عن الإمام علي بن أبي طالب و المحتوى الرقمي
فينكس- أُبي حسن
من النادر أن يمرّ يوم دون أن تطالعني -عبر صفحات السوشال ميديا- عبارات و أقوال يزعم ناسخوها، عبر صفحاتهم، أنها للإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
و لا أبالغ إن قلت أن الأمر بات ظاهرة، و أجد من الواجب الوقوف عندها، لأكثر من سبب، منها أن بعض هذه الأقوال لا تليق بمجلة حائط يعدها تلامذة المرحلة الابتدائية مع الاحترام لهم (التلامذة).
و منها هو الإشارة لخطر بعض المحتوى الرقمي العربي عبر الشابكة، و هذا البعض ليس دقيقاً و لا موثوقاً بالتأكيد، و هنا تأتي المسؤولية بالدرجة الأولى على من يتعامل مع هذا المحتوى خاصة إذا كان يحسب على أهل الثقافة و المعرفة، و هذا ما سنتطرق إليه لاحقاً.
من الأقوال التي طالعتني مؤخراً، لبعض الناشطين عبر الشابكة، و نسبوها بكل بساطة للإمام علي:
"أحب نفسك أكثر مما تحب الاخرين.. و دللهم أكثر مما تدلل نفسك".. أو: "لا تتكلم و أنت غاضب فستقول أعظم حديث تندم عليه"، "كنت أطلب الشيء من الله، فإن أعطاني إياه كنت أفرح مره واحده. و إن لم يعطيني إياه كنت أفرح عشر مرات. لأن الأولي هي اختياري، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل".. الخ، و المؤسف أن لا أحد ممن قرأ هذه العبارات الركيكة لغة ومبنى و لا تخلو من أخطاء استنكر أن تكون لأمير البلاغة علي بن أبي طالب، بل دخل الجميع في حفلة التكريم و التسليم.. يا إلهي! هل يُعقل أنّه لا يوجد ضمن هذه المئات من قرأ بضعة أقوال للامام علي كي يعرف أنّ بلاغته لايشق لها غبار، و أن لا علاقة للإمام بهذه الركاكة المنسوبة إليه!!
و الملاحظ أن القول نفسه المنسوب للإمام، تكون قد قرأته على أحد حيطان الفيسبوك، و قد ذيّله ناشره إما بتوقيع شكسبير، و لاحقاً تقرأه بإمضاء جان جاك روسو، و هلم جرا!
قبل الاستطراد، نعم، تحدث الامام علي عن الغضب، و قال فيه: "إياكم و الغضب، فإن الغضب أوّله جنون و آخره ندم"، و شتان بين هذه البلاغة و الايجاز في هذا القول و بين ركاكة "لا تتكلّم و أنت غاضب.. " الذي ربما و أنا أكتب هذه السطور سيكون أُعيد نشره من قبل بعض البسطاء لكن منسوباً -هذه المرة- إلى برنارد شو!
هيهات أن يكون من قال: "البشر صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، و "الفقر في الوطن غربة، و الغنى في الغربة وطن"، و "كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ"، و مئات الأقوال الراسخة في ضمائر أهل العلم و الفكر هو قائل: "دللهم أكثر مما تدلل نفسك".
الأقوال الركيكة و الساذجة التي أعنيها مأخوذة بطريقة "نسخ لصق" عن مواقع أو صفحات تزعم الاهتمام بالأقوال المأثورة و أقوال المشاهير، و التي عادة ما تتضمن حكمة أو موعظة. و طبعاً لا تهتم تلك الصفحات و المواقع بمصدر أقوالها المنشورة، و لا إن كانت فعلاً لزيد أم عبيد.. إذ قد يكون القائمون عليها فتية في المرحلة الثانوية، أو هواة أو متقاعدين يريدون تمضية الوقت ليس أكثر.. إلخ.. و في الحالات كافة هم أناس مجهولون بالنسبة لنا و للكثيرين غيرنا، و قد لا يكون لديهم أي إحساس بالمسؤولية الأخلاقية و القانونية بخصوص المحتوى الرقمي، و هنا يأتي دور المتلقي و مسؤوليته خاصة إذا كان يحوز على بعض العلم و الثقافة.
من جانب آخر، تنبغي الإشارة لتلك الصفحات المجهولة، التي تمنح شهادات دكتوراه لهذا الفيسبوكي أو ذاك.. دعك عن الأخطاء الاملائية و النحوية في نص شهادة "الدكتوراه" الممنوحة.. صفحات تزعم أنّها ناطقة باسم "مؤسسة إبداعية" لا وجود لها سوى في هذا الفضاء الالكتروني.
بعيداً عن نظرية المؤامرة، أجد أن من أهداف منج شهادات "الدكتوراه" الوهمية هو السعي الحثيث من قبل الجهات الداعمة و الممولة لأولئك "المانحين" لتسطيح الثقافة العربية و خلخلة بنيانها من خلال تعويم الغث و الهزيل فيها، و العمل على تزييف الوعي لدى أبناء الضاد، و ظني أنها تدخل في إطار حرب الثقافات.
في الاطار ذاته، يمكن أن يكون نشر أقوال منسوبة للامام علي، و هو بريء منها (بمعزل عن مضمونها) خطوة على طريق نفي شخصية الإمام لاحقاً، و قد تتبعه خطوات لاحقة تنفي وجود بقية الخلفاء الراشدين، بغرض التشكيك بوجود الاسلام ككل مستقبلاً، و السبب أن الله أعزّ العرب بالاسلام، و بالتالي جعل العرب يراوحون في المكان الذي وصلوا اليه من التخلّف، لا بل و قضاء بقية حيواتهم في الدفاع عن أن الخلفاء الراشدين كانوا شخصيات حقيقية لا وهمية (مثلاً).. الخ.. فمن يدري: هل نقرأ غداً أن مقولة "متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" هي للشاعر الشنفرى مثلاً و ليست لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، و أن مقولة: "لا تكن عبد غيرك، و قد جعلك الله حراً" هي لحكيم من العهد المملوكي أو مارتن لوثر و ليست لعلي بن أبي طالب.. ترى هل كل هذا يتمّ ببراءة؟
ألّا يستدعي ما ذكرناه لحظة تفكير و تأمّل من وقتنا؟