كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدولة والنهضة- ح3

مروان حبش- فينكس:

إن ترسيخ الدولة القوية بمؤسساتها، والمجتمع الفاعل بتنظيماته، يتطلب، من الأنظمة الرسمية العربية، الشجاعة، والرؤية الواضحة، والإرادة المصممة، والأساليب المتوافقة مع تلك الرؤية، كما يتطلب الاستفادة من تجارب الآخرين، والتفكير الجدي في مستقبل الأجيال العربية القادمة, ويتطلب القراءة الواقعية الجيدة,
والإيمان بضرورة تحديث بُنى الدولة والمجتمع، قبل أن يفلت المستقبل من أيدينا ونخرج من التاريخ.
إن المجتمع الذي يجبُ عودته إلى الحياة، ويكون قادراً على الاستمرار، هو المجتمع المدني الذي بوجوده يتم تثبيت وتدعيم الدولة، وتتأكد مشروعية السلطة، وهو الذي يُكَونُ وعياً مؤهلاً للمشاركة في الحياة السياسية.
إن مجتمعاً تتوافر مثل هذه المؤسسات، سيكون مجتمعاً متجانساً ومعاصراً, وسيكون لهذه المؤسسات دورٌ مزدوجٌ وحيويٌ في العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع, فهي توفر الاستقرار من جهة, وتؤمن التغيير والتجديد من جهة أخرى.
وإنّ مجتمعاً كهذا لا يمكن ضبطه بالقوة المادية وبالعَسَف والقهر من قبل السلطة التي انبثقت عنه، لأن الضبط يبقى شكلياً من ناحية، ويلغي مقولةَ التحديث والتقدم، من ناحية ثانية.
إنه مجتمعٌ يضبط نفسه من خلال انخراط أفراده في تجمعاتهم التي تجسد قوة المجتمع، وتعمق عندهم الشعور بالانتماء إليه، وتعمل لصالح وطنها وأمتها، وبذلك يبقى المجتمع موحداً ومستقراً ومعافى، لأنه المجتمع الفعال والمتحرك من خلال تنوعه وتعدده < وزهرة واحدة لا تصنع ربيعاً >، كما أنه يبقى الترياق ضد سم السلطة الشمولية والاستبدادية، والدواء الشافي من سرطانها، وهو الضمانة الأكبر لكبح فوضى إكراه السلطة ولجم نزعتها نحو الهيمنة الشاملة، كما أنه يخلق إمكانية تجاوز الدولة لذاتها على نحو دائم, فيحررها من صنميتها.
إن المجتمع المدني الذي هو من إنجازات التاريخ الحديث والمعاصر، يُحَول الاختلافَ والتناقضَ الحقيقيين إلى عنصر فاعل في إنتاج ما هو أرقى في علاقة المجتمع بالدولة، وتغدو الدولة ثمرة فعل هذه التناقضات، وأيضاً، إن خلق حقل للاختلاف يقوم على فكرة الحرية ينتج نمط الدولة المطابقة للعقل.
وتحدث المشروع النظري عن المجتمع المدني ، حيث ورد في ص36 ( .... والمجتمع الديمقراطي هو المجتمع المدني، والمقصود بالمجتمع المدني قدرة المجتمع على تنظيم نفسه في: "نقابات واتحادات وجمعيات ونواد وما شابه ذلك" للدفاع عن مصالحه أمام سلطة الدولة أو أي سلطة أخرى وبخاصة سلطة رأس المال التي لا يمكنها أن تستنفذ التعبير عن المجتمع ككل.
وإذا كان الحزب السياسي يهدف في النهاية الوصول إلى السلطة فإن المجتمع المدني هو السلطة الكابحة لتعسف أي سلطة بحق مصالح الأفراد، وإن تنظيم المجتمع نفسه مدنياً، يعني تحويله إلى مجتمع سلم اجتماعي لأن كل وسائل تفاعله هي وسائل سلمية " إضراب، تظاهر، منشورات، مقالات، احتجاجات سلمية، الخ...").
إن الحاجة إلى التحديث والتغيير، قد تعدت كل حدود المرغوب والمطلوب، وغدت حاجة حيوية مساوية للحياة نفسها، وللوجود العربي ذاته، بعد أن صادرت السلطات الاستبدادية والشمولية الحريات العامة، وفعلت بالشعب ما فعلته واعتبرت الحرية خطراً على مصالحها.
كما أن التحديث أصبح القاعدة الأساسية لأي انتصار وطني وقومي، هذا الانتصار المشروط تحققه بمدى المساهمة الشعبية الحرة والمبدعة للقوى الحية في كل مجالات الحياة، وعلى السلطة، أية سلطة تريد التصالح مع التاريخ والمستقبل، أن تكرس جهدها لهذا الأمر الذي لم يعد يقبل التأجيل بعد الهزائم والنكبات المريرة التي تلم بالأنظمة العربية الحاكمة.
إن السلطة الوطنية تؤمن بأهمية بناء دولة قوية راسخة المؤسسات تحقق العدالة والحرية والمواطنة الحقة لمواطنيها وللأجيال القادمة, وتؤمن ببناء مؤسسات منطلقة من ثقافة الدولة والوعي الاجتماعي للعصر لا من خلال ثقافة السلطة ومفهوم السلطة الاستبدادية أو الشمولية, وتؤمن بضرورة تجذ ير مفهوم الدولة في الأذهان, وفي الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي, لتكون اللبنة الأولى نحو تحقيق الدولة القومية، ويسهل ذلك عندما تتطابق الدولة مع مستوى تطور المجتمع بكل أبعاده وفي حاضره، فتقوم بدور الدافع لحركة الحاضر نحو الأعلى، وهذه الدولة المتطابقة مع درجة الفاعلية الواعية لفئات المجتمع تستمد شرعيتها منها، من القوى العقلانية التي تنتجها، والعكس، فان الدولة التي تؤسَسُ أنفاً عن المجتمع، هي دولة غير متصالحة مع التاريخ ولا تجدد نفسها بما يتوافق مع نزوع البشر.
وتؤمن السلطة الوطنية، أيضاً، بأهمية بناء مجتمع مدني، يمارس كل مواطن فيه العمل السياسي، أي عمل كل ما يهم المصير الجماعي ويتماشى مع مبادئ هي فوق الاعتبارات الرخيصة، وتكون السياسة هي المحور الرئيس في البنية الاجتماعية، وتشمل كل مكونات الدولة والمجتمع، لكي تتعاظم العزيمة والقوة في الدولة والسلطة.
إن مفهوم دولة النهضة المرجوة، هو الدولة بمؤسساتها الراسخة، والمجتمع المدني بتنظيماته المتنوعة، والسلطة الملتزمة بالدولة والمجتمع وتستمد منهما قوتها وشرعيتها لتكون سلطةٌ وطنيةٌ وقوميةٌ فاعلة وقادرة على اتخاذ القرارات المصيرية المعبرة عن إرادة المجتمع, والداعمة لكل نضال قومي هدفه استعادة الحق العربي، والمحافظة على المصالح العليا للأمة، والسعي نحو تحقيق الدولة القومية.
وختاماً، إن ما يجب ملامسته هو أن النظام العربي الراهن أصبح واحداً من القوى ذات النبذ الشديد لحركة الحاضر، ومصادرة المستقبل، ومخرجه، من ذلك، هو وجود الدولة والمجتمع المدني، فهما الضمانة الأكيدة لمنع عودة سلطات استبدادية وشمولية لا هم لها إلا مصالح أفرادها، وقد قال الكواكبي بأمثالهم (إن رجال عهد الاستبداد لا أخلاق لهم ولا حمية ولا يرجى منهم خيرٌ مطلقاً، وإن كل ما يتظاهرون به أحيانا من التذمر والتألم يقصدون به تغرير الأمة وخداعها). 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية