عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثالث والأخير
يتابع "فينكس" نشر "محطّات في الذاكرة" مع أعلام عرب, وهذه المحطّة مع الشاعر السوري الأستاذ عبد الكريم الناعم, وننشرها في حلقات. ننشر اليوم, الحلقة الثالثة والأخيرة.
مع التنويه بأنّ ما خصّ به الشاعر عبد الكريم الناعم موقع فينكس, هو عبارة عن فصل من كتابه (المخطوط) "مدارات2".
الحريق الأخونجي
في تلك الفترة، جاء لزيارتي حسين العَلو، وهو من أصدقاء فترة ما قبْل الوحدة، تحدّثت في ما سبق عن هذا الرجل وجماعته, وعن طاقات هذا البدويّ، الأميّ، القياديّ النّادر، ولم يكن ينقطع عن زيارتي حتى حين كنتُ في "خان شيخون"، وكان هو وجماعته (الجَعابرة) ومن كان معهم، حين حدثت الانشقاقات داخل الحزب، قد التزموا الجانب الذي على رأسه أكرم الحوراني، فهم أصدقاء حميميّون لعبد الله شمس الدّين، المحامي في حلب، وقد ذكرناه في الجزء الاوّل (من مدارات)، وقد اختار هذا الاتّجاه، فأثّر فيهم، فكانوا على طريقه، كما أنّ ثمّة صداقة تربطهم بالمحامي الحلبي المعروف آنذاك عبد الفتّاح الزَلْط، وهذا من أركان قيادة أكرم الحوراني، وظلّتْ علاقة حسين معي تلك العلاقة الدّافئة التي نشأت في ظروف خاصّة جدّاً،
بطريقته الشيّقة والحيويّة حدّثني أنّ ثمّة رجال دين يذهبون إلى المساجد في القُرى التّابعة لمنبج، قادمين من حلب، ويخطبون فيها، وأنّهم يثيرون العنعنات الطائفيّة، وعقّب "أنت تعلم أنّه لا يوجد في منطقة منبج وأمثالها "علويّون"، ومع ذلك يحرّكون هذه النّار، ويشحنون بها النّفوس، ونحن، كما تعرف، صحيح أنّنا خارج التّنظيم الرّسمي، ولكنّنا لسْنا خارج مَبادئنا، نتصدّى لهم، ونعارضهم، ونشتبك بالكلام معهم، وأحيانا حين تُعيينا الحجج في دفع أمر ما، نقول لمَن حولّنا، عبد الكريم النّاعم "علوي"، نستعين باسمك فما زال ذكرك طيّباً بين النّاس"،
قلت له: "مشكور أبو أحمد"
فقال: "أنا ما حدّثتك بالحديث لكي أبيّن موقفي، أو لتشكرني، وإنّما جئت أطلب إليك أن تزورنا"،
قلت: "إن شاء الله"
فردّ بحزم: "أنا ماجئت من مائة كيلو متر شرقيّ حلب، حتى تقول لي إن شاء الله، نحن نريدك لليلة واحدة، وهذا يُعطينا مَدّاً لمدّة سنتين"
توقّفتُ متحيّراً، فالظروف غير مناسبة، وهم خارج التنظيم الرسمي، والاخوان ناشطون، والزمن كلّه تغيّر عن زمن ما بعد منتصف الخمسينات، وأنا لاعلاقة لي بأيّ تنظيم، ويبدو أنه خمّن ما يدور في خلَدي، فقال: "لن اقبل إلّا بوعد بالزّيارة".
أخذتْني حميّة ما، وقلت له: "سأزوركم إن شاء الله"،
كان لابدّ من الوفاء بوعدي لحسين العلو، سافرتُ إلى حلب، وأردتُ أنْ أقدّم تغطيات مُسبقة لزيارتي ل" الحُمْر"، قرية أهل حسين العلو، فاتّصلت برئيس الشعبة السياسية، وكان آنذاك العقيد هاشم الصالح، وبيننا وبينه مودّة وصداقة، ومعرفة عن قرب، فرحّب بي في مكتبه، وسألني عبر الحديث عمّا إذا كانت لي حاجة في حلب يستطيع أن يُساعد فيها، فأخبرتُه أنْ لا حاجة لي، وإنّما وجدتُ فرصة للزيارة، وأنا غداً مُسافر إلى قرية "الحُمْر" في منبج لزيارة أصدقاء قُدامى، أخبرتُه بذلك وخرجت، وكنتُ في ذلك أقدّر أنّني أسبق التقارير التي ستُكتَب إلى جهاتها، بعدها اتّصلت بأمين فرع الريف للحزب، وهو صديق قديم، وحين عرفني قال بجزم: "ولا كلمة، إمّا أن تُوافق على أن نتغدّى معا، وإلاّ فإننّي سأظلّ عاتبا عليك زمناً طويلا"، واتفقْنا على اللقاء في مطعم معروف، وهناك استرجعْنا بعض ذكرياتنا، وربّما كان في داخلي الكثير من الألم، الذي لم تمحُه الأيام بعد، وأثناء الجلسة سألني بودّ فيما إذا كان لي قضيّة في حلب، او عمل، فأخبرتُه بوجهتي، فقال جازماً: "لا، لن أدعك تذهب إلى منبج في سيّارة عامّة، سيارتي سوف توصلك".
وهكذا، كما قدّرت قمتُ بتغطية مُناسبة،
في اليوم التالي كنتُ أسترجع الكثير من الذّكريات البهيجة والمؤلمة وأنا في طريقي إلى منبج، وحين وصلتُ إلى بيت "عبد السّلام حاج محمّد"، صرفتُ السائق،
عبد السلام واحد من قُدامى البعثيّين، وممّن ذكرتهم في الجزء الأوّل، وقد استقرّ به المطاف، خلال الانشقاقات التي حدثت في الحزب، فيما يُسمّى جماعة صلاح جديد، وذهبتُ وإيّاه إلى "الُحمْر"، وهناك اجتمع "الجَعابرة" ومَن كان مثلهم، وأمضينا اللّيل بطوله ونحن نتحدّث عن خطر الطائفيّة، وعن هذه الورقة المُدمِّرة التي يُخرجها الطّامعون، والرّجعيّون، بين حين وآخر، لوضْع اليد على هذا البلد، ولتغيير مساره،
كانت ليلة تجاوزْنا فيها مواقعنا التنظيميّة، وكأنّنا نستعيد شيئاً من صفاء الزمن الذي انقضى، وبنينا عليه الكثير من الآمال،
أذكر أنّ أحد الموجودين من أقرباء حسين العلو، وُلدتْ زوجتُه ذكراً في تلك الليلة، فسمّاه عبد الكريم، ترحيبا وتكريماً، وهذه عادة بدويّة معروفة، إذا كان لدى صاحب البيت ضيف، وولدتْ زوجته، فإنّه يسمّي الولد على اسمه تكريماً، وهذا يُوجب حقوقاً على الضيف وهي أن يتابع أمور هذا الوليد، وأن يعينه بقدر ما يستطيع،
*******
أوّل (وكْر) ضُرب للإخوان المسلمين في حمص، كان في حيّ "باب الدّريب"، وفيه كان بين القتلى شاب كان جاراً لنادي المعلّمين الذي كنتُ مديره، وما كان يفصل بين مكتبي والبلكون الأوّل الذي يجلس عليه بشكل شبه دائم إلّا عرْض الشارع، وكان والده قد استُئصلت حنجرته، ففقد القدرة على النّطق، وكان الأب جاراً لطيفاً، بعكس ابنه الذي أطلق لحيتَه، وينظر إلى النّاس وكأنّه يرى فيهم أعداء، حين صادفتُ أباه بعد مَقْتله، سلّمت عليه فحرّك شفتيه دون صوت، وصافحني بيديه الاثنتين، وانهمَرتْ دموعُه، المؤكَّد أنّه لا يعلم أنّ ابنه كان يمكن أن يكون قاتلي،
*******
في تلك الفتّرة ، قرب السّرايا التقيتُ بمحمّد فرج غليون، وتربطني به صداقة قديمة، فهو زميل في الإعدادي، ومنذ ذلك الوقت كان يُعلن انتماءه للأخوان المسلمين، ورغم اختلافنا في المباديء السياسيّة فقد كنّا صديقين، فهو يتمتّع بنخوة وشهامة، وصدقيّة، وشجاعة، وقد بتّ إحدى الليالي في بيته أيّام النّضال ضدّ الشيشكلي، وشاءت المصادفات أن أصير أنا وأخوه يحي غليون أبو عبد الله أصدقاء، وهذا، رغم تديّنه، من أصحاب الكأس، والنّغم، ومن ثمّ صار جميع أخوته أصدقائي،.. محمّد ذهب للجيش كضابط، وسُرّح بعد ثورة الثامن من آذار 1963، وعيِّن في وظيفة مدنيّة، وسبق أن لوحق في تحرّك سابق لجماعة الأخوان، ففرّ، أو تخفّى، حتى دُبّر الأمر، وعائلته من عائلات حمص المشهورة، وهم من أصول بدويّة، من قبيلة "طيّ"، ولهم حضورهم الاجتماعي في أوساطهم،... التقيتُ به، فسلّمنا بحرارة، وقال لي: "أريد ان أراك، هل تأتي إليّ أم آتي إليك"؟
قلت: "الذي يُريحك"
قال: "أنا لديّ "بيك آب"، وتنقّلي أسْهل من تنقّلك"، واتّفقْنا على موعد،
جلسنا في غرفتي التي أقرأ فيها وأكتب، فبادرني مُباشرة: "اسمعْ أخي أبو إياد، نحن لا نريد لجرْح "حماه" أن ينتقل إلى حمص، وأنا أبديْتُ اعتراضي على القتّل الطائفي، لدى الجماعة، وحتى أن توحيد بعض الأجنحة في الأخوان ربطْتُهُ بمسألة تعديل الرؤيا، واشترطتُ عليهم الخروج من هذا المأزق، وأنا فاعل في مجتمعي المُحيط بي، وأنت فاعل في بيئتك، وعلينا أنْ نعمل معاً لإطفاء نيران الفتنة الطّائفيّة، وأنا أتنقّل يوميّا بين المضافات في حمص، ولا عمل لي إلّا هذا".
قلت له: "أنا متّفق معك، ولكنّ البيئة التي أنا فيها بيئة مُسْتهدَفة، وهي التي تُقتَل، وحتى الآن تنحصر جهودنا في ألّا ينجرّ أحد للردّ، وهذا غاية ما نستطيعه، واتّفقْنا على تكرار هذا اللقاء"،
حين غادر أصابتْني بلْبلة، وتساءلتُ أليس من الممكن الاستفادة من هذا وأمثاله، ولا بدّ أنّه ليس وحده،
مساء كنتُ أنا والعقيد غازي كنعان، ولمّحتُ له بوجود أشخاص، من الأخوان، يقفون ضدّ القتْل الطّائفي، فأبدى اهتمامه، وحماسه لمدّ اليد لهؤلاء، وحين ذكرتُ اسمَه قال بارتياح: "أخوته وبعض أقاربه أصدقائي، وأنا مدعوّ بعد غد لتناول الغداء عندهم في إحدى المزارع في حمص"،
مساء اتّصل بي يحي غليون أبو عبد الله وبعد السلام، وإبداء الاشتياق قال لي: "سأمرّ عليك بعد غد، أنا داعيك على الغداء، في مزرعة قريبة"، رحّبت بالفكرة، وتساءلتُ هل هي المصادفة؟
يوم الغداء لم يأت العقيد غازي كنعان، وقدّر الجميع أنّ وقته لم يسمح له، ولكنْ، في المساء، علمتُ بأنّ محمّد فرج غليون قد جرى اعتقاله، فاضطربت، وتضايقت، وذهبت لمكتب العقيد غازي، وقلت له: "اعتقال هذا الرّجل لا يُريح"
قال: "صدّقني أنْ لا يد لي في ذلك، أمر البرقيّة جاء باعتقاله من الشّعبة"،
قلت له: "أرجو أن تجلس إليه، وتتعرّف على افكاره" فوَعد بذلك، وقد استدعاه بالفعل، فقال له محمد فرج: "ماذا تستفيدون من اعتقالي، أنا ضدّ الفتنة الطّائفيّة، وما أفعله لصالح هذا الأمر وأنا طليق، لا أستطيع القيام به وأنا مسجون"،
هذا الكلام سمعتُه من العقيد غازي في مكتبه في اليوم الثاني، ووعدَني أنّه سيتدخّل لصالحه لدى الشعبة،
لم أكتف بذلك، بل ذهبت إلى صديق أثق به وبمناقبيّته في الأمن العسكري، وقلت له أن يوصل لمحمد فرج عن لساني أن يذكر أنّه التقى بي وطرح ما طرح، وأنا لا أخاف على نفسي إذا استُدعيت،
في اليوم التالي عاد إليّ هذا الرجل وقال لي: "هو يرفض أن يذكر حتى اسمك،"، تضايقتُ، وحزنتُ عليه، وبعد أيّام قليلة علمتُ، أنّ الشعبة قد طلبتْ إرساله إلى دمشق، وأخبرني العقيد غازي كنعان أنّه لم يستطع مساعدتَه في شيء، ولا يعلم ماهي معلومات الشّعبة عنه،
التقيتُ بعد ذلك بأخيه يحي أبو عبد اللّه وكان قَلقاً على أخيه، ويتمنّى لو يعرف أيّ شيء عنه، ظللتُ أحمل هذا الهاجس،
في تلك الفترة جرتْ محاولة اغتيال للرئيس حافظ الأسد، وعلى أثرها، أرسل العقيد رفعت الأسد قوّات محمولة إلى سجن تدمر، حيث يُسجَن جماعة الاخوان، وتمّت تصفية كلّ مَن كان في ذلك السّجن،
ذات يوم كنتُ في دمشق، وكان لي صديق يعمل في المخابرات، كان أخوه جاري في حمص تعرّفتُ عليه في بيته، وكان يعمل في مركز التّحقيق، فزُرتُه، وقلت له: "أحبّ أن أعرف شيئا عن مصير محمد فرج غليون، فقال: "انتظر قليلا" وخرج، وحين عاد قال "العوَض بسلامتك"، أصابني أسى داخليّ كتمتُه، ولم أُعلم أخاه بشيء ممّا علمت، ...
*******
من مُغيظات ذلك الزمان، أنّ اعترافات بعض الذين أُلقيَ القبضُ عليهم، وما توارد من أنباء، وما بين يدي أجهزة الأمن التي لها طرقُها الخاصّة في الوصول إلى المعلومات، أنّ سُلطة (البعث) في العراق كانت تسلّح الاخوان، وتُدرّبهم، وتحتضن بعض قياداتهم، فهل يستطيع الكُره، والعداء، أن يُخرجا النّاس من مبادئها، لتصبح المصالح الآنيّة، البعيدة عن الرؤية المبدئيّة الأخلاقيّة هي البديل؟!
هل وجد (البعثيّون) في العراق حليفا في العدو التّاريخي الفكري العقائدي لمباديء البعث؟!
أعتقد أنّ الانحدار إلى هذا المستوى لا علاقة له بمسموحات السياسة، بل هو ابن الأحقاد، والعداء، والكُرْه، والانزلاق، وهذه لا تبني وطناً، حتى حين تُقيم دولة،
لايجدون متٍّسعا، وفُرجة، مع جماعة الأخوان،.. الرجعيّة، المرتبطة منذ نشأتها بمخابرات الغرب، ولا يستطيعون تجاوز خلافات حزبيّة حزبيّة؟!
ثمّة خَلَل مدمّر،
*******
أثبتت التحقيقات مع الذين قُبِض عليهم من الأخوان أنّهم كانوا يتّبعون دورات في الاغتيال، وفي التدرّب على السلاح في العديد من بلدان العالم، حتى أنّ أحدهم كان يستطيع أن يُصيب الهدف بدقّة وهو يركب سيّارة تنطلق بسرعة مئة وعشرين كيلو مترا في الساعة، وأنّ أحد تدريباته كان في ساحل العاج، واستهلك في تدرّبه مليون وسبعمائة ألف طلقة، فهل يستطيع فعل ذلك تنظيم يعتمد على موارده الذّاتية؟!.. قيادات هذا التنظيم كانت موزّعة بين ألمانيا (الغربيّة) آنذاك، ولندن، وتتمتّع بحماية وحراسة من قِبل هذه الدّول؟!
******
* لاستكمال تفصيلات في الصّورة، والتي كانت بعض مظاهرها تشكّل إنذارات بعيدة المَدى، كما أنّها تعبّر عن الخلل التنظيمي، ومصداقيّة الأعضاء فيه، نذكر أنّ فروع الحزب في المناطق التي ثمّة وجود للعلويّين فيها، كانت واضحة لِمن يريد قراءة المجريات بعمق كاف، وكانت إنذارات مبكّرة لما تتالى من أحداث، إذ ثمّة حسّ طائفيّ خفيّ حينا، وظاهرحيناً آخر، وقد ساعد على ذلك فتْح باب التّنظيم لكلّ راغب، دون تدقيق، فتسلّل الإنتهازيّون، والمُخرّبون، والطّائفيّون، والمتسلّقون، والطّامعون في احتلال مواقع في الدّولة والحزب، وكان الحضور الطّائفيّ لدى العلويّين ردّة فعل دفاعيّة، فهم يريدون ألّا يكونوا مستهدَفين لمجرّد أنّهم وُلِدوا في هذه الطّائفة،
ولم تكن القيادات العليا خيراً من القيادات في الفروع، بل الحال من بعضه، وربّما كان اطمئنان الرئيس حافظ الأسد لترتيب القوّات المسلّحة، وقوّات الأمن يُشكّل لديه ضمانة، وكان اهتمامه أكثر ما يكون في مسألة مواجهة المشروع الصهيوني، لاسيّما بعد فِعْلة السادات بعد حرب تشرين 1973، وكان همّه منصبّاً على تكوين موقف عربيّ مقبول لمواجهة هذا الخطر،
* في إحدى الانتخابات الحزبيّة في حمص على سبيل المثال، كان فرزُ الأصوات يجري في مكان بينما الأخبار عن النّتائج تتوالى إلى بعض القوى المشبوهة في مقهى الرّوضة، وثمّة قوائم بالكامل كانت لا تضمّ إلّا أسماء السنّة، لاسيّما أبناء (المدينة)، وقوائم أخرى لا تضمّ إلّا أسماء العلويّين،
لقد وصل إلى قيادات الحزب أناس تلكّؤوا عن الانضمام له، وهم بعثيّون سابقون، منذ 1963 حتى 1970زمن استلام الرئيس حافظ الأسد للسلطة، وهم معروفون ببعض الميول التي لا تنسجم وجدانيّا وفكريّا مع مباديء البعث، وعملوا بشكل غير خفيّ على استقدام مَن هبّ ودبّ إلى تنظيم الحزب، شريطة أن يكون (سُنّياً)، بل وحرموا أحياء بكاملها من أن يكون فيها أوراق طلب انتساب، وتشدّدوا في قبولهم، حتى أن البعض من الأحياء التي حُرمتْ كان يلجأ إلى التّنظيم العسكري للحصول على طلب انتساب! وما كانت أجهزة الأمن جاهلة لهذا، وصار من المُتعارف عليه في حمص مثلا، في تشكيل أيّ قيادة فرع للحزب أن يكون فيها اثنان علويّان لا غير، وواحد مسيحيّ، حتى كاد أن يكون عُرْفا، وهذه حالة ليست من الصحّة في شيء، ولجأت قيادة الحزب إلى اعتماد تعيين فروع الحزب تعييناً بدلا من الإنتخاب الذي كان يكشف، بنتائجه هذا المرض الخطير، فلم يكن الميزان الكفاءة، والصّدقية البعثيّة، بل المعرفة الشخصيّة، والاستزلام، وانعكس هذا بنتائج تهدّد بُنية التنظيم من الداخل، وكان ترفيع الأعضاء من "أنصار" إلى "أعضاء عاملين" يخضع آليّا لتلك الميول المُستبطّنة، وانعكس هذا على مُجمل النقابات والتنظيمات الأخرى التي يقودها الحزب، ولقد ارتفعتْ بعض الأصوات الأصيلة، من داخل التّنظيم، ومن خارجه، وأشاروا إلى هذا الخَلل وخطورته، في بعض المؤتمرات، وعبر العلاقات الشخصيّة بأناس مهمّين في الدّولة والحزب، ولم يكن حال "الجبهة الوطنيّة التقدّمية" التي تشكّلت بعد 1970، والتي ضمّت معظم الطيف النّاصري، والشيوعيّين،.. لم يكن حالها أفضل، حتى لكأن ما كان يُشكى منه في الحزب هو ظاهرة تحتاج لدراسات مُعمّقة، وإعادة نظر مسؤولة وجادّة، وكانت الملاحقة الأمنيّة تكاد تكون وقْفاً على بعض الشّرازم اليساريّة الماركسيّة، والتي لم تكن تشكّل أيّ خطر، وإنْ كانت تُزعج، وتُبالغ في طفولتها اليساريّة،
لعلّ أبرز مِثال يمكن تقديمه على الاختراقات التي أصلبت جسد الحزب، وعلى التسلّلات المدروسة بعناية كان ما ارتكبه النّقيب إبراهيم اليوسف، في مدرسة المدفعيّة بحلب، فقد كان مدرِّبا في هذه المدرسة، وهو عضو عامل في الحزب، وقد أُخذ إلى الكليّة العسكريّة على هذا الأساس، ففي أَوْج هجمة الأخوان، في تلك الفترة، وفي 16 حزيران من عام 1979، أقدم على فرْز عناصر الدّورة، وعزل العلويّين عن الآخرين في أحد المهاجع في الكليّة، وبالتّعاون مع جماعة له بدأوا بإلقاء القنابل اليدويّة عليهم، ثمّ فتحوا الأبواب وحصدوهم بالرّصاص، والذي لم يمت منهم أصيب إصابات تُقعده عن أيّ عمل، وبلغ عددهم قرابة ثلاثمئة طالب من أبناء تلك الكليّة،
* مظهَر آخر من مظاهر الغفلة، أو التّغافل لدى البعض، رافقتْ تلك المرحلة، وهي إهمال شأن التّعليم بعامّة، لاسيّما الابتدائي، فقبل ثورة الثامن من آذار 1963 كان معظم المعلّمين إمّا بعثيّين، أو من أنصار مباديء البعث: "الوحدة، والحريّة، والإشتراكيّة"، ويرى البعض أنّ ذلك هو الذي هيّأَ لتأهيل أجيال قامت بتلك الثورة، أمّا الآن فمعظم المعلّمين غير بعثيّينن وأوضاع المعلّمين يُرثى لها، حتى أنّ بعض الشيوخ أفتى بأنّ (الزّكاة) تجوز ل(المعلّم)، وبدأت تظهَر في هذا القطاع ظواهر تدلّ على أنّ ثمّة مَذْهبة معيّنة قد تغلغلتْ في تلك الأوساط، وهي المدرسة الوهّابيّة، لاسيّما في بعض مناطق الأرياف التي كانت تشكّل قلاعاً للبعث، وغفِل الغافلون، وتغافل المتعاطفون، ورُفعت الأصوات ولكنّ القيادات مشغولة بترتيب شؤونها، والمحافظة عليها، وساد بين أهل الوعي، والغيرة على البلد أنّ القيادات الدّنيا هي صورة عن القيادات العليا، الباحثة عن تحقيق المكاسب، في ظلّ غياب المحاسبة، وتفشّي الكثير من الأمراض الخطيرة، وبدأ النّاس يتداولون النّكات المعبّرة عن تلك الأوضاع، وأسوق هنا حادثة، ليست تركيبا، وقد رواها لي الصديق الشاعر مروان الخاطر، فقال إنّ أحد أبناء عمومته في "البوكمال" كان راعياً للغنم، وانتسب للحزب، واقترب موعد الإنتخابات، والذين يحشدون (أزلامهم) لانتخابهم جاهزون، وهم يريدون ترفيع عدد من (الأنصار) إلى العضويّة العاملة، لكي يكون لهم حقّ الإنتخاب، فأرسلوا خلْف هذا الراعي، وهو (نصير)، وأخضعوه أمام لجنة من ترتيبهم لفحص شكلي لجعْله عضوا عاملا، فقال له الفاحص:
"لنْ نثقّل عليك الأسئلة، سؤال واحد، عدّد لنا أهداف الحزب"
توقّف الرّجل وهو لا يعرف شيئا من هذا كلّه، فقال ببراءة الرّاعي البسيط، وبلهجته البدويّة: "والله آني، الذي أعرفه، قبل أنْ أطلع على البريّة، ما كان عنده أهداف، إذا بعد ما رحت صار عنده أهداف.. والله.. ماأدري"!
ورغم ذلك رُفِّع إلى العضويّة العاملة من أجل أن يكون صوتاً مضموناً لمن أرسل خلْفه،