بعد أن تنام اللاذقية
2022.09.16
صفوان زين- فينكس
دأبتُ طيلة الشطر الأكبر من شبابي على القيام برحلة مكوكية يومية بين شرق المدينة حيث أهلي وغرب المدينة حيث لَهْوي. متعة ما بعدها متعة في ذلك الزمن الغابر أن تعود في الهزيع الأخير من الليل الى مأواك بعد أن تكون المدينة قد غطّت في نومٍ عميق، عابراً إياها على قدمَيك من أقصى غربها في الكورنيش الغربي بمطاعمه ومقاهيه إلى أقصى شرقها في العوينة والقلعة بأزقتها وزواريبها الموغلة في القِدم.
وقتئذٍ لم تكن لتصادف في طريقك سوى الحرّاس الليليين والمزاريب المتصلة النشيد، ونباح الكلاب من بعيد، ومواء القطط من قريب، وقد يصدف أن تسمع شجار الجيران و أنّات المرضى، وربما حشرجات الموتى منطلقةً من البيوت العتيقة في الأزقة المعتمة التي يتعين عليك اجتيازها.
لم تصادفني أية مشكلة طيلة السنوات المديدة التي دأبتُ خلالها على رحلتي المكوكية هذه، لا بل لم أكن لأشعر بالأمان والاطمئنان إلّا عندما أتوغل في تلك الأزقة والزواريب التي ألفتُها منذ طفولتي المبكرة، باستثناء ثلاثة أحداث لم تبرح ذاكرتي إلى اليوم، الأول بتاريخٍ نسيته بالمرة بالرغم من أنّه هزّ ضميري، وذلك عندما استنكفتُ دونما سبب وجيه عن انقاذ فتاة هاربة من براثن أبيها عندما ارتمت عليّ في عتمة الليل الحالك مذعورةً تبكي وتولول طالبةً الحماية ممّن ينوي بها الشر متوسلةً أن ترافقني إلى حيث أسكن، طبعاً لم أذعن لتوسلاتها وبذلتُ المستحيل كي أقنعها بأن نذهب سويّةً الى مخفر الشيخضاهر القريب كي تشرح للشرطة مشكلتها، و لكن دون فائدة مما جعلني أتخلى عنها لمصيرها، لا أدري حتى اليوم إن كنتُ قد تصرفتُ بدافع الخشية منها أم الخشية عليها أم الخشيَتَين معاً؟
أما الحدث الثاني، فكان في ليل الثامن والعشرين من أيلول من العام ١٩٧٠، عندما غادرتُ منزل صديقي في حي الاميركان بعد انتصاف الليل، كي أفاجأ بالشوارع وقد خلت تماماً من السيارات والمارّة والحرّاس الليليين وحتى من الجرذان التي ألفتُ مرافقتها لي في كل مرة أعود فيها متأخراً إلى البيت.
لم ألبث مع توغلي شرقاً في أحياء المدينة الشعبية أن بدأتُ أسمع أصوات التلاوات القرآنية تملأ الأجواء. لم أشاهد في العتمة شبح انسان يتحرك كي أستوضح منه عمّا يجري، أسرعتُ الخطى إلى البيت والهواجس تملأني والظنون والافتراضات تذهب بي كل مذهب. ما إن وصلتُ حتى عدوتُ إلى الراديو الترانسيستور في غرفة نومي كي أفاجأ بالنبأ الصاعق، نبأ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر. لم أتمالك نفسي من أن أعدو إلى غرفة نوم والدتي و أوقظها من نومها كي نتابع سويّاً وحتى الفجر آخر الأنباء المتعلقة بهذا الحدث الجلل.
أما الحدث الثالث، و الذي لا زلت إلى اليوم أشعر بالخجل ينتابني كلما استرجعته، فهو عندما دفعنا الفضول في نهاية إحدى السهرات لأن نجرب للمرة الأولى وبالتمرير تدخين سيكارة محشوة بالقليل من حشيشة الكيف. لقد كان من شأن هذا القليل أن يفعل بنا الكثير إذ بعد أن لعبت الحشيشة في رؤوسنا كنتُ أولَ المغادرين، إلى أينَ؟ لستُ أدري ولكنني غادرتُ، ولقد أبصرتُ أمامي طريقاً فمشيتُ، كي أكتشف بعد سيرٍ طويل ومضنٍ بأنني في نهاية شارع بغداد أصبحتُ، و أمام العمود الروماني الشهير قبعتُ.
لقد أيقظني العمود، فتوجهتُ جنوباً بدلاً من أن أتوجّه شرقاً، ذلك كان أوّل و آخر عهدي بالكيف وحشيشته، منذ ذلك اليوم و أوّل شيءٍ أفعله عندما أزور مدينةً للمرة الأولى هو أن أحدد اتجاهاتها الأربعة سلفاً بالاستهداء بأعمدتها الرومانية!