أزمة العقل المتأسلّم
باسل الخطيب- فينكس
قرأت على موقع (منصة أونلاين التعليمية السورية) الخبر التالي: "إن الفنان الأردني المعتزل أدهم نابلسي قد ختم القرآن الكريم، و أنه قد أخذ إجازته لذلك في حفل أقيم في المكان الفلاني..."، الصفحة ترفق الخبر بصورة للمدعو و هو يحمل ما يشبه الشهادة يبدو أنها إجازته، و بعد أن فركت عيني جيداً تأكدت من اسم الموقع، نعم أنها منصة "أونلاين التعليمية السورية"، تساءلت في سري، و أنا الساذج البسيط غير المدرك للأبعاد التكتيكية و الاستراتيجية لبواطن الأمور، تساءلت: ترى ما هي القيمة المضافة التي يقدمها هذا الخبر؟ أو بالأحرى ما هي القيمة التعليمية أو التربوية بكون "أدهم" ختم القرآن؟ قررت و أنا الجاهل أن أقرأ التعليقات علّني أفهم....، التعليقات كانت بالآلاف، و أغلبها، أي ما نسبته %99 كانت (بارك الله فيه) (أكثر الله من أمثاله) (أتمنى أن يسير أولادي على خطاه) (ها قد اشترى الجنة) (لقد وقى نفسه عذاب القبر)، و إلى ما هنالك من عبارات الإطراء و المديح و الإعجاب، أخذتني الحمية، و قد فهمت مما قرأت من تعليقات أن ما حققه النابلسي إياه يقارب ما أنجزه أرخميدس عندما خرج مهرولاً من الحمام و هو يصرخ وجدتها وجدتها، لاحت مني ابتسامة، و من هو ذاك الأرخميدس مقارنة بما أنجزه أدهمنا؟
أخذتني الحمية مجدداً و قررت أن أكتب تعليقاً يثني على أدهم، و الذي يبدو من التعليقات أن اللّه قد رضي عنه و أرضاه، و لكن و للمصادفة البحتة كان ابني يحضّر لمذاكرة في مادة التربية الاسلامية لليوم التالي، سمعته يقرأ الآيّة الكريمة (....كمثل الحمار يحمل أسفاراً....)، و كأن مسّاً مسّني، نظرت إليه بعيون فارغة، وأحسست لحظتها و أنا أهمُّ بكتابة تعليقي، أن أذناي تطولان و فكي يتقدم باضطراد إلى الأمام، هززت رأسي بعنف، متى كنت يوماً فرداً من القطيع؟ و كان أن طعنت بقايا وعيي بالأسئلة التالية، هل الأهم أن يختمه أم أن يتدبره؟ هل تدبر ولو آية واحدة؟ ثم لماذا هذا التمظهر النفعي بإنجازه؟ أليس هذا أمر له علاقة بمنجاة روحه و علاقته و هو وحده بربه؟ ثم متى كان الدين علاقة أفقية؟ أليس الدين علاقة عمودية بين العبد و ربه؟ هل هذا موضوع للتباهي به بين العامة؟...
لم أكد أستفق من صدمة ما طالعته على تلك المنصة إياها، حتى شاهدت مقطعاً من فيديو، يظهر فيه رجل دين من النوع (المودرن) يرتدي بدلة رسمية و ربطة عنق، يشرح لماذا نحن أمّة المليار و نصف المليار، ليس لنا أي إسهامات تذكر في الإنجازات العلمية التي تحصل على مستوى العالم، و آخرها فيما خص لقاح كورونا، حتى "كوبا" المحاصرة منذ أكثر من نصف قرن كان لها مساهمة في تطوير لقاح ما، و مما يقوله الشيخ المقصود: "بعض الناس يعتقد أن علينا أن نصنع الطائرات و السيارات و القطارات و أن ننافس أوروبا و أمريكا و الصين، لا، ما لهذا خلقنا، إن الله عندما خلقنا شعوباً ، جعل منا شعوباً تمتلك الفكر و الهداية هم نحن المسلمون، و جعل بقية الشعوب تلاميذاً عندنا يهتدون بنا، فرض عليهم العمل وأراحنا، فيحصل التكامل بين فكرنا و عملهم فيعمر الكون"، أعيد و أكرر هذا اقتباس حرفي، يلخص كلام و طريقة تفكير هذا الشيخ المودرن (العقل المتأسلم) بأوضح تجلياته.
يمكن تلخيص حالة العقل المتأسلّم بالعجز، نعم، هو عقل عاجز، و لكن المصيبة الكبرى، تكمن في أنه لا يدرك ذلك، أو أنه يدرك عجزه، و لكن لا يعترف به، و أنا أميل إلى الافتراض الأول، و دليلنا على ذلك، أنه يتصرف، و كأنه العقل الأسمى و الأكمل، يتصرف كأن لديه كل الحلول لكل المشكلات أياً كانت، و كل الاجابات على كل الأسئلة، مهما صعبت، و تنوعت، و تشعبت، انطلاقاً من تلك القناعة، التي ترسخت لديه، بل تجذرت، أنه أفضل عقل أخرج للناس، و أكمله و أنسبه و خيره.
هذا العقل- عندما أقول: هذا العقل، أقصد أربابه و أتباعه، ينظر إلى كل جديد، سواء كان ذلك الجديد فكرة أو اختراعاً أو كشفاً في أي مجال كان، على أنه أمر تافه، و ذلك من مبدأ أن كلّ ذلك ليس شيئاً، مقارنة بما يمتلكه هو من معرفة.
لاحظوا معي ما يلي: عند حصول أي كشف علمي ما، أو أي اختراع في العالم، ترى أساطين ذاك العقل المتأسلّم، يتناطحون، ليبرهنوا لنا أن ذاك الكشف، قد سبق ذكره في القرآن الكريم، و يبدؤون بقولبة الآيات، ليستنبطوا منها، بطرق عجيبة و غريبة، بل و مضحكة أغلب الأحيان، مفردات ذاك الكشف، مستخفين في طريقهم بجهد أولئك العلماء، الذين توصلوا إلى ذاك الكشف، وعادين عملهم، و بكل بساطة، ليس ذا قيمة، و من ثم، لا داعي للأخذ به، لأنه يكفينا ما تحت أيدينا من كتب التراث ( العظيمة)، التي تمدنا بعلم الأولين و الآخرين، ليناموا بعد ذلك قريري العين، مطمئنين إلى عظمة ما أنجزوا.
ذاك العقل المتأسلّم، يرضى بما يسمى (المقسوم)، ليس إيماناً، بل عجزاً، و هذه نقطة مهمة، فذاك العقل المتأسلّم، يعد مفهوم ( القضاء و القدر) مدعاة لعدم العمل أو بذل الجهد، و ليس من باب (التسليم) الذي يأتي موازياً و مرافقاً لمفهوم (السعي) من مبدأ (اعملوا)، ذاك العقل المتأسلّم، ينظر إلى مفهوم (القضاء و القدر) استكانة مميتة للظروف، و انصياعاً ذليلاً للأوضاع، و تعطيلاً لكل أشكال العقل (الفعال) المنتج و المبدع، أضف إلى ذلك، أن ذلك العقل يغالي في تشويهه لمفهوم (القضاء و القدر)، عندما يعده (شماعة) يلقي عليها كلّ الأخطاء و الهزائم، مستسلماً خانعاً ذليلاً، مستبدلاً العمل بطقوس النحيب و البكاء و الدعاء الأجوف المبتذل.
و الاكثر سخرية و بؤساً مما ذكرناه أعلاه، إن ذاك العقل المتأسلّم العاجز، لا يتقبّل النقد أياً كان، حتى ولو كان تلميحاً و لا يقبل أي نقاش فيما يعتقده، و يصر على تلك القناعات، التي استقاها من مخلفات تراثية، عفا عليها الزمن، و من رؤى عوراء لماض سحيق خارج إطار الزمان و المكان، و الذي نعيش فيه الآن، تراه يأنس، و يستمتع بالاستسلام، و الركون إلى القضاء و القدر، لأن هذا العقل و بكل بساطة، هو عقل سقيم و ضعيف و مهزوز، لا يستطيع الانتصار على الصعاب، بل لا يجرؤ على مواجهتها، فتراه يهرب إلى مسألة ( القضاء و القدر)، يلتحف بها، ليداري بها عجزه و خموله، هذا العقل هو عقل تبرير و ليس عقل تفسير، حيث تراه يسوغ الفضل في معالجة أي قضية بإحالتها إلى قوى خارجية غيبية، و عند أي معضلة أو مشكلة، يبدأ بالنبش في الماورائيات، للبحث عن حل أو منفذ خارج منظومة المجتمع، الذي هو فيه، ذاك العقل التسويغي، هو عقل منطو على نفسه، أعزل الإرادة، جبان و خائف حتى من أقل المشكلات، و أوهن المطبات، و لكنه لا يعترف بذلك، بل يصرّ بكل تعنت على امتلاكه كل الحلول و الإجابات، مقحماً نفسه في كل أمر، سواء كان من اختصاصه أو لا، متسلحاً برؤى تراثية، يفترض أنها تمتلك الإجابة على كل شيء.
ذاك العقل العاجز، يخاف جداً من النجاح، و الغريب أن ذاك العقل الخامل، يعود و ينشط على غير عادته، فيما لو أحس بوجود فكر متنور في أوساط مجتمعه، حيث تراه يحاول بشتى الطرق، العمل على قتله. تلك العقلية المنقسمة على نفسها، من حيث أنها عاجزة بالمطلق، من جهة، و من جهة أخرى، تراها تداري ذاك العجز بالتكبير الأجوف، و إدعاء إدراكها لعلوم الأولين و الآخرين، شكلت بيئة خاصة مثالية لإنتاج (ثقافة النفاق)، ذاك النفاق الذي نتلمسه في كل خطواتنا و كلامنا و مناحي حياتنا، ليصير أداؤنا للواجب الديني شكلاً من أشكال البروز الاجتماعي، أو أنه خوف من عقاب أو طمع في ثواب، و انسحب هذا على كل واجب آخر في أي مجال، حيث أصبحت تأدية الواجبات خاضعة لمنظومة أخلاقية متحركة، هي بدورها خاضعة لثقافة دينية هلامية و معقدة، و ليس لأن ذاك الواجب هو (واجب)، أو لأن القانون يفرض ذلك، فكان أن ولد ذلك انفصاماً بالشخصية كان يُدارى بالنفاق.
على فكرة، أدهم إياه ومن خلفه ليس إلا نموذج حي لهذه العقلية المتأسلمة، والبقية تأتي....