الدولة والنهضة- ح2
2022.08.02
مروان حبش- فينكس:
إن السلطة الاستبدادية والشمولية يقلقها أمنها أكثر من أي أمر آخر، ويطغى هذا القلق على كل تصرفاتها وسلوكياتها، وتخاف كل الخوف من الشعب في تجمهره وتجمعه، و إن هذا الخوف والحذر يقودها إلى العجز عن بناء علاقة متكافئة مع المجتمع من ناحية، ومع الخارج من ناحية أخرى، ولذلك تعمد إلى توقيف التاريخ لتجعل من ذاتها بداية مطلقة له بدل أن تدرك أنها كسلطة ما هي إلا مفهوم جزئي يقتصر على أشخاص السلطة, وعلى مؤسساتها وتنظيماتها فقط، وإن استمرارها لا يكون بالاعتماد على التعسف والقهر لانتزاع الاعتراف بها، ولا يكون بإدخال الواقع المتطور، دوماً، في قوالب صلبة لقسره كي لا يتزحزح عنها، لأن في ذلك قسر للحركة على غير طبيعتها، وقتل لكل تطور إلى الأرقى، ولكل إبداع إلى الأفضل، وتكون النتيجة, استبداداً وتسلطاً في الداخل، وهزائم مستمرة في الخارج – وحتى لو حصلت أحياناً بعض الانتصارات فإنها لن تمنع الهزائم بعد حين – ولن تستطيع تجنب التفتت والانهيار، إنْ آجلاً أو عاجلاً، مهما كانت مقدرتها القمعية، وذلك بسبب الضعف البنيوي الذي تعانيه، و هو ضعف لا شفاء منه، إلا بعودتها إلى دورها الطبيعي كسلطة، وأعادت للدولة دورها الرئيس، وللمجتمع حقه في اختيارها.
إن الدولة هي نتاجٌ أو كيانٌ تاريخي للوعي المعرفي الحضاري، تتشكل من خلال وجود شعب فوق أرض، وترتسم في الواقع من خلال إطار دستوري - عقد اجتماعي – يهدف إلى وضع سياسة الدولة موضع التنفيذ في علاقات المواطنين مع الدولة، وفي علاقات السلطة معها، أيضاً، وفي علاقات الدولة مع غيرها من الدول.
إنَ الدولة وإنْ كانت مفهوماً مجرداً لا وجود مادي لها، ولكن وجودها منطقيٌ وشرعيٌ، تتعالى به على السلطة وتتميز عنها بمهمتها المتمثلة بالحفاظ على الشرعية الاجتماعية للنظام، لأنها تحمل صفة الديمومة والاستمرار، بعكس السلطة <الحكومة> المتغيرة والمتبدلة وفقاً لإرادة أكثرية الشعب، ومن خصائص الدولة بحضورها هذا، أنها تجسد وتلخص وعيَ الشعب وتاريخه الثقافي والاجتماعي والسياسي، وتحفظ الحقوقَ الجامعة للمبادئ والقيم، وترعى مفهوم المواطنة السليم، وتعطي الشرعية للسلطة المتغيرة والعابرة، بحكم كيانها التاريخي بمؤسساتها وتنظيماتها، وبهذا تصبح السلطة محترمة لأنها لا تقبل أن تتصرف دون مراقبة، أو تحكم دون حواجز، أو تترك الحبل لها على الغارب، وتمتنع عن التلاعب بمؤسسات الدولة وفق أهوائها ومصالحها، أي أنها في ممارستها تبتعد عن كل ما يمكن أن يبذر بذور الاستبداد، وحينها يعيش المواطن في دولة لا يخشى استبدادَ السلطة وطغيانها عليه في حريته وكرامته وماله، وحينها، أيضاً، يكون ولاء المواطن للدولة، ويكون حريصاً على طاعة قوانينها.
في هذا الإطار، تكون السلطة وطنية وفاعلة، لأن برامجها مؤسسة على الالتزام بأهداف الشعب وتطلعاته، وعلى الالتزام ببناء الدولة بناءً سليماً، وبما يخدم، لاحقاً، هدف تحقيق الدولة القومية.
وكما التهمت السلطة الاستبدادية والشمولية في الأنظمة العربية الدولة في جوفها، فإنها افترست المجتمع بين أنيابها، حتى أصبح لا حراك له إلا بالقدر الذي تسمح به – وهو نذر وزهيد – وهكذا غيّب الشعب، أيضاً، وبفعل عمدٍ من السلطة، عن ممارسة دوره الحيوي والفعال في ترسيخ الدولة وتقويم السلطة وفي العمل بالشأن العام.
غيّبت السلطة المجتمع، ومارست عليه كل آليات التدمير النفسي ليقر بعجزه، وبضرورة استسلامه لما يراد منه، فصودرت سيادته وزيفت إرادته، وأصبح ذكاؤه موضع سخرية، واستشرت أجهزة القمع في لسع أجساد المواطنين بسياطها دون مجير، وفي ملاحقتهم بقوتهم وحرياتهم، وفي زجهم بالمعتقلات لعقود من الزمن بأوامر عرفية أو بأحكام صورية, لكي يكونوا عبرة وعظة، وبرعت، كذلك، في بث الرعب، وكانت أكثر مهارة في تنظيم المواسم تحت اسم استفتاءات وانتخابات، وعملت على تعميق العجز في الوعي الجماعي، حتى أصبح قدر المجتمع – الشعب – رؤية المنكر وعدم استطاعته نقده أو تغييره، كما أصبح قدره، أيضاً، معايشة التزييف، وعدم استطاعته إبداء الرأي بمحاكمة أصحابه، حتى وصل الحال بالعباد إلى عجزهم بالدفاع عن وطنهم، وعن شرفهم، وعليهم الصمت، ومن المضحكات أنهم يسمّون ذلك استقراراً، وإذا تم استبدال كلمة السلام بكلمة استقرار، صح حينها قول أحد الكتاب الذي رافق يوليوس قيصر في غزو لندن:
ILS SONT FAIT LE SILENCE
ILS ONT APPELE` CE CI LA PAIX
(فرضوا الصمت ويسمون ذلك سلاماً)
إن من أولى واجبات السلطة الوطنية حتى تكون فاعلة، أن تعيد للمجتمع حياته، كي يقلع في الزمن، ويعود إلى حالة الفعل, وتكون بداية ذلك بعودة الشعب إلى الحياة السياسية، وزجه في مواجهة مشاكله المصيرية، وهذا هو المدخل لحل كل ما تراكم من مشكلات و بأقل الخسائر والتضحيات، تلك المشكلات التي ما زالت حاجزاً أمام مقدرة الشعب على المساهمة الإيجابية والمشاركة البناءة في تقرير مصير وطنه واختيار استراتيجياته، وأستعيد هنا قول (بركليس) من القرن الخامس ق. م, عسى أن تتعظ بها السُلطات العربية الحاكمة: <نحن الأثينيين، الشعب الوحيد في العالم الذي يعتبر أنّ من لا يهتم بالشأن السياسي، ليس مواطناً صالحاً، وإنما مواطناً عديم الجدوى>، ولذلك، فإن المواطنة فعلٌ وممارسة، وليست صفة تسجل على البطاقات، والوطنية ليست فكرة أسطورية, وإنما هي تواصلٌ حضاريٌ وأخلاقيٌ وإنسانيٌ.
إن المساهمة الشعبية الحرة والمبدعة للقوى الحيَة في المجتمع هي القاعدةُ الأساسيةُ لأي انتصار وطني، والواجب يقتضي البحث عن أفضل الصيغ السياسية والدستورية وأكثرها تلبية لحاجات الواقع، وتأتي في المقدمة، الصيغ التي يمارس من خلالها المواطن الحرية التي يجب أن تعلو على أي اعتبار آخر، حرية التعبير عن الرأي، وحق الاعتقاد، والمشاركة في صنع القرار السياسي، وبذلك، يتحول الوطن من وطن بالقوة إلى وطن بالفعل، يتمتع فيه كل مواطن بكامل حقوق المواطنة، وتتحاور فيه السلطات مع الشعب وقواه الفاعلة، وتقبل النقد البناء لما جرى ويجري، وهذا يوفر المعيار التاريخي لبناء الدولة والمجتمع، ويضعهما في مستوى التنافس الخلاق.
يتبع