روسو الفتى الشريد و جوّاب الآفاق 4من4
2022.10.18
مروان حبش- فينكس
1712- 1778
لم تطل راحة روسو على هذه الجزيرة، ذلك أن مجلس شيوخ "بيرن" أمره بأن يرحل عنها ويغادر المقاطعة كلها خلال خمسة عشر يوماً، واقترح روسو على المجلس، بديلاً يائساً لحكم الطرد: (إذا تفضل أصحاب السعادة بالموافقة، وذلك إنني إذا طاب لهم، سأقضي ما تبقى لي من عمرٍ، سجيناً في إحدى قلاعهم أو في أي مكان آخر من قراهم يرون اختياره، وعلى نفقتي، وأقبل ألاَّ أحمل ورقاً أو قلماً أو أكون على اتصال بأي إنسان في الخارج، فقط اسمحوا لي مع بعض الكتب، بالاحتفاظ بحرية المشي في حديقة، بين الحين والحين... لقد ترويت في اتخاذ قراري ... فالحياة المضطربة التي أُكرهت على أن أحياها سنوات عديدة دون انقطاع، خليقة بتعذيب رجل موفور العافية، فما بالكم بعليل تعسٍ براه التعب وسوء الحظ ولم يعد له من أمنية إلا أن يموت في هدوء وسلام). ولكن مجلس "بيرن" أصرَّ على أن يرحل عن الجزيرة وعن كل إقليم "بيرن" خلال أربع وعشرين ساعة.
إلى أين سيمضي؟ كانت لديه دعوات إلى بوتسدام، وإلى كورسيكا، وإلى اللورين، وإلى أمستردام، ودعوة إلى إنكلترة من "ديفيد هيوم" سكرتير السفارة الإنجليزية في باريس، الذي كتب إليه: (إن محنتك العجيبة التي لم يُسمع بمثلها، إضافة لفضيلتك وعبقريتك، لا بد أن تثير عواطف كل إنسان فينحاز إليك، ولكنني أعلل نفسي بأنك واجد في إنكلترة أماناً مطلقاً يُقيك من كل اضطهاد، لا بفضل ما تمتاز به قوانينا من روح سمحة فحسب، بل بفضل الاحترام الذي يكنه كل الناس لشخصيتك).
قرر روسو قبول دعوة "هيوم" إلى إنجلترا، ومنحته الحكومة الفرنسية جواز سفر بالحضور إلى باريس، والتقى به "هيوم" لأول مرة، وتحدثت باريس عن عودة المنفي، وكتب "هيوم": (من المحال وصف أو تصور مدى تحمس هذه الأمة لروسو... لقد حجب بها "فولتير" وسواه حجباً تاماً).
في 4 كانون الثاني 1766، غادر، روسو وهيوم وجان- جاك دولوز، باريس إلى كاليه في مركبتي أجرة، ودفع روسو نفقات سفره، وبعد ستة أيام وصلوا مدينة "دوفر" بإنجلترا، وعانق روسو هيوم وشكره لأنه أتى به إلى بلد تسوده الحرية.
وفي 13 كانون الثاني وصل هيوم وروسو إلى لندن، ولاحظ الناس روسو يلبس زيَّاً أرمنياً، وأقنع هيوم أحد أصدقائه بأن يقترح على الملك جورج الثالث تخصيص معاش لـ "الغريب الكبير" وكانت الموافقة على منحه مائة جنيهاً في العام، مع رغبة عند الملك بأن يُلقي عليه نظرة سريعة غير رسمية في مسرح "دوردي لين".
توافد النبلاء والنبيلات والمؤلفون والنواب على البيت الذي سكنه روسو بشارع بكنجهام، وسرعان ما ضاق ذرعاً بهذه المجاملات، ورجا هيوم أن يجد له بيتاً بعيداً عن لندن، وانتقل إلى منزله الجديد في "تشيزيك" على بعد ستة أميال من لندن، وأرسل في طلب "تيريز" التي التحقت به، ولكنه بقي يبدي رغبته بالإنزواء في أعماق الريف، وعرض عليه أحد أصدقائه بيتاً في " ووتن في منطقة بيداربيشر" على بعد 150 ميلاً عن لندن فقبله مغتبطاً وانطلق إليه مع تيريز في 22 آذار، وأصرَّ على أن يدفع لصاحبه ثلاثين جنيهاً في العام لقاء الأجرة والخدمات.
لم تطل سعادة روسو أكثر من أسبوع، إذ نشرت مجلة لندنية بالإنجليزية والفرنسية خطاباً لملك بروسيا فردريك الأكبر مزعوماً لروسو، من غير الإشارة إلى كاتبه الحقيقي، وحزَّ الأمر في نفسه حين وصله الخبر، كما كثرت المقالات التي تنتقده بغرابة أطواره، وكان يرى أن من واجب هيوم، الذي على علم بنقائصه، الدفاع عنه، وبدأ الظن يساوره بأن هناك مؤامرة تحاك ضده، ومَنْ غير خصومه القدامى "فولتير وديدرو وجريم وآخرون" من مفكري التنوير يمكن أن يدبروا هذا التغير الفجائي في لهجة الصحف البريطانية، من الترحيب والتكريم إلى الهزء والتحقير، وفي هذه الفترة نشر فولتير خطاباً إلى الدكتور "يانسون" غفلاً من اسمه، أعاد فيه ذكر الإشارات للشعب الإنجليزي في كتابات روسو، كقوله: (إنهم ليسوا في الحقيقة أحراراً، وإنهم شديدو الولع بالمال، وإنهم ليسوا بطبيعتهم طيبين...).
في 9 أيار طلب روسو توقيف المعاش الذي مُنح له، وأنه لا يستطيع قبول أي امتياز يأتيه من وساطة هيوم بعد أن بدأت عنده حالة من الشك والغيظ، ورد بتاريخ 10 تموز على طلب هيوم بأن يفسر له السبب لتصرفه وشكه: (إنني أعيش خارج العالم، وأجهل الكثير مما يدور فيه، ولا أعرف إلا ما أشعر به، إنك تسألني بجرأة: من هو الذي يتهمك؟ إنه أنت....، ولم يبق لي غير كلمة واحدة أقولها لك: إن كنت مذنباً فلا تكتب لي، إذ لا جدوى من الكتابة، وثق أنك لن تخدعني. ولكن إن كنت بريئاً فتفضل بتبرير نفسك ...، وإلا فوداعاً إلى الأبد).
وردَّ هيوم بتاريخ 22 تموز بإيجاز، برسالة موجهة إلى صاحب المنزل الذي يقيم فيه روسو: (إن جاز لي أن أبذل النصح فهو أن تمضي فيما بدأته من حسنةٍ، حتى يحبس كلبه في مستشفى المجانين)، ولم يُجب عن التهم لأنه خلص إلى أن روسو مشرف على الجنون، وكتب هيوم إلى دولباخ: (إنك محق تماماً فروسو وحش). وتردد صدى المشاجرة بينهما في جنيف وأمستردام وبرلين وسانت بطرسبرج أكثر من عشر سنوات، وتابعها الملك جورج الثالث بفضول شديد، وأودع هيوم الوثائق المتعلقة بها إلى المتخف البريطاني.
وبعد أن قضى روسو وتيريز 16 شهراً في إنجلترا، وبوسط هذه الضجة الكبرى وصمت روسو، وبإلحاح دائم من تيريز التي أقنعته بأن الخدم يبيتون دس السم له، صمم العودة إلى فرنسا مهما كان الخطر والثمن، وفي 1 أيار فرَّا على عجل وفي رعب، وبعد أن استقلا مختلف وسائل النقل، وقطعا شطراً من الطريق سيراً على الأقدام، وأعلنت الصحف عن اختفائهما، وجدا طرقهما إلى "دوفر" ومنها ركبا سفينة في 22 أيار إلى كاليه في فرنسا. وكتب هيوم إلى تيرجو وغيره من الأصدقاء، طالباً إليهم أن يمدوا يد العون لـ "المنبوذ" الذي عاد مجدداً ليكون مهجوراً، وهو من الناحية القانونية لا يزال تحت طائلة الأمر باعتقاله.
هذا هو روسو الذي عاش حياة تشرد ومطاردة، و أثارت حياته الخاصة اهتمام الناس أكثر من أي فيلسوف شهير آخر، طفولة جينيفية، طفولة من غير عائلة، طفولة عصامي انفعالي، طفولة ثائر، ،وكان لا يستقر على حال، مسرفاً ويحتقر المال، لا يحتمل الإغاظة، لقد اختار الديمقراطية في مرحلة لم تنوجد فيها الديمقراطية لا في الواقع ولا في الأفكار، وميَّز بين الحق الطبيعي الأولي الذي هو غريزة وطيبة والقانون الطبيعي الموضوع من قبل العقل ورفض بقوة تسخيره واستخدامه لتأسيس الإطلاقبة، وطالب بوجوب دمج السلطة المدنية والسلطة الدينية (ورد كل شيء إلى الوحدة السياسية التي بدونها لا يستقيم أمر الدولة ولا الحكومة)، وميَّز الدين المدني الذي دعا إليه عن الأديان القديمة وعن الكاثوليكية الرومانية، هذا الدين الذي لا يتضمن إلا المعتقدات الإيجابية، ومعتقد سلبي واحد هو " عدم التسامح" مع أي شخص لا يقبل بمعتقدات الدين المدني. وسوف يتذكر روبسبير روسو عندما عمل على تنظيم عبادة الكائن الأسمى.
ويهتم علم الاجتماع الحديث دائماً بروسو من عدة جوانب، وعلى وجه الخصوص بالمسألة الرئيسية التي يعالجها علم الاجتماع السياسي لديه، أي مشروعية المؤسسات السياسية.
أما المفكر جول هازار، يقول في كتابه الفكر الأوربي في القرن الثامن عشر: (إن روسو أفاق همجي أتى من سويسرة، وموسيقي ناشئ، لم يُعْنَ بدراسة القواعد قبل البدء بالكتابة، إنه مخلوق عجيب يعتنق عكس جميع الأفكار المقررة، فيعلن أن الآداب والفنون أضرت بالإنسانية، ويحتج على عدم تحقيق العدالة الاجتماعية، ويمجد الهوى ويعتدُ به بل منذ عهده لم يعد الهوى نباتاً مستأنساً، بل أضحى قوة غاشمة لا يستطيع شيء أن يوقف نموها نموها الذي لا يُحد، وستمزق وتنسف البنيان الذي كونه العقل، ونمرح بين أطلاله).
وخلاصة القول: إن الأحداث والأشخاص تسير جنباً إلى جنب خلال الزمن دون اعتبار لأيها كانت الأسباب ولأيها النتائج، والتاريخ يتكلم في الأحداث، ولكن من خلال الأفراد. ويبقى التساؤل حاضراً: ما الدور الذي تلعبه العبقرية في التاريخ، وما دور الإنسان إزاء المجتمع والدولة؟
إن روسو، الذي يُعد أحد أعظم عقلين من عقول القرن الثامن عشر تأثيراً في الناس، أطلق منعطفاً في تاريخ الفكر السياسي والاجتماعي للعالم الغربي، واعْتُبِرَ رسول الثورة الفرنسية، كان فكره غنياً ولا يرتد إلى مقاربة واحدة، وهو أول كانب سياسي برز، كاملاً في مؤلفاته، وربما يتوجب البحث عن مفتاح سياسته في "الاعترافات"، وفي "الخيالات والآلام" وفي " روسو يحاكم جان-جاك".
توفي روسو في إيرمينونفيل عام 1778.
مروان حبش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر البحث:
تاريخ الفكر السياسي- تأليف عدد من الباحثين- ترجمة الدكتور علي مقلد.
قاموس الفكر السياسي- تأليف مجموعة من المختصين- ترجمة الدكتور أنطون حمصي.
أمهات الكتب السياسية من مكيافيللي إلى أيامنا- تأليف: جان جاك شوفالييه- ترجمة جورج صدقني.
قصة الحضارة- تأليف ويلي ديورانت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعلام:
بلوتارخ: فيلسوف ومؤرخ يوناني ولد حوالي عام 54 م وتوفي 125 م.
فولتير: كاتب وفيلسوف فرنسي، ذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية ودفاعه عن الحريات المدنية، خاصة، حرية العقيدة والمساواة وكرامة الإنسان، ولد في باريس في تشرين الثاني 1694 وتوفي فيها في 30 أيار 1778.
دنيس ديدرو: فيلسوف وكاتب وموسوعي، وأشرف على تحرير موسوعة العلوم والفنون، وحرر الكثير من موضوعاتها، وهو من قادة حركة التنوير ولد في تشرين الأول 1713 وتوفي في باريس في 31 تموز 1784
بارون دي دولباخ: كاتب وفيلسوف وموسوعي فرنسي – ألماني ولد في ألمانيا 1723 وتوفي في باريس 21 كانون الثاني 1789.