انتشار الماركسية في المشرق العربي
2022.08.04
د. عبد الله حنا- فينكس:
محطات من حياة عبد الله حنا في حلقات
انتشار الماركسية في المشرق العربي
محاضر جلبت لي
دعوة لزيارة الاتحاد السوفياتي في زمن احتضاره
بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة كارل ماركس ألقيتُ في القاعة الكبرى للمركز الثقافي السوفيتي بدمشق في آذار 1983 محاضرة بعنوان: "إنتشار الماركسية في المشرق العربي"، وكانت القاعة غاصّة بالحضور.
استهليتُ المحاضرة بالبسملة ويليهاالآيات القرآنية الخمس من سورة العلق:
بسم الله الرحمن الرحيم"
إقرا باسم ربك الذي خلق.. خلق الإنسان من علق.. إقرأ وربك الأكرم.. الذي علّم بالقلم.. علّم الإنسان ما لم يعلم".
توقفتُ عن الكلام لبرهة من الزمن، وساد القاعة سكون رهيب. لماذا؟.. المحاضر بكنيته المعرّفة به أنه مسيحي بالولادة، المكان المركز الثقافي السوفيتي، موضوع المحاضرة عن ماركس.
وبعد ان أخذت "نفساً" وتيَقّنتُ أنّ الصدمة أخذت مفعولها لدى المستمعين، شرعتُ في الكلام موضحاً أنّ هذه الأيات القرآنية وردت في مقدمة ترجمة رأس المال للإقتصادي المصري راشد البراوي، الذي رمى من وراء إيراد الآيات القرآنية دفع تهمة الكفر عن نفسه بسبب ترجمته لرأس المال لماركس.
***
بعد المحاضرة ذهبت كالعادة إلى غرفة مدير المركز الثقافي، وأثناء تناول فنجان القهوة جلس إلى جانبي شخصُ معرّفاً بنفسه بأنه السكرتير الأول في السفارة السوفياتية. أطرى المحاضرة ومحتواها، وأبدى رغبته بزيارتي في منزلي، واتفقنا على الزمن ومكان اللقاء به بالقرب من وزارة النفط، التي تبعد عن منزلي في حي العدوي مئات الأمتار. بعد اللقاء به أرشدته أن يَرْكُنَ سيارته في شارع جانبي، وسرنا على الأقدام باتجاه منزلي. والسبب هو تجنب وقوف سيارة دبلوماسي أمام منزلي، وخشية ملاحظة الجيران أو أحد المارة وقوف سيارة دبلوماسية، وعيون المباحث ترصد كلّ شيء، كما هو شائع والخوف من بطش المخابرات مسكون في كل منزل.
لم تدم زيارة السكرتير الأول مدة تتعدى النصف ساعة. أعاد على مسمعي إعجابه بالخط الفكري للمحاضرة، وأعلمني برغبته في دعوتي للمشاركة في مؤتمر ثقافي سيُعقد قريباً في موسكو تحت عنوان: "المشكلات الداخلية لآسيا". وعندما أبديتُ الموافقة، طلب مني الذهاب إلى السفارة في موعد حدده لاستلام الدعوة وأخذ التأشيرة على الجواز. لم يكن السكرتير الأول كثير الكلام في زيارته القصيرة. وعَلِمتُ فيما بعد أنّ الدعوة كانت موجهة لقيادة الحزب الشيوعي فحوّلها لي بسبب اقتناعه بأن من يذهب من قيادة الحزب الشيوعي لن يُقدم جديداً. وهكذا كانت محاضرتي سبباً من حرمان أحد أعضاء قيادة الحزب الشيوعي من زيارة سياحية ترفيهية للإتحاد السوفيتي، كما هي العادة في معظم الأحيان.
عندما ذهبت إلى السفارة وحصلت على التأشيرة مع ورقة الدعوة، التي تضمنت اسمي مع ثلاثة من البعثيين وهم: أحمد درغام وعراقي من القيادة القومية لحزب البعث وشخص رابع كنيته حيدر، علمتُ فيما بعد أنه كان قنصلاً لسورية في موسكو، وانتقل إلى السفارة السورية في الولايات المتحدة. وحيدر وصل إلى المؤتمر متأخراً يوماً كاملاً ولم يشارك في تقديم أية ورقة أو نقاش، وكان واضحاً في ذهني أنه من المخابرات السورية. وتساءلت في سرّي هل له علاقة مع الأمن السوفياتي، أتوا به للإستفادة من معلوماته؟..
بعد أن حطّت بنا الطائرة في مطار موسكو، نُودِيَ على أسمائنا (أعضاء الوفد السوري) للخروج قبل جميع الركاب. وجرى لنا استقبال رسمي والجلوس في قاعة خاصة مع تقديم المشروبات. ثمّ استقلينا سيارة خاصة نقلتنا من المطار إلى فندق حديث لا يبيت فيه إلا من يدفعون بالعملة الصعبة. وكنت قلقاً على حقيبتي ومصيرها في هذه "الدوشة" الغريبة عليّ، فوجئت بأن الحقيبة تنتظرني أمام باب الغرفة، وما أدراك ما تحتوي الغرفة من وسائل الراحة والنعيم، مع الفندق، الذي كان الفلاح عبد الله حنا مشدوهاً به.
دامت جلسات المؤتمر خمسة أيام في قاعة مجهزة بوسائل الترجمة إلى اللغات الروسية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية. ورقتي كانت تحت عنوان:
"تيارات الفكر السياسي في المشرق العربي"
أتكلم بالعربية وتجري الترجمة الفورية إلى مختلف اللغات المعتمدة وهي الروسية، الإنكليزية، الفرنسية، العربية إذا لم يكن المتحدث عربياً.
بعد المؤتمر جاءني المسؤول عن الوفد السوري قائلاً لي بالعربية: "كلمتك استرعت اهتمام الجميع". وجاء أحدهم وطلب منّي الكلمة لتصويرها وإعادتها لي. ولكن النسخة لم تعد لي، وقال لي مسؤول وفدنا لقد سرقوها. فطار صوابي.. الإتحاد السوفيتي وطن الإشتراكية الأول فيه حرامية ونصّابون من هذا المستوى، ونمت ليلتها وأنا أفكّر في هذا الحلم الذي داعب مخيلتنا سنين عديدة، وبدأت صورة الإتحاد السوفيتي تهتزّ في أعماق تفكيري...
***
برنامج الدعوة لمؤتمر موسكو تضمن زيارة لباكو عاصمة أذربيجان وبعدها زيارة يريفان عاصمة أرمينيا. وفي كلا الزيارتين لم أكن مرتاحاً نفسياً لما أشاهده و أسمعه. وبدأت أفكر بقلب منقبض حزين، بمصير الإتحاد السوفيتي أملنا في السير نحو الإشتراكية، و أراجع في ذاكرتي ما كان أعداؤه يكتبون عنه ولم أكن أصدقهم.
في يريفان جرى لقاء مسائي بين الوفد وممثلين ثقافيين من جمهورية أرمينيا. كان في عداد الوفد تركيان شرعا يهاجمان، بحق، منظمة أرمنية ارهابية، و ردّ الفريق الأرمني مراوغاً و شبه مدافع عن المنظمة الأرمنية الإرهابية. و عندما جاء دوري في الكلام طرحت على الأرمن السؤال التالي: "بعد مذابح الأرمن في الأناضول عام 1915 التجأ إلى سورية عشرات الآلاف من الأرمن، الذين نجوا من المذبحة، وكان تعاطف العرب من مسلمين ومسيحيين واضحاً معهم. الرجال من هؤلاء الأرمن أسهموا في تعليم العرب مهناً عديدة، وكان لهم دور في بناء الصناعة السورية الناشئة. والسؤال هو: ماهي البنية الإجتماعية لهؤلاء الأرمن قبل مذابح الأناضول؟". و استخدمت كلمة مذابح الأناضول ولم استخدم كلمة العثمانيين أو الأتراك. وجاء هذا السؤال طريق الخلاص من أسئلة الأتراك المحرجة، وشرعوا في الحديث عن أيام الحرب العالمية الأولى وما رافقها من إبادة للأرمن.
في اليوم التالي ونحن نستعد في مطار يريفان للصعود إلى الطائرة: كان وفداً أرمنياً من أربعة أشخاص في وداعنا أمام سُلّم الطائرة. وعندما كنت أصافحهم مودعاً تقدمت منّي إمرأة ستّنية.. غمرتني وطبعت قبلة على جبيني وهي تردد كلمات أدركت أنها تشكرني على سؤالي في أمسية الليلة السابقة، الذي خلّصهم من ورطة لم يعرفوا الخروج منها.
اللافت للإنتباه في يريفان، من خلال زيارتنا للمتحف ولمركز ديني يجمع بين جدرانه تحفاً ذهبية ثمينة ومن خلال الشرح والحديث عن تاريخ الأرمن، أن الوطنية الأرمنية ممتزجة مع الدين امتزاجاً رددتُه إلى التاريخ، الذي مرّ على المنطقة، وعلاقتهم الصراعية مع جيرانهم من المسلمين.
***
كنت قد تقدمت بعد وصولي إلى موسكو، وبمساعدة المسؤول عنّي، طلباً للبقاء في موسكو لمدة اسبوعين لزيارة مكتبة لينين وغيرها وجمع الوثائق التي تهمني، وبخاصة ما يتعلق بانتشار الماركسية في المشرق العربي. وعندما رجعت إلى موسكو من زيارة باكو ويريفان، أخبرني المسؤول أن الموافقة تمّت للبحث فيما طلبته، و أنّ الإقامة ستكون في فندق تابع لأكادمية العلوم السوفيتية. لا أريد الإطالة هنا، وملخّص الأمر أن الروتين وهيمنة البيروقراطية وما تطلبه من أوراق شكليات للوصول إلى قاعة المكتبة جعلتني أطلب العودة بعد أربعة أيام من الجهد المتواصل للحصول على بطاقة زيارة المكتبة دون جدوى. وعدتً أدراجي إلى دمشق ،متحسراً على عدم تكمني من تحقيق أمنيتي بجمع ما أريد من مكتبة لينين، بسبب الإجراءات البيروقراطية، مما جعلني "أقرف" من البقاء في موسكو، التي كنت أظنّ اشتراكيتها طريق الخلاص للعرب وتحقيق ما كنت أتخيله "الطريق العربي إلى الإشتراكية". ولهذا لم أُفاجأ فيما بعد بانهيار الإتحاد السوفيتي معقد أملنا في منتصف خمسينيات القرن العشرين.