روسو الفتى الشريد وجوّاب الآفاق 3من4
2022.10.16
مروان حبش- فينكس
1712- 1778
في شهر تموز 1762، أخطر مجلس شيوخ "بيرن" روسو بأنه لا يستطيع السماح بوجوده، وأن عليه أن يرحل خلال خمسة عشر يوماً وإلا واجه عقوبة السجن.
وفي 10 تموز 1762، قَبِل دعوة من "مدام دلاتور" بأن يسكن بيتاً تملكه في بلدة موتييه ترافير على بعد خمسة عشر ميلاً جنوب نيوشاتل في سويسرا، وتقدم بالتماس الى فردريك الأكبر ملك بروسيا، جاء فيه: (لقد قلت فيك الكثير من السوء، وأغلب الظن أني قائل فيك المزيد منه، ولكنني وأنا مطارد من فرنسا ومن جنيف ومن مقاطعة بيرن، جئت ألتمس ملجأً في ولاياتك، ومن واجبي أن أصرح لجلالتك بأنني في قبضتك، وإنني شئت أن أكون كذلك، ولجلالتك أن تتصرف معي كما تشاء). وكتب فردريك الأكبر إلى حاكم مقاطعة نيوشاتل: (يجب أن ننقذ هذا الشقي المسكين، فذنبه الوحيد أن له آراء غريبة يحسبها سديدة....). وفي أول تشرين الثاني والحرب في نهايتها، كتب روسو إلى فردريك الأكبر رسالة يصف فيها مهام السلم: (مولاي، إن سيرة الملوك الذين أوتوا همتك عظيمة، .... ولو أتيح لي يوماً أن أرى فردريك العادل المرهوب يملأ بلاده في نهاية المطاف بشعبٍ سعيد سيكون أباً له، إذن لذهب جان- جاك روسو عدو الملك ليموت فرحاً في أسفل عرشه).
وحين خُيل لروسو أنه ضمن بيتاً يقيم فيه أرسل إلى تيريز لتلحق به، وتطلعا معاً إلى بضع سنين ينعمان فيها بالسلام.
كانت السنوات الأربع التالية أشقى ما لقياه روسو وتيريز، إذ أن قساوسة نيوشاتل أدانوه علانية بالهرطقة، وحظر القضاة بيع كتابه (إميل)، مما دفع به إلى أن يستأذن راعي كنيسة موتييه بالانضمام إلى رعايا كنيسته، ربما ليهدئ ثائرة القساوسة، وتردد على الكنيسة للصلاة وتناول القربان، بينما بقيت تيريز كاثوليكية، وارتدى الزي الأرمني، واستمر بنسخ الموسيقى، وأضاف إليها أشغال الإبرة والدانتيلا ليضيف إلى دخله، وأحبت النساء هذا المهرطق الزاهد الذي نددت به جميع الكنائس، ودعاه بعضهن بالمسيح المولود من جديد، ورأى في نفسه الرجل المطلوب ليؤسس لدين جديد.
في عام 1762، وجَّه رئيس أساقفة باريس، الذي حارب الجنسيين والموسوعيين والفلاسفة، رسائل لجميع الكهنة في أسقفيته ليقرأوا على رعاياهم اتهامه لـ "إميل"، وأن روسو يهاجم الإيمان الذي يرتكز عليه كل نظام فرنسا الاجتماعي، وحياتها الأخلاقية بأسرها، وأن "إميل" (أقام نفسه معلماً للنوع الإنساني ليخدعه، ومرشداً للشعب ليضلل العالم، ونبياً للقرن ليهدمه، فيا لها من مؤامرة...، والإنسان ليس بطبيعته خيِّراً كما زعم المؤلف، فهو يولد ملوثاً بالخطيئة الأصلية، ولو لم يكن الأمر هكذا، لسقط التعليم بكفارة المسيح الذي هو لب العقيدة المسيحية...، وإننا ندين هذا الكتاب لأنه يحوي تعليماً بغيضاً من شأنه أن يقلب القانون الطبيعي وأسس الدين المسيحي، ولذلك نحظر صراحة على جميع الرعايا في أسقفيتنا أن يقرأوا هذا الكتاب أو يقتنوه، وإلا وقعوا تحت طائلة العقاب).
ردَّ روسو على الهجوم الذي شنه عليه المذهبان المسيحيان الكبيران في أوربا، بالهجوم عليهما جميعاً، وراح يكرر في رده بجرأة مستهترة حجج جماعة الفلاسفة، وأحزنه إدانة الكاثوليك لـ "إميل" أقل مما أحزنه إدانة الكالفينيين له. وطاردته، في هذه القرية الصغيرة التي انزوى إليها والرابضة بين جبال الألب ، لعنات الكهنة). ودافع روسو عن "إميل" دفاع المحب المتيم بكتابه، وتساءل: لمَ لا يقام تمثالٌ لمؤلفه؟.
غضب روسو من إحجام الأحرار الجنيفيين عن الجهر بالدفاع عنه، فأرسل في 12 أيار 1763، إلى مجلس جنيف الكبير يتخلى عن مواطنيته، وفي 15 حزيران رفع وفد من بعض أحرار جنيف، إلى رئيس الجمهورية احتجاجاً قالوا فيه: (بأن الحكم الصادر على روسو غير قانوني، وأن مصادرة نسخ "إميل" عدواناً على حقوق الملكية). وفي شهر أيلول نشر المدعي العام خطابات موجهة من الريف تدافع عن إجراءات المجلس، وردَّ روسو من بيته الجبلي على أوليغارشية سكان السهل الجنيفي، هاجم فيه الكالفينية كما هاجم الكاثوليكية، واتهم القساوسة الكالفينيين بأنهم اعتنقوا روح الكاثوليكية المتعصب، وبيَّن أن دستور جنيف لا يقر سيادة المواطنين ذوي الحقوق الانتخابية إلا خلال الانتخابات للمجلس العام ومؤتمره الوطني وبعدها يصبحون عبيداً لسلطة استبدادية تحت رحمة خمسة وعشرين مستبداً، وهاجم بعنف القساوسة الجنيفيين ورماهم بأنهم " رعاع غشاشون وبطانة غبية وذئاب مسعورة"، وبذلك أحرق روسو جميع الجسور من خلفه.
ألف روسو على لسان فولتيرحديثاً خيالياً يحبذ فيه حرية الكلام للفلاسفة بحجة أن قلة قليلة هي التي تقرأ لهم، وصوره معترفاً بتأليفه لكتاب نشر حديثاً اسمه "عظة الخمسين"، ولكن فولتير قد أنكر أكثر من مرة أنه مؤلفه لأنه زاخر بالهرطقات، مما أغضبه لأنه أصبح عرضة لإمكان طرده من فرنسا مجدداً، وثأر لنفسه بأن أصدر في 31 أيلول 1764، كتيباً باسم مجهول سماه "عواطف المواطنين"، جاء فيه: (لقد غفرنا لهذا الرجل رواياته التي آذى فيها المنطق السليم ... واليوم فرغ الصبر حين نشر كتاباً جديداً يعتدي فيه على الدين المسيحي، وعلى الإصلاح البروتستانتي الذي يدعيه.... إنه يقول بصراحة، ليس في الإنجيل معجزات نستطيع أخذها حرفياً دون أن نطلق عقولنا .... إنه يريد أن يطيح بدستورنا، كما يريد أن يطيح بالمسيحية التي يدعيها..... ويجب إخباره بأننا إن توقفنا في عقاب رواية فاجرة، فإننا سنقسو في عقاب خائن لئيم). وانضم "جريم" إلى فولتير باتهام روسو بالخيانة (إن وُجِد على الأرض جريمة تُدعى الخيانة العظمى فهي ولا ريب في مهاجمة الدستور الأساسي للدولة، بالأسلحة التي استخدمها روسو ليطيح بدستور وطنه). ويعد هذا الشجار الذي نشب بين روسو وفولتير من أفجع اللطخ الي لوثت وجه حركة التنوير.
كان روسو بكتاب العقد الاجتماعي قد رحب بولادة الدولة الجديدة في كورسيكا التي حررت نفسها من جنوة عام 1755، وتلقى في 31 آب من المبعوث الكورسيكي لدى فرنسا: (لقد ذكرت كورسيكا يا سيدي في "عقدك الاجتماعي" وهذا أوحى بالرغبة القوية في أن تكون المشرع الحكيم الذي يعين الأمة على الحفاظ على الحريات التي حصلت عليها بدماء كثيرة.... ويشاطرني الزعيم المرموق رغبتي هذه، لا بل جميع إخواني المواطنين الذين أتيح لهم الاطلاع على أعمالك).
أجاب روسو في 15 تشرين الأول 1764، بقبول المهمة، وطلب تزويده بمعلومات عن طبيعة الشعب الكورسيكي وتاريخه ومشاكله، واعترف أن العمل قد يكون فوق طاقتي وإن لم يكن فوق حماستي، ثم كتب إلى المبعوث الكورسيكي: (إني أعدك أنه لن يكون لي اهتمام فيما بقي لي من حياتي غير نفسي وكورسيكا). ثم عكف من فوره على وضع الدستور. ولكن فرنسا في عام 1768، اشترت كورسيكا من جنوة، وجردت عليها جيشاً وأخضعتها للقانون الفرنسي.
بقي روسو عامين يحيا حياة هادئة متواضعة في موتييه، ولكن القساوسة المحليين كانوا قد اكتشفوا ما في "إميل" وفي "خطابات الجبل" من هرطقات، ورأوا أن في الأمر فضيحة أن يمضي هذا "الوحش" في تلويث سويسرة بوجوده فيها. ورغبة في تهدئة ثائرتهم عرض في 10 آذار 1765 أن (يتعهد في وثيقة رسمية بألاَّ ينشر أبداً أي كتاب جديد في أي موضوع ديني، وألاَّ يتناوله عرضاً في أي كتاب جديد آخر..). لقد استدعاه مجلس كنيسة نيو شاتل للمثول أمامه والرد على تهم الهرطقة الموجهة إليه، فالتمس إعفاءه، مع صدق نيته، من المثول بسبب مرض المثانة الذي يمنعه من تحمل جلسة طويلة. فاغتاظ راعي الكنيسة وندد به في مواعظ علنية متهماً إياه بأنه عدو المسيح، وألهبت خطابات القساوسة رعايا أبرشيتهم لدرجة أن بعض القرويين راحوا يرمونه بالحصى إذا خرج للمشي، كما قذفوا منزله بالحجارة، ولم يتفادى ذلك إلا بعد حضور الحراس لإنقاذه، وعلى إثر ذلك نصحه أصدقاؤه بأن يغادر موتييه. وأتته عروض عدة تقدم له ملجأً، (ولكنني كنت متعلقاً بسويسرة تعلقاً منعني من أن أتخذ قراراً بالرحيل عنها ما دام في استطاعتي العيش فيها)، وبعد أن تلقى تأكيدات غير رسمية بالانتقال إلى جزيرة "إير دسان- بير" الصغيرة جداً والواقعة في كانتون "بيرن" الذي كان قد طُرد منه قبل عامين، دون خشية من الاعتقال، ولم يكن على هذه الجزيرة سوى بيت واحد لوكيلها الذي قاسمه السكن، وحوالي منتصف تشرين الثاني 1765، ذهب مع تيريز للإقامة مع أسرة الوكيل.
في هذه الجزيرة حيث لا يتاح للكنيسة ولا للجمهور تكديره، وسوف ينساه الناس، كانت أمنيته أن يختم حياته في هدوء، وأنه لن يفعل شيئاً يعيده مرة أخرى إلى ذاكرة الجماهير. وعرض عليه حاكم الولاية معاشاً سنوياً قدره ألفاً ومئتا جنيهاً، فوافق أن يأخذ نصفه، كما أمَّن معاشاً آخر لـ "تيريز" واستقرا على الجزيرة وهو لا يتوقع من الحياة شيئاً آخر، بعد أن أصبح في الثالثة والخمسين من عمره.
وبعد ثلاثة عشر عاماً وفي آخر سنة من عمره، ألَّف كتاب (أحلام متجول وحيد) الذي يُعد من أروع كتبه، وصف في بلاغة مميزة معيشته على هذه الجزيرة، وحياة الدعة اللذيدة فيها.