية بناظمه، وفي مطلع عام 1717 انتشر هجاءٌ لاذعٌ جداً، بدأت كل جملة فيه بكلمة "رأيت": (رأيت الباستيل وألف سجن آخر مملوءاً بمواطنين شجعان ورعايا أوفياء. رأيت الناس يرسفون في عبودية قاسية. رأيت الجند يهلكون جوعاً وعطشاً وسخطاً. رأيت شيطاناً في زي أمير يحكم المملكة. رأيت "دير بورت - رويال" وقد هُدِم. رأيت يسوعياً يُعبد. ورأيت كل هذه الشرور وأنا لم أجاوز العشرين بعد). وكانت هذه الأبيات تهجو "الملك لويس الرابع عشر وزوجته مدام دمانتنون".
امتدحت الألسن "فولتير" على هذه القصيدة، ولم يصدق أحد إنكاره تأليفها (إلا مؤلفها الحقيقي)3، واتهمته الشائعات التي نُقلت إلى الوصي بكتابة (صبيُ "لويس 15" يملك، ورجل مشهور يقوم بتسميم الخصوم، وغشيان المحارم، يحكم، وثقة الشعب تنتهك، والبلاد يضحى بها طمعاً في تاج، وفرنسا على شفا الدمار). وفي 16 أيار 1717 صدر أمر ملكي مختوم بأن يقبض على السيد "فولتير" ويودع الباستيل، وفوجئ الشاعر في مسكنه، ولم يسمح له بأن يأخذ غير الثياب التي يرتديها، وكتب في فترة سجنه ملحمة (الهنريادة)4، ودون نصفها الأول بين سطور الكتب المطبوعة التي سُمِح له بإدخالها.
أفرج عنه في 11 أيلول 1718 ونفي إلى شانتييه شمالي فرنسا، ومنها كتب إلى الوصي رسائل يلتمس فيها الصفح، ولانت قناة الوصي ثانية، وأصدر في 12 تشرين الأول إذناً للسيد "آروويه دي فولتير" بالقدوم إلى باريس وقت يشاء.
وعلى إثر مطالبته المبارزة مع خصم له في نيسان ١٧٢٥، وكان القانون يعدها جريمة كبرى، وجد نفسه نزيل الباستيل ثانية، وكتب للسلطات يدافع عن مسلكه، وعرض أن يُنفي نفسه إلى إنجلترة مختاراً إذا أفرج عنه، وقُبل اقتراحه، ووافقت السلطات، بعد خمسة عشر يوماً من اعتقاله، على اقتراحه، وفي 10 أيار ركب البحر من مدينة كاليه، مسلحاً بالكتب لدراسة اللغة الإنكليزية، وراغباً في رؤية البلد الذي سمع أن الناس والعقول فيه أحرار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"1" سان – سيمون: 1750- 1825 هو الكونت هنري دو سان سيمون، فيلسوف واقتصادي فرنسي
"2"- الوصي: هو فيليب دوق أورليان الذي أصبح وصياً على الملك لويس الخامس عشر الذي كان عمره خمس سنوات، حين وفاة جده الملك لويس الرابع عشر. ومن الشائعات عنه أنه كان يغشى المحارم مع بناته
"3" لقد كان الكاتب الحقيقي لهذا الشعر يدعى "أ. ل. لبرون"، والتمس بعد ذلك الصفح من فولتير لأنه تركه يتحمل تبعة كتابتها.
"4" الهنريادة: كتبت في الملك الإنجليزي هنري الرابع، معارضة لإلياذة هوميروس، وإنياذة فرجيل، بأسلوب نثري جيد، ولكنها افتقدت لأخيلة الشعر المثيرة.
كان هنري الرابع إنساناً مرحاً، جسوراً، بطلاً، فاسقاً، متسامحاً، كريماً، واتخذت الملحمة مذبحة القديس بارتيلميو "24 آب 1572 " نضالها، وتتبعت الجرائم الدينية خلال العصور (الأمهات يقدمن أبناءهن محرقات على مذابح الإله ملخ، آغا ممنون يتهيأ لتقديم أبنائه قرباناً للآلهة التماساً لقليل من الريح، المسيحيون يضطهدهم الرومان، المهرطقون يضطهدهم المسيحيون، المتعصبون "يدعون الرب وهم يذبحون إخوتهم"، والأتقياء يوحى إليهم بقتل الملوك الفرنسيين. وأشادت الملحمة باليزابيث لتقديمها المعونة لهنري نافار 1553- 1610 هو "هنري الرابع ملك فرنسا 1589- 1610"، وامتدحت دخوله بالكاثوليكية، وانتقدت البابوية لأنها قوة لا ترحم المغلوبين.