813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المثقفون ليسوا ملائكة ولا شياطين!

حسن م. يوسف- خاص فينكس

من النتائج المؤلمة للحرب التي تشنها الفاشية العالمية على دولتنا السورية انكسار صورة المثقف وتدهور مصداقيته في المجتمع، إذ بات الطويل والقصير والزمك والنصف دكة، لا يفوت مناسبة دون التطاول على المثقفين كما لو أنهم أصل الداء وسبب البلاء!

والمضحك المبكي أن إلغاء المثقفين وتحطيم مصداقيتهم بل وتخوينهم، أمر يجري من قبل كل الأطراف المتصارعة، والآن، ونحن على بوابة العام الحادي عشر من الصراع يمكننا القول إن الدولة وما يسمى بالمعارضة متفقتان على شيء واحد وحيد هو "خيانة المثقفين". فالذين يعرفون والذين لا يعرفون، هنا وهناك، يحمِّلون (المثقفين) مسؤولية حالة الاستعصاء التي صرنا إليها، كما لو أن المثقفين طبقة متجانسة من (الشخصيات الخارقة!) التي  يجدر بها أن تحل محل المجتمع وأن تقوم، نيابة عنه، بحل مشاكله، والتصدي للتحديات التي يواجهها، جاهلين أو متجاهلين أن المثقفين هم شريحة من الشعب فيهم الوطني والفهيم وفيهم الانتهازي واللئيم، فيهم العميق وفيهم الضحل، ولا يجوز الحكم على أدائهم كما لو أنهم متماثلون متطابقون ومتكافلون متضامنون.

المؤسف في الأمر هو أن من يروجون هذا التصور الساذج المفرط في عاميته وابتذاله ليسوا من البسطاء، بل إن بعضهم يطلون علينا من شبابيك الثقافة العالية، غير أنهم يستسهلون إطلاق الأحكام والكلام العام، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير.  والحق أن هؤلاء يذكرونني بنكتة من أضاع شيئاً ثميناً فراح يبحث عنه تحت مصباح الشارع، ولما سئل لماذا يبحث عما فقده بعيداً عن المكان الذي أضاعه فيه، قال: لأن المكان هنا مضاء!

لقد سبق لي إن قلت دون مواربة، إن أداء المثقف السوري والعربي كان من الممكن أن يكون أفضل وأشمل وأرقى وأعمق، لكن لمثقف ابن مجتمعه والمجتمع فيه الجيد والرديء، لذا فإن اتهام جميع المثقفين بالتقصير، دون غيرهم من فئات المجتمع، فيه ظلم كبير للمثقف أولاً وللحقيقة أولاً وأخيراً. صحيح أن بعض المثقفين العرب باعوا أنفسهم ووضعوا ثقافتهم في خدمة من يدفع أكثر، مثل بعض السياسيين وبعض رجال الأعمال، لكن بعضاً آخر من هؤلاء أدوا الأدوار المناطة بهم، وقاموا بواجباتهم على أكمل وجه، واسمحوا لي فيما تبقى من هذا المقال أن أحدثكم عن مثقفين عرب نبهوا أمتهم إلى الأخطار المحدقة بها وكانوا نعم الناصح الأمين لشعبهم.  

في عام 1904، أي قبل ولادة الكيان الصهيوني بحوالي نصف قرن، نبه المفكر اللبناني نجيب عازوري في كتابه "الخطر اليهودي العالمي" إلى الخطر الصهيوني الذي كان يتشكل في فلسطين ورأى في وحدة العرب سبيلاً للتصدي لذلك الخطر وأطلق نبوءة أثبت التاريخ عمقها وصوابها إذ قال: "ظاهرتان هامتان لهما نفس الطبيعة بيد أنهما متعارضتان، لم تجذبا انتباه أحد حتى الآن تتوضحان في تركيا الآسيوية، أعني: يقظة الأمة العربية وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل، مصير هاتين الحركتين أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى  وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع يتعلق مصير العالم بأجمعه" .

وقبل إعلان ولادة الكيان الصهيوني، قام مثقفان سوريان هما بشير كعدان وشفيق شالاتي بزيارة لفلسطين ووضعا كتاباً بعنوان "هؤلاء الصهيونيون". صدر عن دار اليقظة العربية بدمشق عام 1946 فنَّدا فيه مزاعم (اليهود) ووصفا ما يجري في فلسطين بأنه: "مشروع استعماري"، فالبريطانيون والأمريكان "يريدون أن يجعلوا من فلسطين مركزاً استراتيجياً ممتازاً للتسلط على البلاد العربية".  والخلاص الوحيد برأيهما يكمن في: "منع تسرب الأرض للصهيونيين، ومقاطعة بضائعهم". 

وفي آخر الكتاب يطلق المؤلفان هذه النبوءة الجارحة: "وإذا توانوا – أي العرب- عن نصرة إخوانهم عرب فلسطين ووقفوا موقف المتفرج، هان أمرهم على جميع الأمم وأصبحوا هدفاً سهلاً لكل طامع"..." وتنهار كل مهابة لهم في نفوس الخلق، ويسري الداء من فلسطين إلى ما جاورها، وإن من لم يستطع إيقاف الظالمين في رقعة صغيرة من الوطن العربي لن يستطيع الصمود أمام جحافل الأمم التي لا تعرف لها في الحياة مذهباً سوى القوة والغلبة".

وفي أواسط ثلاثينات القرن الماضي نشر يوسف إبراهيم يزبك كتابه المهم والمضيء "النفط مستعبد الشعوب" الذي استهله بالصرخة التي أطلقها وزير الحربية البريطاني اللورد فيشر عام 1901: "استعدوا لحرب النفط."  وها نحن منذ ذلك الوقت وحتى الآن نعيش معارك متتالية في حرب واحدة هي حرب النفط.

 لقد أثبت التاريخ صحة ما تنبأ به المثقفون العرب. صحيح أن بعض المثقفين تاجروا بالكلمة، لكن المثقف الوطني العربي لم يخن عروبته ولا وطنه، وقد قال كلمته بالصوت العالي وهو ليس مسؤولاً إذا كنا لم نسمع صرخته وتركناها تتبدد أدراج الرياح!