العرب والحداثة
2022.07.02
مروان حبش- فينكس:
لا نهضة من غير حداثة للمجتمع بالعلمانية وحداثة للسياسة بالديمقراطية.
إن الحداثة تعني ما يدركه العقل من حقائق الأشياء، واتخاذه موقفا نقديا في الفضاءات السياسية والفلسفية.
وان العرب بحاجة إلى مشروع حداثي يؤكد على تحديث الذهنية العربية، وتجاوز كل الترسبات الخاطئة، وتغيير المفاهيم السائدة، وطرح أسئلة من نوع النقد التاريخي.
ان العرب ما زالوا يعانون من الدخول الى الحداثة والمعاصرة، وهناك أسباب عديدة تمنع تحقيق ما يصبون إليه، منها أسباب ذاتية تتعلق بالامس الموروث، ومنها أسباب خارجية أهمها أن الغرب يمنعهم من المشاركة أو الدخول في الحداثة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
إن البنية الفكرية القديمة التي تعتمد على التأمل كانت قد انهارت بعد الثورة الصناعية، بينما ما زال العرب لديهم الكثير من العوامل التي تعود بهم إلى تلك البنية التأملية.
إن أهم ما يجب على العرب عمله هو أن ينزعوا القرون الوسطى من فكرهم وحياتهم، لأن ما يفصل بين الزمن الحالي وذلك الزمن من السنين يجعل شعار العودة إليه شعار إفلاس، وإن ظروفا جديدة نشأت في العالم المحيط بنا، وتحتاج إلى إستنباط جديد، وإلى بحث الحقائق، وإلى الاجترار والتفكير.
إن الحداثة ظاهرة تاريخية على خط التطور، مشروطة بظروفها، ومحددة بزمنها.
ومن المتعارف عليه أن صدمة الحداثة عند العرب بدأت مع حملة نابليون بونابرت على مصر عام ١٧٨٩، إذ كانت بداية الاحتكاك العربي بالحضارة الأوروبية في مظاهرها العسكرية والفكرية والاجتماعية والتقنية وغيرها. وليتمكن العرب من ولوج باب الكونية المسلحة بالعقل والتقنية، تبقى محاولة الإحابة عن سؤال: كيف يتمكن العرب من امتلاك ما يسعفهم بالمعاصرة؟ كيف يمتلكون القوة والوحدة والتقدم؟
إن تجاوز التأخر التاريخي العربي، كما يراه المفكر عبدالله العروي (يقتضي إنجاز ثورة عامة على الأوضاع السائدة، تتضمن حدوث ثورة ثقافية، وبالعقلنة كخاصية ملازمة لكل عصرنة ممكنة)، ويمكن إنجاز هذه الثورة. من خلال حرب أيديولوجية متواصلة، على فساد أطروحات المثقف السلفي والمثقف الإنتقائي، لزعزعة وخلخلة الأيديولوجيا المعادية النسبية في مجال المعرفة، والإرادة في مجال التاريخ.
آما المفكر هشام شرابي يرى في الحداثة (عملية انتقالية تشتمل على التحول عن نمط معرفي إلى آخر يختلف عنه جذرياً، وان على الحداثة أن تعمل قطيعة مع النظام والاسلوب البطريركي، وذلك عبر إحلال العقل مكان غيبية الأسطورة والمعتقد في ما يتعلق بالمعرفة، واستبدال الرؤية النقدية بالحقيقة الدينية المطلقة، وقيام سلطة ديمقراطية/ اشتراكية مكان السلطة الابوية المستحدثة....).
لا تعني الحداثة هنا، رفض الارتباط بالأصل ولكنها تنفي أن يكون هذا الارتباط عن طريق الأسطورة والإحساس، وانما يطغى العقل هنا على آليات الحياة وأنماطها.
وليس أمامنا كعرب إلّا الدخول في الحداثة كتحد تاريخي يمكن من خلالها تحقيق ذاتنا على مستوى العالم.
وقعت الحداثة في أزمة فتحت الباب واسعا لنقدها، والتأثر بتيار (ما بعد الحداثة) الذي استمدت طروحاته مشروعيتها من الأزمة التي تعيشها أفكار الحداثة المتمثلة في العقلانية والتنوير والعلم والتقدم، ويرى رواد تيار ما بعد الحداثة إن هذه المفاهيم تحولت إلى صنميات معيقة للتفكير، ومنيعة أمام النقد ومحصنة ضده، مما جعلها تترك وتخلف آثار تهميشها لمفاهيم أخرى، بحيث انحصرت العقلانية وضاقت إلى حدود التفكير الأرسطي {ارسطو}، وأضحت تهمة لكل طريقة أو وسيلة ترغب في الخروج عن الادوات العلمية التي خلقتها الحداثة.
إن ما بعد الحداثة ترث الحداثة وتقف على أنقاضها كما يرى روادها (كفريدريك جيمسون)، أما (جان فرنسوا ليونار) فقد بشر بنهاية
السرديات الكبرى، ونهاية الأيديولوجيات. ويرون في ما (بعد الحداثة) فضاء فكرياً جديداً ومغايراً، واختراقاً لفضاء الحداثة وتفكيكاً لمنطقها وخروجاً على نماذجها. أما منتقدوها كـ(هابرماس) يرفضون (ما بعد الحداثة) ويرون أن مشروع الحداثة نفسه لم يكتمل، وما زال ناقصاً، وليس من حاجة إلى القفز في مجهول ما (بعد الحداثة)، وينتقدونها بأنها تعني (أيديولوجية النظام العالمي الاستعماري الجديد)، ولا تعني سوى منطق الربح والهيمنة وفوضى السوق، وتبقى في النهاية دعاية أيديولوحية لمجتمعات الوفرة والاستهلاك.
ويرى بعض المفكرين العرب كعلي حرب (ضرورة استثمار الأدوات المفهومية لفكر ما بعد الحداثة لتفسير تعثر مشاريع التحديث والعقلنة في المجتمعات العربية ويجب ان لا نتجاهل ما يحدث على الساحة الفكرية في هذا العالم، فالأفكار هي كالوقائع تملك حقيقتها وتفرض نفسها)
إن الفرصة مواتية مع الفكر ما بعد الحداثي الذي هو فكر الاختلاف والتميز لإعادة النظر في المقومات التي انبنىى الخطاب العربي عليها اكثر من قرن من الزمن، لا لإعادة خلق التواصل التبعي مع الفكر الغربي، وانما للنظر فيه ونقده عبر أدوات الغرب ذاتها، فما بعد الحداثة قوضت مفهوم التمركز اليقيني، ومن شأن مثل هذه الأدوات والمفاهيم إذا أحسن استعمالها قد تمكن العرب من خلق سيرورة ذاتية خاصة بنقد الحداثة في المجتعات العربية بحيث تملك إرث الحداثة استيعابا وإدماجا. ويمكن ان يساعدها في تحقيق مقولاتها التي أصابها القدم والتآكل، وتوظيف مقولات ومفاهيم ما بعد الحداثة في نقد المشروع الحداثي لبناء علاقة صحيحة ومتوازنة مع المشروع الحداثي نفسه، بهدف اكتساب منجزاته (الديمقراطية، التعددية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، التقنيات......)
وتجنب مفاعيلها السلبية، وليس من الضروري انتظار انجاز الحداثة والنهضة كي يكون باستطاعة المجتمع العربي الدخول في جدل نقدي مع مفاهيم ما بعد الحداثة.
من المؤكد أن بروز الفكر ما بعد الحداثي، قد أدى إلى تخلخل الصنميات الكبرى التي كانت تحكم المجتمعات، ومن غير الممكن التعامي عن الثورات المعرفية التي يجب أن نستفيد منها كمجتمعات عربية في فهم حداثتنا الخاصة، وفهم علاقتنا الملتبسة معها، وهذا المدخل أصبح متاحا لاستيعاب مفاهيم كـ(الفوضى والسوق والاستهلاك... إلخ)، التي أصبحت رائجة مع الفكر ما بعد الحداثي، ومدخلا لاقتناء التحولات التي يمر بها المجتمع العربي.