كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدولة والنهضة- ح1

مروان حبش- فينكس:

النهضة تبدأ فكرة تعي ذاتها وتصبح دستوراً عاماً وحركة شاملة تحفز إلى العمل المنتج وتدفع إلى طريق الحياة الصحيحة لنأخذ مكاناً بين الشعوب الحية الآخذة بقسط في حلبة الأمم.
وبالقدر الذي تعي فيه النهضة ذاتها، تتبلور حاجتها للعثور في ذاتها على ضمانات خاصة لها، تعينها على إنجاز أطروحتها، ولعل <الدولة> هي أبرز تلك الضمانات، وإن ما يعطي للدولة النهضوية قيمتها، يتأسس على إقرارها بالحرية لمواطنيها، وللحرية مؤشرات من أبرزها: حق المواطن المطالبة لما يصبو إليه، وحقه بأن لا يقبل إلّا بما يبدو له مبرراً، وهذه الحرية تتحقق في المجتمع عبر مشاركة قائمة على المساواة في إعداد الإرادة السياسية في الشأن العام، في دولة ديمقراطية حديثة قائمة على مبدأ المواطنة وعلاقة التعاقد، المُقِرة للحقوق المدنية والسياسية بما فيها حق التداول السلمي للسلطة.
إن قضايا عصر النهضة العربية التي يمكن القول إنها بدأت في أوائل القرن الماضي يبدو أنها ما تزال قضايانا، وخاصة فيما يتعلق بتنظيم مؤسسات المجتمع ومفهوم الدولة ودور الحكومة <السلطة التنفيذية>.
ونتيجة لما يلمسه المواطن من عجز النظام الرسمي العربي وتخلفه التام وعدم قدرته، ليس فقط، على تحقيق أي من أطروحات النهضويين، بل قاد المجتمع العربي إلى الخراب الشامل ووضعه في مستنقع آسن يهدد بقتلنا جميعاً، ويعمل جاهداً لكي يعتري الفتور حركة الشعب ويضعف نبضه ويوهنه المرض ويدخله في طور النزاع والاحتضار.
في ظل موازين القوى السائدة، حيث أصبح<العدل العالمي> ألعوبةً مضحكةً في أيدي من لديهم القوة، وأصبحت <القيم الأخلاقية> فضلات رثة في سلال مهملات الأقوياء.
في ظروف العجز والوهن السائدين في الواقع العربي، نلمس وكأن الشعب العربي يعيش نوعاً من حنين العودة إلى الماضي، قيماً وأفكاراً وموضوعات، والناس يعيشون ذلك الحنين والفخر به أكثر مما تعيش فيهم مشاعر الأمل بالمستقبل، بينما كانت المشاعر والظواهر في الأمس القريب مختلفة تماماً حين كان يجري الحديث عن مشاريع نهضوية مأمولة، وكانت تلك المشاريع تضيء الآمال بالتغيير وبالمستقبل، وكانت حركة تنوير شاملة تنهض وترافق التغيير الذي كان يحصل في أساسيات وأسس المجتمع العربي، وتخلخل الأسس التقليدية للمجتمع والفكر القديمين، وتتقدم الأفكار الجديدة بديلا عنها، وخلال ذلك جرى تحديد مفاهيم جديدة محددة زمنياً ومدنياً : مفهوم الأمة العربية، مفاهيم جديدة في ترتيب العلاقات الاجتماعية وتجديد مؤسسات المجتمع، وجاءت الأحزاب السياسية مكان الطوائف والمذاهب والملل، والديمقراطية بديل الاستبداد، وتأسس نمط للدولة الوطنية قام على استبعاد العوامل العرقية والدينية معتمداً على عوامل الأرض والسكان والنظام السياسي، واعتبر هذا النمط تطوراً يحقق تجاوزاً نهائياً للانتماءات قبل الوطنية لصالح الانتماء لوحدة وطنية، وهُوية تتمحور حول الرباط السياسي، وقابَلَ هذه المفاهيم والتجديدات، تجديدات مماثلة في الثقافة، أيضاً، وكان كل شيء يتغير، ونحو الأمام، بل نحو الأفضل، وكانت المهمة لدى مسؤولي تلك المرحلة واضحة، ألا وهي : التقدم.
وفي ظروف العجز، يعود الحنين، أيضا، إلى العهود البرلمانية وأحزابها، وهو تكرار لنفس تصور مفكري النهضة منذ أكثر من قرن، حين أرجعوا الانحطاط والعجز إلى طبيعة النظام السياسي ودعوا إلى تقييد السلطة.
إن سبب عجز الأنظمة الرسمية العربية، يكمن في الطبيعة التي آلت إليها سلطة تلك الأنظمة، وفي أساليب الممارسة التي تتبعها، بينما يكمن عجز الشعب العربي في تهميش السلطة له، وفي تغييبه عن ممارسة دوره الحقيقي الفاعل.
لقد أصبحت السلطة في الأنظمة الرسمية العربية القائمة، سلطة استبدادية وشمولية، وان كان هناك بعض الاختلاف، فهو اختلاف في الكم والدرجة، لا في الكيف والنوعية، و< الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب حقيقيين > كما يقول الكواكبي. وإن ألسلطة أصبحت سلطةً ولاّدة للأزمات بكافة مناحيها الاجتماعية والاقتصادية.
ومن المعروف إن علاقة البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالبنية السياسية هي علاقة ترابط، ولأن الأمر على هذا النحو نجد أن جميع السلطات في الوطن العربي تعاني الآن من حضور هذا التناقض الذي لم يرفع، أي لم يحصل الوطن العربي حتى هذه اللحظة على التطابق بين بنية جديدة وسلطة جديدة.
إذاً، السلطة، والحالة هذه، هي ضد المجتمع. ولأنها متناقضة مع السيرورة التاريخية للمجتمع فإنها لا تستطيع الاستمرار بالوجود إلاّ باستخدام آلية القمع والاستبداد. فكلما ازدادت حركة المجتمع نحو الأعلى أي نحو التقدم التاريخي ازداد تعسف السلطة وازداد فعل آليات القمع، والسلطة ليست في وارد تغيير نفسها بما يتطابق مع التحويلات العميقة في المجتمع، وكل سلطة تعاند التاريخ هي بالضرورة سلطة استبدادية.
تماهت السلطة الاستبدادية في الدولة وابتلعتها, وفي هذا الابتلاع تكون قد اغتصبت حق الدولة في السيادة، وحق الشعب في أن تكون السيادة للدولة دون غيرها, وهذا قاد, حتماً, إلى اختفاء أية قوة تمنع التجاوز والطغيان, ولم يعد المواطن – الذي تحول إلى فرد في الرعية – يجد أمامه إلا السلطة التي تطلب منه الولاء لها, بدل أن يكون ولاؤه للدولة, ويُرْغمُ الشعب، بعد أن تدمر السلطة الاستبدادية منظومة قيمه, إلى تقبل الممارسة التي تقررها بهدف بسط نفوذها, وتعم المصانعة, وتنتشر ثقافة الخوف, وتعيش السلطة هاجس الأمن الذي يصبح أساس العلاقة بينها وبين المواطنين الذين لا يرون أن الخضوع للسلطة واجبٌ عليهم لافتقادهم أية قناعة عقلية أو قبول نفسي بشرعيتها، وتستغرق السلطة في ممارسة مهامها بمعزل عن أي التزام بالعدالة والحق والواجب, ويتوجه كل همها إلى وضع مصالح أفرادها فوق أي اعتبار آخر, وينصب عملها على دوام استمرارها, وبكل الوسائل, وتنتهج القاعدة الميكيافلية < الغاية تبرر الواسطة > وتنتهج كل ما في وسعها من قوة وحيلة ومكر ودهاء من أجل إحكام قبضتها وبسط نفوذها وعتو جبروتها, وترسخ ثلاثية <الفساد – الإرهاب – رهن الإرادة>، ليسهل لها اغتصاب حق الدولة، الذي هو, بذات الوقت، اغتصاب لحق الشعب, وتغدو سلطة من دون دولة ومن دون شعب يراقبها ويصحح مسارها ويدعمها، وبذلك تكون مؤسسة خارجة عن نسيج الدولة والمجتمع، ويكون قانونها التضييق على الحريات، ومطبوعاً بعقلية الزجر والترهيب, وموضوعاً ممن ليس لهم حق في وضعه.
يتبع 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية