أُبيّ حسن: على هامش تجربتي في الإعلام الالكتروني
تنقسم تجربتي في الاعلام الالكتروني الخاص إلى شقين:
الشق الأول, ككاتب في هذا الاعلام لنحو تسع سنوات, والشق الثاني كناشر (لاحقاً) لوسيلة اعلامية الكترونية منذ تموز 2011 حتى الآن.
عندما بدأتُ النشر في المواقع الالكترونية عام 2002, كان لايزال هذا الاعلام وليداً جديداً في وطننا, يحاول أن يثبت وجوده في الساحة الاعلامية داخل وخارج سوريا. ومن حسن الحظّ أن معظم من خاضوا غمار هذه التجربة الجديدة, كانوا صحفيين مخضرمين ومهنيين ومحترفين -سواء اتفقنا أم اختلفنا معهم- وكان أغلبهم ابناً لهذه المؤسسة الاعلامية الحكومية أو تلك, بمعنى لهم باع طويل في العمل الاعلامي.
وبحسب إسعافات الذاكرة, كانت أول تجربة لجريدة الكترونية تولد في سوريا, على يد الاعلامي علي جمالو (ابن صحيفة الثورة), إذ أنشأ منذ مطالع هذا القرن موقع "شام برس" ثم ألحق به مجلة الكترونية وغيرها.. (طبعاً, لا أعرف حالياً شيئاً عن "شام برس" ومشتقاتها, ولا أعلم ان كانت ماتزال موجودة أم لا).. ولم يطل الأمر حتى انتشرت المواقع الالكترونية بسرعة وكثافة, بحيث تجاوزت خلال عامين أكثر من عشرين موقعاً الكترونياً داخل سوريا (لا نذكر هنا وسائل الاعلام الالكتروني المعارض خارج سوريا).
من تلك المواقع: "سيريا ستيبس", "داماس بوست", "كلنا شركاء" (وهذه صارت معارضة مطلع الحرب الكونية على سوريا), "سيريا لايف", سيريا لايت", "سيريا نيوز" (أيضاً انقلبت الى المعارضة).. الخ. وكانت إحدى ملاحظاتي على أسماء الصحف الالكترونية السورية هي كثرة استخدامها لاسم "سيريا", إذ كان يوجد عام 2007 أكثر من عشرة مواقع تبدأ بهذا الاسم (اندثر معظمها لاحقاً), ولا أظن أن التكرار أو التشابه في الأسماء كان موفقاً من الناحية المهنية.
تميّز الاعلام الالكتروني بسرعته في نقل المعلومة والخبر, وبمرونته اللامتناهية, هذه المرونة تُرجمت بمقدرته على الاستفادة من جميع عناصر الاعلام الأخرى كالتلفاز والراديو والصحف المطبوعة (و بمقدوره نشر الفديوهات والمقاطع الصوتية), كما تجلّت مرونته بسهولة التصفح وفي أي مكان, ويُسر الأرشفة والبحث عن المعلومة, وكذلك (لاحقاً) استطاع الاعلام الالكتروني تطويع عناصر السوشيل ميديا لصالحه (كالفيسبوك, والانستاغرام, وتويتر واليوتيوب.. الخ).. عدا أنه بمقدور القائم على هذا الاعلام إجراء أي تعديل يتناسب وتطورات موقف ما على المنتج الإعلامي عامة والخبر خاصة, ولا شك ان الاعلام الالكتروني تميّز بهامش أوسع في حرية التعبير عن الرأي قياساً بالاعلام المطبوع, تجلى ذلك في نقده الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. نقد الحكومة ومؤسسات الدولة, وتسليط الضوء على جوانب التقصير في عمل هذه المؤسسة أو تلك, وحقيقة ساهم هذا الاعلام في فتح وفضح الكثير من ملفات الفساد؛ أذكر من هذا الاعلام, مطلع القرن الحالي, موقع "سيريا نيوز" الذي كان مُتابعاً على نطاق واسع, وحقيقة كان يحظى برعاية مميزة من قبل بعض مؤسسات الدولة, قبل أن يصطف لاحقاً (خلال الحرب الكونية على وطننا) مع طابور الاعداء.
ومن الجدير ذكره, إنّ مؤسسات الدولة كانت تأخذ ما ينشر بحقها -من تقصير وأخطاء- على محمل الجد, وكانت تتجاوب مع معظم ما ينشر, فتسارع إلى الرد على هذا التقرير وذاك التحقيق, علماً أنّ ذلك الاعلام (الالكتروني أعني) لم يكن مقونناً بعد, إذ لم يكن مشمولاً بأي شكل من أشكال القانون, ومع ذلك كان غالبية القائمين عليه يلتزمون, وبشكل عفوي أو تلقائي, بالضوابط والمصلحة الوطنية العليا, ولم يكن من موجّه لهم في هذا سوى قانون الضمير وأحكام الناموس الوطني.
وفي هذا السياق, أشهد شهادة لله وللتاريخ, إنّ صدر الدولة وبعض أجهزتها كان رحباً أكثر مما تتصورون حيال بعض ما كان يكتبه الكثير من الكتّاب والصحفيين السوريين -وأنا أحدهم- الذين كانوا يقيمون في سوريا دون أن يتعرض أحد منهم إلى أي مساءلة حول ما يكتب, اللهم إلّا في حالتين:
الاولى: إن كان يذكر معلومات كاذبة لدرجة لا تحتمل حول موضوع ما, خاصّة إذا ما كان الموضوع سياسياً.
الثاني: إن كان لهذا الصحفي أو ذاك الكاتب ارتباطات خارجية مؤكدة تضرّ بالأمن الوطني.
وما ذكرته لا يشمل مقالات الرأي, التي كان بعضها يتسم بالحدة والتطرف والتهكم أحياناً, من الدولة والكثير من مسؤوليها, ومع ذلك لم يجر ازعاج أي كاتب أو صحفي لمقال رأي حتى لو كان هذا المقال أو ذاك مجافياً للواقع وينضح حقداً وغلاً. وهنا أؤكد أن الصحفي الحقيقي والكاتب الصادق الملتزم لا يكون حاقداً في نتاجه, بمعنى آخر, كان بعض الصحفيين والعاملين في هذا الإعلام قبل الحرب على سويا, بمثابة طابور خامس متقدم داخل الوطن, ولم يمسسهم أحد هاتيك السنين.
وحول التفاعل الحكومي مع بعض ما كان يُنشر, أستشهد بحادثة جرت معي: نشرت عام 2008 شكوى ضد إحدى أساتذتي في جامعة دمشق, وكانت الشكوى برسم وزير التعليم العالي ورئيس جامعة دمشق, الشكوى ارتقت إلى سجال صحفي الكتروني بيني وبين بعض مؤيدي استاذتي في الجامعة, كان نتيجة السجال أن دعتني رئاسة الجامعة للتحقيق فيما كتبتُ, كما دعت الدكتورة المكتوب عنها, وكانت نهاية التحقيق أن أنصفتني رئاسة الجامعة أنا وزملائي الطلاب.
في نيسان 2006 نشرتُ في موقع الجمل الالكتروني تحقيقاً ميدانياً عن الشذوذ الجنسي في سوريا, وكان العنوان صادماً, ولكم أن تتخيلوا مضمونه! فأتت اتصالات من مسؤولين كبار للزميل نبيل صالح (هو نائب حالياً في البرلمان) تطلب منه حذف الموضوع عن الموقع بزعم أن نشره يعتبر فضيحة تتنافى و"قيم مجتمعنا" (بعد الحرب الكونية على سوريا, سمعتم كلكم بما يُسمى جهاد النكاح), كانت هذه هي المرة الأولى والاخيرة التي يمنع لي فيها موضوع عبر المواقع الالكترونية, لكن الموضوع ذاته سرعان ما انتشر في عدة مواقع الكترونية وأثار جدلاً واسعاً سنتذاك حتى في بعض الصحف الالكترونية المغربية.
قبل عام 2011, أي قبل صدور قانون حديث, ناظم للعمل الاعلامي في سوريا, كانت جميع المواقع الالكترونية دون ترخيص, إذ لم يكن اتحاد الصحفيين أو وزارة الاعلام, قد فكرا في مأسسة وقوننة هذا النمط الجديد من الاعلام, ولا أعرف سبب التأخير في هذا حتى عام 2011, علماً أنّ التجربة والواقع يقولان أنّ المستقبل لهذا الاعلام, فكما تعلمون إن بعض أهم الصحف في اوربا وأمريكا ألغت نسختها الورقية (صحيفة "لويدز ليست" التي تأسست عام 1734 وبعد 280 عامًا من صدورها اكتفت الصحيفة في العام 2013 بإصدار الكتروني لها ملغية النسخة الورقية, ثم تبعتها "الإندبندنت" آذار 2016 بعد ان انخفض توزيعها من 450 ألف نسخة إلى 40 ألف نسخة في اليوم, وهي الصحيفة التي تأسست قبل 300 عام, فيما "وول ستريت جورنال" خفّضت من عدد نسخها الورقية).. ولا ننسى أن من شأن الاعلام الالكتروني والاتجاه له ان يساهم جدياً في الحفاظ على الغابات التي تقطع لأجل الورق.
ولأدلل على صدق ما أقول حول أن المستقبل لهذا النمط من الاعلام, أفيدكم, بما أخبرني به صديق أردني خلال تقرير أعددته منذ نحو ثلاثة اعوام حول هذا الاعلام, إذ أفادني الصحفي المخضرم نصر المجالي أن موقع "عمون" الاردني, كان يملكه شخصان, اختلفا, فاتفقا أن يبيع أحدهما حصته للآخر, فتمّ تقدير ثمن الموقع بـ 476 الف دولار أمريكي, دفع أحدهما نصف القيمة إلى شريكه قبالة تنازله عن ما له من ملكية في "عمون".. هذا البيع قبل نحو أربع سنوات!.. وبحسب علمي, ان موقع "داماس بوست" في سوريا, كانت الزميلة ريم خضر إحدى مالكيه, سبق أن باعت حصتها بأكثر من مليون ليرة قبل سفرها الى خارج سوريا.. هذا الكلام قبل نحو عشر سنوات.
ولعلي أتفق مع ماذكره الصحفي الفرنسي برنار بوليه في كتابه "نهاية الصحف ومستقبل الاعلام" من عوامل تضر بالإعلام الورقي قبالة تزايد سلطة الاعلام الالكتروني. وملخص هذه العوامل:
*انخفاض في الميزانيات الإعلانية للصحف التقليدية واتجاهها نحو وسائل الإعلام الإلكترونية.
*عدم اهتمام جمهور الشباب بالاعلام المطبوع، وتغير أنماط التفكير والقراءة لدى مجتمع المعرفة.
* انتصار ثقافة الحصول المجاني على كل شيء، وهذه هي الثورة التي تعصف بالصحافة المكتوبة في كل مكان.
فعلي سبيل المثال في أمريكا قلّ الإنفاق على الصحف بشكل كبير بعد أن قلت الإعلانات التي تحصل عليها الصحف من 46 مليون دولار عام 2003 لـ 23 مليون دولار عام 2011.
وها هو الخبير العالمي روس داوسون المعروف بتخصصه في تقديم قراءات استشرافية للمستقبل يفيدنا بأن الصحافة الورقية على سبيل المثال سوف تنقرض أو على أقل تقدير سوف تفقد قيمتها في المستقبل، وبنسب وأطر زمنية متفاوتة, إذ توقع أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية هي أول دول العالم التي تتحقق فيها هذه النبوءة.
و لاشك أن أحد الأسباب المهمة التي تجعل الاعلام الالكتروني مرغوباً من الناحية الاقتصادية هي أن تكلفة إنشاء المواقع الالكترونية اقل من تكلفة إنتاج الصحف سواء من حيث إنتاج المطبوعة أو من حيث تكلفة الإعلانات بها وهو من اقتصاديات التشغيل الأسرع والأنسب في هذا الزمن, كما أن تأثير المواقع الالكترونية أصبح أكبر من تأثير الصحف الورقية وذلك من خلال استخدام أنشطة الفيديو والفيديو التفاعلي والصور الحية في وقت الحدث ما اثر بالسلب بنسبة كبيرة ليس علي مصداقية الصحف بل علي سرعة انتقال المعلومة نفسها, وهذا ما يراه الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو لجنة التشريعات الصحفية والإعلام الذي يؤكد "أننا في مرحلة تحول بطىء وليس معناه أن الصحافة الورقية في طريقها للانقراض لأنه ما زالت نسبة من القراء تعتاد علي شراء الصحف الورقية التي تفتقد للموضوعات التفاعلية كما الكثير من الموضوعات الصحفية على الإنترنت، ولم يعد القارئ ينتظر من الصحف الورقية أن تجيب عن الأسئلة الستة المشهورة (من و ماذا و متى و أين و لماذا و كيف) فالقارئ اليوم يحتاج إلي موضوعات أكثر تشويقا وأعمق تحليلا وأضخم إبهارا.
أنتقل الآن إلى تجربتي كناشر, وسأوجز قدر الامكان
بدأ موقع فينكس انطلاقته في تموز 2011, سبقها نحو ستة أشهر تحضيرات, لا أخفيكم, أنني في بداية عملي كناشر (بالتزامن مع قلّة كتاباتي), ورئيس تحرير وسيلة اعلامية متواضعة, أخطات كثيراً (بالمعنى المهني), وشطحتُ كثيراً, ومن حسن الحظ أني كنتُ استفيد قدر المستطاع من أخطائي ومن ملاحظات الأصدقاء ونقدهم وكذلك من شماتة الخصوم والأعداء, ومع ذلك, كنتُ ألمس إقبالاً من القرّاء, وتجاوباً من كثير من مؤسسات الدولة حول بعض ما ننشره, أذكر هنا حادثة جرت معي في باكورة انطلاقة فينكس, إذ نشرتُ خبراً عن استشهاد نقيب في جيشنا العربي السوري خلال نقله لأفراد أسرته من درعا حيث خدمته إلى إحدى قرى الساحل بين أهله, وهو في الطريق بين درعا ودمشق طورد من قبل ارهابيين فارتقى على الفور مع زوجته وطفله فيما بقيت ابنتاه الطفلتلان على قيد الحياة لكن في وضع صحي ونفسي حرج وقلق, اللافت أن وزارة الدفاع لم تعتبره حينذاك شهيداً كونه لم يرتق في ارض المعركة, بعد نشر فينكس للحادثة بيومين وكشفه حقيقة مفادها أن ليس لدى الشهيد النقيب منزلاً خاصاً يؤوي طفلتيه وحرمانهما من امتيازاتهما كابنتين لشهيد, اتصل بي أحد كبار المسؤولين في دمشق مستفسراً وطالباً المزيد من المعلومات, وأخبرني أنّه سيسعى لاعتبار النقيب شهيداً, والحقيقة اتخذ ذلك المسؤول (مشكوراً) اجراءات عدة كان من شأنها احقاق الحق وحفظ مستقبل الطفلتين؛ كانت هذه الحادثة في وقت ما يزال فيه الاعلام الصهيو وهابي وبمعونة الخونة من حملة الجنسية السورية يزعمون ان ما يجري في سوريا ثورة سلمية..
خلال عملي كناشر, اكتشفت حجم الصعوبات التي تواجه القائمين على بعض الاعلام الالكتروني, منها قلّة الدعم الاعلاني لا بل ندرته من قبل مؤسسات الدولة وبعض هذه القلّة مبرر بحكم الظروف الراهنة, ما انعكس سلباً على آلية العمل (مثلاً, لضعف المدخول: ليس بمقدورنا اعتماد مراسلين ميدانيين) وصعوبة الحصول على المعلومة, وهذه مشكلة يتقاسمها الاعلام الالكتروني والورقي, وقلة الكادر التحريري, ومعوقات أخرى منها على سبيل المثال: إن معظم مخدمات المواقع الالكترونية تقع خارج سوريا, وعندما عاقبت الولايات المتحدة الشعب السوري في ربيع 2013, كان من ضمن من شملتهم العقوبات هي الجمعية السورية للمعلوماتية التي تخدّم نسبة كبيرة من مواقع الانترنت, تبيّن أنّ مخدماتها هي ذاتها في الولايات المتحدة التي صادرت جميع الدومينات السورية ومنها دومين موقع فينكس سنتذاك, ويقيني أنّ وجود معظم المخدمات في امريكا, هو نقطة ضعف للمواقع الالكترونية السورية وغير السورية, خاصّة الاعلام الالكتروني المعادي في جوهره لسياسات الهيمنة والطغيان الامريكي.
بالرغم من كل ما سبق ذكره, كلما توغلتُ أكثر في العمل الاعلامي الكترونياً كان أم ورقياً, أزدادُ ايماناً أن أهمية الاعلام ونجاحه, ينبعان من مدى مصداقيته في نقل الخبر والمعلومة والتزامه بالقضايا الكبرى والمحقة من وطنية وثقافية واجتماعية وفكرية.. الخ.
وأخيراً: ما زلنا نتعلم