كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حول فائض البطالة في القطاع العام

د. مضر بركات

فائض العمالة في مؤسسات القطاع العام مشكلة حقيقية لا بد من حلها، لكن ليس بهذه الطريقة التعسفية البشعة التى تقوم بها حكومة الأمر الواقع، بإلقاء الموظفين في الشارع بلا راتب، علماً أن أكثرهم ليس لديه مصدر دخل آخر، وهم جميعاً الآن جائعون لأنهم لا يملكون ثمن خبز لعائلاتهم، وأكثرهم مشردون لأنهم لم يستطيعوا دفع أجور المنازل التي كانت تؤويهم..، وبالتأكيد المصيبة الآن لا تقف عند هؤلاء فهم ليسوا الجائعين أو المشردين الوحيدين، فهناك مئات الآلاف من العسكريين وعائلاتهم الذين نكبتهم هذه الحكومة عندما فرضت حل الجيش، فبات جميع العسكريين السوريين بلا راتب وأكثرهم بلا مأوى، ولعل أقسى الأذى هو ما تعرضت له عائلات حوالي عشرة آلاف عسكري وضابط باتوا في عداد المفقودين أو ما يزالون مغيبين في سجون النظام الجديد، الذي يبدو كأنه يريد تأكيد تفوقه على النظام الساقط في القمع والاستبداد، مراهناً ربما على إمكانية ضبط الأمور ومتجاهلاً أن ذلك مستحيل وأن أي نظام يمارس هذا القمع إنما هو يحفر قبره بيديه، فالجوع كافر والظلم كافر، والجوع والظلم قنبلة موقوتة لا يمكن نزع فتيلها إلا بتلبية حاجة المواطنين وحجب الظلم عنهم..!!

نعود للحديث عن الفائض في العمالة، والترهل الإداري والوظيفي في مؤسسات القطاع العام، بالتأكيد على أنه نتيجة طبيعية لسوء التخطيط ورداءة التدبير الذي ترافق مع نظام استيعاب البطالة الذي اخترعه الخبيث المقبور حافظ الأسد في السبعينات، حيث كان الهدف منه إعطاء رواتب للعاطلين عن العمل من خلال توظيفهم رسمياً، حتى لو لم يقوموا في الواقع بأي عمل في الوظيفة، وذلك بديلاً عن منحهم معونات البطالة المعمول به في العديد من الدول..، هذه الفكرة (الخبيثة) قامت في الأساس على أن المكتب الذي يحتاج مثلاً إلى موظف واحد براتب عشرة آلاف ليرة مثلاً للقيام بمهام هذا المكتب بكفاءة مثالية، يتم توظيف ثلاثة أشخاص معه في هذا المكتب مثلاً، ويتم توزيع ميزانية هذا المكتب (العشرة آلاف ليرة) على الأربع موظفين.. وقد عُرف هذا المشروع حينذاك باسم (البطالة المقنّعة)..
في الواقع، من الناحية الاقتصادية وبعيداً عن خباثتها السياسية، كانت تلك الفكرة معقولة جداً في السبعينات نظراً لضعف الإمكانات الاقتصادية للدولة حينذاك، وكادت أن تكون حلاً ممتازاً لو أحسنت الدولة تدبيرها بالعمل على تصنيف طاقات وكفاءات العاملين واستثمارها بشكل علمي في إطار خطة لتطوير مؤسسات القطاع العام وتحويلها إلى مؤسسات ربحية حقيقية، لكن للأسف اكتفت الدولة باحتواء (العاطلين عن العمل) و(زَربِهم) في حظائر التوظيف كما لو أن الهدف كان فقط توظيفهم كي لا تضطر لمنحهم معونة بطالة وتركهم صايعين في الشوارع كما في أوروبا مثلاً..، ورغم ذلك لا يجوز إنكار الإيجابيات الاجتماعية لهذه الفكرة على قلّتها، فقد أدت لتخفيف الكثير من أعباء البطالة وسلبياتها المباشرة على المجتمع، ورفعت مستوى الشعور بالأمان إلى جانب مجانية التعليم والصحة وغير ذلك..
ولمنع عودة تلك (البطالة المستوعبة) إلى الشارع أصدر حافظ الأسد (قانون العاملين الموحد) الذي قضى بمنع فصل العاملين إلا لأسباب جنائية، مما أدى إلى انكفاء نظام المحاسبة الوظيفية الذي بدوره أدى إلى حالة غير مسبوقة من سوء إدارة الموارد البشرية في عموم مؤسسات الدولة، حيث ساوى ذلك القانون بين الموظف المنتج والموظف المتسيّب، وانعكس ذلك بكل سلبياته على نظام الترفيعات الوظيفية، مما سمح بوصول المتسيّبين وعديمي الخبرة إلى مناصب الإدارة الأولى..، وطبعاً عدم كفاءة هؤلاء دفعتهم إلى إبعاد الموظفين الأكفّاء المنافسين، وتقريب أمثالهم من قليلي الكفاءة مما جعل الولاءات الشخصية هي المعيار بدلاً من الكفاءة المهنية أو الكفاءة الإنتاجية، فتفاقمت مشكلات التردي الإداري، وضعف الإنتاج، وانهيار القدرات المؤسساتية..
أما من ناحية خباثة حافظ الأسد وهدفه الجوهري من هذه الفكرة، فهو بكل صفاقة، ورغم معرفته بأن قطاع الزراعة هو العمود الفقري للاقتصاد السوري بدليل صورة الفلاحة التي تجني القطن والتي كانت مطبوعة على ورقة المائة ليرة سورية في الستينات حين كان راتب المدرس حوالي ثلاثمائة ليرة، رغم ذلك وبدل أن يقدم الدعم للناس ويشجعهم على الزراعة والعمل في الإنتاج الزراعي والصناعات المتعلقة بالزراعة، وخصوصاً العلويين بحكم أن غالبيتهم فلاحين، فقد شجع السوريين (خصوصاً العلويين تحديداً) على ترك أعمالهم الزراعية والانتقال من الريف إلى المدينة للعمل في تلك الوظائف الحكومية الوهمية التي اصطنعها لهم، أو للتطوع في قوى الجيش والأفرع الأمنية، والهدف من ذلك ببساطة هو وضعهم جميعاً تحت رحمة سلطته بشكل مباشر بحيث تكون مؤسسات سلطته المدنية والعسكرية هي مورد رزقهم الوحيد، وقد زين لهم تلك الوظائف بميزات جذابة كالتعويض العائلي والعديد من الخدمات المجانية كما ذكرت أعلاه كالتعليم والصحة الخخ، الأمر الذي دفع أولئك الفقراء للإدمان على الوظيفة ونسيان أراضيهم الزراعية، بل إن الكثيرين منهم باعوا تلك الأراضي من أجل شراء مساكن مزرية وبائسة في عشوائيات دمشق وغيرها من المدن، لكنها قريبة من وظائفهم..، وبالتالي ربط حافظ الأسد مصيرهم بمصيره، وانساقوا هم لهذا المصير بسذاجة وغباء..، وهذا ما تتهمهم به وتتصرف على أساسه اليوم حكومة الأمر الواقع، التي تعتبر هؤلاء الناس (خصوصاً العلويين) فلولاً للنظام فتصب عليهم جام غضبها وحقدها بطريقة ظالمة وتعسُّفٍ ممنهج، متذرعةً تارةً بملاحقة فلول النظام الساقط وتارةً بالتخلص من العمالة الفائضة عملاً بضرورات الإصلاح الإداري، متجاهلةً انها تدفعهم إلى حافة اليأس وخيار المواجهة بعد أن جعلتهم بلا مصدر دخل وبلا مأوى..
وفي الحديث عن النتائج السلبية لتلك الفكرة التي نفذها المقبور حافظ الأسد واستعبد بها نسبة كبيرة من بسطاء السوريين، فقد أدى تطبيق فكرة هذه الوظائف الخلّبية للعاطلين عن العمل، إلى انتشار ثقافة بشعة تمثلت في انعدام الشعور بالمسؤولية لدى جميع الموظفين، حيث كان أي ثلاثة موظفين من أولئك الأربعة (الذين ذكرتهم في المثال أعلاه) يستطيعون أن يقضوا ساعات الدوام في الثرثرة وشرب الشاي وقرقعة المتة، بينما الموظف الرابع يقوم بعمل المكتب كله، ببساطة لأن سوء الأداء لم يكن يعتبر سبباً كافياً للفصل من العمل حسب قانون العاملين الموحد سيء الذكر.. مما أدى إلى انتشار الشعور بعدم المسؤولية الذي طغى على الجميع، وبشكل طبيعي انعكس هذا على الأداء العام في المؤسسات نتيجة لانهيار هذا الشعور بالمسؤولية، مما أدى إلى ضعف الإنتاج ووقوع المؤسسات في عجز إداري نتيجة انعدام المحاسبة، الأمر الذي أدى بالنتيجة إلى عجز اقتصادي في مؤسسات القطاع العام وشرع الأبواب أمام كل سرسري وكل دردري وكل حرامي للحديث عن ضرورة وأهمية الخصخصة لتحقيق هدف معلن وهو التخلص من أعباء هذا القطاع العام بينما الهدف الحقيقي هو قوننة نهب البلد لصالح المتنفذين..، وبشكل طبيعي مع هذا التردي الاقتصادي تحولت بيئة العمل إلى بيئة خصبة لانتشار الفساد والإفساد الذي شارك فيه الجميع دون استثناء، بلا رقيب ولا حسيب بعد تعطيل قوانين المحاسبة وتفعيلها فقط لخدمة أهداف السلطة والمتنفذين..
ختاماً.. ليس كل الذين يتم تسريحهم عمالة فائضة، والعلويون هم مواطنون سوريون وليسوا فلول النظام الساقط.. فابحثوا عن الفلول الحقيقيين وحاكموهم وسوف يصفق لكم الجميع.. وإذا لم تستطيعوا ضرب الحمار ، حتماً ليس من العدل والمنطق أن تضربوا البردعة..
فهل هناك من يسمع ويقرأ فيتّعظ..!!