العلامة الفقيه فتحي صافي: وجه الإسلام الحضاري
2022.09.09
تمّام بركات- فينكس
الشيخ الفقيه المرحوم صاحب كتاب (يا أسفي على الموائد كيف أصبحت) الشيخ فتحي صافي (1954- 2019)، ابتكر أسلوباً تدريسياً يُحسب له، ليس فقط في المساجد، بل أن هذا الأسلوب يصلح للمدارس أيضاً، بدليل أنه استطاع أن يقدّم أعقد علوم الشريعة وأكثرها صعوبة حتى على طلاب الشريعة المتخصصين أنفسهم، استطاع أن يقدمها إلى جيل فتي، وجمهور من المهتمين، كان يحضر للاستمتاع بالأسلوب دون أن يشعر أنه يحقق فوائد أيضاً، وذلك بتلقيه نسق معرفي غير متوفر في فرص أخرى.
وانطلاقاً من (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا)، وأيضاً (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، بدأ باستعمال اللهجة المحكية بمهارة تمكنه من التحول للفصحى، عندما يستشهد بآية أو حديث، فيشرح بالمحكية وينقل ما هو ضروري بلغته الفصحى، وهذا يعني أنه استخدم كل إمكانيات اللهجة المحكية، كوسيلة شرح وإيضاح.

وسيلته الثانية في الشرح والإيضاح، كانت في حس الدعابة التي تظهر في القصص المشوقة التي يحكيها، وهي قصص تخدم بشكل كبير، في تبسيط القاعدة الفقهية أو الشرعية، مستخدما تقنيات في الإلقاء الصوتي، تمكنه من التحول في لحظات إلى حكواتي ماهر، مستفيداً من موضوعات تهم الشباب، ومقترباً من عمرهم في التعاطي، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع.
القصص الطريفة التي يحكيها فيها الكثير من مفارقات الحياة اليومية، وهي مشتبكة مع الواقع وهموم المعيشة حديث الساعة، وهي ورغم قسوة حالها، إلا أن الحضور ودون أن يشعرون يسمعونها من عالم له 11 كتاب من تأليفه، أحد تلك الكتب هو "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية".
في واحدة من الحلقات التدريسية التي دعي إليها الشيخ المرحوم، وجه له واحد من الحضور سؤالان، أما أولهما فهو: "اللغة العربية هي الجسر بين القرآن والمسلم، لم يحدث وأن تابعتك إلّا وأنت تحكي بالمحكية، لماذا لا تتكلم في الفصحى؟"، و قبل أن نحكي السؤال الذي تلاه فإننا نعرض لجوابه على السؤال الأول، قال الشيخ ببشاشة وحبور: "اللغة المحكية التي أتكلم بها، تشعرني أنها أقرب للتواصل بيني وبين الناس، فعموم شيوخنا يتكلمون باللغة العربية الفصحى، لذا صارت ثقيلة على أسماعنا، هناك من يحب أن يسمع تلك وتلك، إلّا انني وجدت أنني عندما أتحدث بالعامية، أن الناس تصبح أكثر تقبلاً للحديث، خصوصاً و أني أتوجه بها إلى شريحة كبيرة من الناس، وتلك الشريحة من الناس تحب اللهجة العامية، والتي يحدثون بها، ويحبون سماعها، هي من أتوجه بها إليهم"، الشيخ مدرك لتأثير اللغة خصوصاً في المواد الجافة التي يدرسها كالفقه وأصوله، لكنه يعطي دروسه من باب "سيروا سير أضعفكم"، أي لا تتحدثون بما مالا يفهم الناس، خصوصا في أمور الدين، تلك التي صارت ثقيلة على الأسماع في العقدين المنصرفين، لذا تقديم العلم الفقهي الديني للذين يحبون هذه اللهجة، هو أيسر عليهم، "يسروا ولا تعسروا"، وفي هذا يكون الشيخ الذي ترك مؤلفات هامة في الفقه الديني، استطاع أن يصل لقلوب الكثير من الناس، بعد أن صار درسه، ظاهرة تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي، وبمتابعة عالية جداً، ويتحدث عنها الناس في الحياة القائمة.
السؤال الثاني: "أنت تجيب على الأسئلة أو توصل المعلومة القيمة عن طريق وضعها في نكتة جميلة، ولكن ألا تخشى أن تطغى النكتة المضحكة على المعلومة نفسها؟". الشيخ ردّ بابتسامته الودودة: "هناك من يأتي وهو يستعد للضحك، حينها أقوم بإعطائه درساً يبكيه، أيضا هنالك العديد من القواعد الدينية الجافة التي يجب أن يعرف أصولها الناس، وهذه إن قمت بتدريسها كما هي، أي بالفصحى، فإن الجالس لن يستطيع أن يحفظها، لكن عندما أقدمها له عن طريق الطرفة المفهومة عند الناس، فإنه يصبح أكثر قابلية للفهم عندها ويحفظها."
الشهرة التي حققها الشيخ الصافي، لم تأت من فراغ، فالراحل من علماء الدين الكبار، هذا أولاً، عدا عن كونه مثقفاً تثقيفاً عالياً، يربط أمور الشريعة بأمور العلم ربطاً ذكياً و فعالاً، يصل القلوب بلا استئذان.
حصد الشيخ المبتسم محبة كبيرة، ومن الصغير قبل الكبير، و استطاع أن يفرض احترامه على الملحد قبل المؤمن، بعد أن ترك مدرسة في تقديم الدين للناس، جاعلاً من المحبة والمودة واللطف، أثافيها الثلاث.