د. عماد فوزي شعيبي يكتب عن الطفل الذي سيحارب عندما يكبر.. محطّات في الذاكرة (حرب تشرين)1من2
يتابع فينكس نشر "محطّات في الذاكرة" مع قامات ثقافية وفكرية, وطنية وقومية.. وهذه المحطة يكتبها الفيلسوف الدكتور عماد فوزي شعيبي.
كان الوقت مساء من ليلة التاسع من رمضان الموافق ٥ تشرين الأول ١٩٧٣عندما عاد والديّ من زيارة لقريب كان يشغل موقعاً عسكرياً في الصف الأول العسكري. سمعت الهمس بأن الحرب غداً. كنتُ مولعاً بالردّ على الهزيمة التي عشتها طفلاً وباتت جزءاً من جرحي النرجسيّ الوطني.
تأملت الهمس، ومضيت. تذكرتُ أنني سمعت من طالب يزاملني أن الحرب ستكون في العاشر من رمضان ولم أربط وقتها ما سمعته بما همس به والدي. ولم أنتبه أن الغد سيكون العاشر من رمضان.
في اليوم التالي ذهبت إلى مدرستي ثانوية ابن خلدون. وكنت طالباً بشعبة المتفوقين المستحدثة فيها للصف الثامن. في الساعة العاشرة صباحاً تم صرفنا لأن الحرب ستقوم بعد قليل، هكذا أعلن لنا أساتذتنا.
كان عجيباً أن البلد تعرف بالحرب قبل وقتها ولا يتسرب الأمر لإسرائيل, ما استطيع أن أفهمه اليوم تواطؤاً (بالمعنى الإيجابي للكلمة) بين مختلف صنوف الشعب التوّاق لرد العار الذي لحق به بهزيمة ١٩٦٧. كان الشعب يشعر بالمسؤولية عن السرّ الوطني، أو هكذا استطيع أن ازعم ولو بمبالغة تحمل جزءاً مهماً من الحقيقة.
بدأت المعارك في الثانية ظهراً. كان الجميع مسؤولاً. كانت الأيام تمر والجميع يلتزم تعليمات الجيش بالنزول الى الأقبية و كانت ثمة سلوك مدني رفيع.
كنا نقف بالطوابير على المخابز دون أي تجاوز. عندما تأتي سيدة نفسح لها في المجال قبلاً أما عندما يأتي عسكري فإننا نتراكض لمنحه الخبز بلا أي انتظار فالوطن ينتظره.
مشهد لا يمكن أن تتذكره دون أن تعتبر أن كل الخير قد تكثف في البلاد دفعة واحدة حتى أن سورية قد سجلت طيلة ثلاثة أشهر صفراً في نسبة الجرائم.
والبديع أنني سمعت من الكثيرين من أقربائي أن كثيراً من سائقي التكسي كانوا يعملون على إيصال الناس ضمن مدينة دمشق مجاناً.
تدخل الحرب أياماً متتالية. مشهد تساقط الطائرات الإسرائيلية هواية يومية للسوريين. تجاوزوا فيها كل تحرّز. يصعدون للأسطحة طلباً لرؤيته نصر صواريخ سام ٦ التراجيدي على طائرات الفانتوم التي كانت قد اسقطت عدة طائرات سورية في يوم واحد بكمين فوق الساحل ربيع عام ١٩٧٣ فيما امتنعت القيادة العسكرية عن استخدام سام ٦ مدخرة إياها للمفاجأة الاستراتيجية. وحدث ذلك ففي يوم واحد أسقط السوريون ٩٩ طائرة. كانت روايات اسقاط الطائرات تُتداول كالأسطورة وكلّ يزيد من عندياته. كان الفرح لايوصف. الشعب ممتليءٌ بنصر جيشه ودفاعاته الجوية.
تسقط طائرة ويبدأ مظليان بالنزول. أغافل أهلي ونركض مع الدفاع المدني من منطقتنا ملاحقين الظليين الى المهاجرين. نصرخ دون أن يعلمنا أحد لنحافظ عليهما أحياء كي يقوم جيشنا بأخذ المعلومات منهم. لا ندري كيف تأتى لنا أن نكون بعمر ١٢ سنة أو يزيد بهذه المسؤولية والفطنة. ولما نصل الى مكان نزول الطيار نجد الذين سبقونا قد حافظوا على حياته للسبب نفسه. شعب لا يوصف. لايمكن لكلمات أن تصف هذا المستوى الخُرافي من المسؤولية.
يعرف الإسرائيليون أن السوريين يتحدون الموت لمتابعة (هطول) طائرات عدوهم فيقررون أن تدخل بعض الطائرات على ارتفاع منخفض وتضرب رشاشاتها المدنيين. نسمع عن رشّ أصاب البعض في شارع الثورة حديث النشأة. وفجأة تصل طلقة الى شرفة جيراننا في منطقة الروضة. كانت طلقة سميكة و ليست كرصاصة رشاش عادي. السيدة التي مرت الطلقة فوق رأسها وهي تُراقب من شرفتها الطائرات كالعادة! كانت أرملة طيار شهيد (من عائلة الساعاتي) استشهد قبل الحرب بأسابيع. نأخذ الطلقة من شرفتها. يحملها والدي بمسؤولية ضابط قديم ويسلمها لرفاق السلاح كي يسندوا معلوماتهم بمستند للقيادة العسكرية لاتخاذ اللازم.
لم تخف رشاشات العدو السوريين. وبقينا نتابع المشهد ونردد مع كل بيان عسكري أغنية فيروز التي تلي البيان: خبطة قدامكم عالأرض هدّارة ... أنتو الأحبة وإلكم الصدارة.
الجيش ثم الجيش ثم الجيش. لا أحد من البشر يستحق التقديس الرمزي في الحرب إلا الجيش. يدخل عمي الملازم المجند البيت في إجازة لساعات. نعانقه وكأننا عانقنا الجيش كله. ونُفاجأ أن كل من رآه على درج البناء إما عانقه أو مجدّه, يغادر إلى قطعته وكأننا نود ألا يطيل البقاء فسورية تنتظره.
أحتفظ لنفسي بنشيد خاص حملته من تجربتي طفلاً في القاهرة وأردده: بفخر كل يوم
والله زمان يا سلاحي اشتقتلك في كفاحي.
وألحفهُ بنشيد ياهذه الدنيا أطلي واسمعي. جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي. بالحق سوف أرده وبمدفعي. فإذا فنيت فسوف أفنيه معي. الله الله الله أكبر الله أكبر فوق كيد المعتدي
ويبقى الطفل ينشد في داخلي حتى اليوم.
خمس أيام على ما أذكر مرت على بدء الحرب. أجلس في الصالون مع والدي، يسايرني بلعب الشطرنج. نسمع صوت طائرات. أخرج بسرعة إلى الشرفة ويخرج والدي ورائي. نشهد طائرتين إلى الجنوب الشرقي ترميان أربع قنابل على شكل اسطوانات تتحرك نحو الجهة الغربية. تتحرك احدى الطائرتين صوب الشمال حيث جبل قاسيون ونشهد إسقاطها. يهتف والدي: الأنذال يقصفون دمشق. يدخلني ويوقفني تحت جسر من جسور البناء قائلاً هذا قد يحميك. ثوانٍ ويبدأ البيت بالارتجاج. ويكاد باب البيت يفتح.
تبدأ حركة في الشوارع لا تتوقف. والبشر بدلاً من الاحتماء بالأقبية تتحرك صوب منطقة أبو رمانة والمالكي، حيث السفارة الهندية التي اصيبت والبناء الذي يجاورها (على ما أتذكر الموقع هو الآن نقابة أطباء دمشق مقابل وزارة النقل الحالية) و في بناء مقابل آمرية الطيران وبناء القيادة القطرية حالياً حيث كان بناء دار المعلمين اذ يقال أن واحدة من القنابل لم تنفجر وأخرى أصابت آمرية الطيران.
نتحرك لمساعدة الجرحى ونقل الشهداء. تتحرك سيارات التكسي نحو المكان ويطلب السائقون التبرع بنقل الجميع مجاناً. مشهد لا يمكن أن ننساه. يحفر في داخلنا.
زوج خالتي كان يشغل رئيس أركان القوى الجوية. تُصاب خالتي بالهلع عندما تسمع باستهداف آمرية الطيران. تتحرك العائلة كلها إليها للوقوف معها وبث الأمل في داخلها. ننتظر طويلاً قبل أن يتصل بها لجعلها تتطمئن. وتنتظر أياماً قبل أن يأتي للمنزل لساعة ويعود في سرية تامة وسط جو من المسؤولية في العائلة بأسرها فالجميع يهتم دون حشرية و باهتمام بالبلاد أكثر من الاهتمام بالأشخاص.
اقترب من المباني المُدمرة، وسط حالة ذهول تكتنف الشاب الغضّ، من حديقة المدفع أرى بعض الدمار يحل في مدينتي الأثيرة.
ليلاً، نشهد مشهداً غريباً فالسماء كانت مُضاءة بلون برتقالي. يؤكد والدي أنها قنابل مضيئة فنتحذٌر هل أطلقها الإسرائيليون لمعاودة القصف. ويأتي الجواب لاحقاً ان الجيش هو الذي أطلقها لسبب لازلت أجهله للآن.
نقرأ -لاحقاً عندما كبرنا-أن إسرائيل قصفت دمشق بعد إطلاق جيشنا صواريخ على مصفاة حيفا. وأن الهدف كان الردع عن استهداف العمق الإسرائيلي حرصاً على المحافظة على المذهب العسكري الإسرائيلي.
تنقطع الكهرباء. في العاصمة و تبدأ أول رحلات السوريين مع انقطاع الكهرباء. اسابيع تمر دون كهرباء. أصبحت الشمعة صديقتنا و رفيقة ليلنا. نقرأ عليها ونمضي الليالي الباردة (نستدفيء!) بحنانها. ويدخل السوريون زمن السراج واللوكس الأبيض الذي يشتغل على الكاز.
لم اسمع تذمراً. كانت والدتي تبادر لجعلنا نتكيف في أكلنا على أن لا كهرباء قادمة. وتتذكر كيف كانوا يعيشون عندما لم تكن سورية تعرف الكهرباء وكيف كانوا يحفظون الأطعمة.
فجأة يخرج (المدني) المتكيف من اللاوعي الجمعي للسوريين. حقاً كانت أياماً تملأ الوجدان. لازلت أذكرها بحنوٍ و غبطة. صاغت وجداني و شكلتني وأذكرها بدهشة و كأنها قد كانت قبل يومين.
تدق الساعة العاشرة صباحاً. أذهب إلى السوق لجلب أغراضٍ. الجميع يعمل في سوق الجمعة بمنطقة الشيخ محي الدين كخلية نحلٍ. صوت الطائرات وطلقات المدفعيّة تهز أركان المدينة. يقولون عن اختراقٍ إسرائيلي باتجاه سعسع. ويتردد في السوق أن الجيش العراقي قد وصل. أسمع نقاشات بين بائع وزبون. أتوقع أن مساومة حول أسعار الخضار تجري. لكن كل شيء يبدو مضبوطا فلا أحد يزيد من أسعاره وثمة شعور عالٍ بالمسؤولية. أحد البائعين يحمّل الزبون الكيس قائلاً هذا هدية مني لك على هالخبرية: البارحة سمعنا عن أن العراقين صدوا هجوم سعسع! وهم يقطعون آذان الاسرائيليين ويشكلون منهم أحزمة يضعونها على خصرهم.
كانت الصور الفانتازية مادة للحرب وللامتلاء في اليوميات السورية. الجميع يشعر أن الهزيمة المُرة رُفعت عن كاهلهِ.
يمر جندي في السوق يبدو أنه ليس مقاتلاً. ينظر إليه البائعون شذراً. يصرخ أحدهم شو جابك. مكانك مو هون. يطأطيء الجندي و يدلف منسحباً من السوق ليغسل العار! الذي لحق به دون قصد.
لايزال صوت بائع البندورة التشرينية في أذني: البندورة من الجولان واليوم ببلاش.
حتماً لم تكن من الجولان ... لكنه فعلاً كان يبيعها ببلاش.
صحيح أنني كنت في الواحد والعشرين من عمري وأعرف العقلانية السياسية ومبدأ ميزان القوى وأن الحروب عابرة، إلّا أنني لم أحتمل.
كنت في السنة الرابعة بكلية الهندسة الالكترونية وكان الامتحان قد بدأ. تذرعت أمام أسرتي أنني ذاهب للاذقية للاستجمام والدراسة على البحر، وأمام حبيبتي التي أصبحت زوجتي بأعذار التفرغ للدراسة، وتركت امتحاناتي وغادرت ملتحقاً بالفصائل على محور بحمدون-عاليه.
قاتلت تحت وابل قصف جوي لايوصف. كنا ندافع عن شرف العروبة المُهان. وكنت أنتظر الشهادة بحنوٍ.
لم ننم أياماً عديدة ومنعنا تقدم أرتال الدبابات... لكن ميزان القوى قال كلمته ودخلت القوات الإسرائيلية بحمدون.
وذهب شارون إلى الكنيس اليهودي المهدم والقديم بجانب المشفى الوطني ودخله. وقتها شعرت أن كياني قد تزلزل. بكيت بحرقة ولم أبكِ بعد ذلك إلى أن بكيت وطني عام ٢٠١١. يبدو أنني نذرت دموعي لأمتي ولسورية.
عدت إلى دمشق لأكتشف أنني رسبت بأربع مواد. لم يكن سهلاً على المتفوق أن يبلغ والده ووالدته أنه رسب. لكن سقوط بيروت كان أعنف من أي رسوب إمتحانيّ.
كلما مررت من ذلك الحرش الذي قاتلت فيه أتذكر أنني هنا زرعتُ نقائي... وبياضي ولا زلتُ.
اليوم أستعيد الذكريات وأقول كم عشنا منذ يفاعتنا قضايا أمتنا وبلادنا ولم نعش شبابنا. كم انفعلنا من أجلها. وكم ننفعل اليوم.
تلك كانت أيامنا.