813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جائزة نوبل المخزية

حسن م. يوسف – فينكس

عندما شاع ارتداء الفيزون في مطلع ثمانينات القرن الماضي قال شخص ظريف لم أعد اذكر اسمه: "فتح الفيزون نافذة على المستقبل للفتيات ذوات الوجوه القبيحة". تذكرت هذا القول وأنا أفكر بجائحة الجوائز الخلبية ودروع التكريم الوهمية التي باتت متفشية في حياتنا الثقافية بعد اختراقها حتى العظم بوسائل التواصل الاجتماعي. فقد فتحت الانترنت نوافذ لا حصر لها لأنصاف وأرباع الشعراء والأدباء كي يفلشوا (إبداعاتهم) على امتداد الوطن العربي.

الوصفة المضمونة التي بتبعها الواحد من هؤلاء كما يلي: عليه أن (يقترض) من الإنترنت أو يفبرك بواسطة الكمبيوتر شهادة تقدير باللغتين العربية والإنجليزية، باسم طنان مثل: "الاتحاد العربي لكذا ومذا" أو "المركز الدولي التخصصي لكيت وكيت" وأن يعطي نفسه صفة (المشرف المؤسس رئيس مجلس الأمناء) لذلك المركز أو الاتحاد، وأن يضع بضعة أسماء وهمية الى جانب اسمه، ثم يرسل نسخاً من هذه الشهادات للقائمين والقاعدين على النشر في مشارق الوطن العربي ومغاربه. وهكذا يضع نفسه في موقع المتفضل عليهم، فإذا ما أرسل لهم قصة أو قصيدة أو مقالاً دون الوسط يكون حظه في النشر أكبر من حظ حنا مينة ونجيب محفوظ معاً.

قبل أيام نشر الصديق الأديب الرائع بيان الصفدي على صفحته في الفيس بوك واقعة يمكن وصفها بالمضحكة المبكية، ونظراً لأن الأستاذ بيان هو ملك البيان، سأورد الواقعة كما كتبها بعد ضغط الفراغات:

"ذات يوم زارني شخص يحاول الشعر بصعوبة بالغة، وأعرفه بشكل عابر، استغربت الزيارة، لكنه فاتحني على الفور: بارك لي. / قلت: مبروك لكن على إيش؟ / قال: لقد فزت بجائزة الشعر العالمية./ قلت كعادتي في هذه المواقف لبلهاء وأدعياء: فعلاً؟ يا إلهي... هذه فرحة كبيرة، أخيراً اعترف العالم بك شاعراً كبيراً. / قال: بس الشباب عبيحكوا ويتمسخروا. / قلت: هذا دائماً يحصل في هذه الحالات... ألف مبروك." / قلت: لكن وين طلع الخبر؟ / قال: ما طلع... أخبروني برسالة من باريس. وأخرج من جيبه الرسالة، وفيها شهادة منحه الجائزة من شخص سوري. قد يحسب البعض أنني أروي طرفة من خيالي. صدقوني ليس هناك كلمة من الخيال.

الحمد لله الآن كثرت مراكز وهيئات التكريم وإطلاق الألقاب: الرسمية والحزبية والفيسبوكية والتجارية والعشائرية والشعبية والشخصية في البلاد العربية كلها، والدليل الفيسبوك والصحف. ربما صار أمثالي بحاجة إلى من يذكرِّ حتى بوجودهم في الساحة."

شيء موجع حقاً أن يعبر مبدع كبير مثل بيان الصفدي عن هذا الواقع المر بكل هذه المرارة، لكنني أود أن أهمس في أذن الصديق بيان، إن هذا الأمر لا يقتصر علينا نحن فقط، فحتى في أمريكا هناك جائزة هزلية تدعى Ig Nobel تُمنح سنويًا منذ عام 1991 للاحتفال بعشرة إنجازات غير عادية أو تافهة في البحث العلمي، وهدفها المعلن هو "تكريم الإنجازات التي تجعل الناس يضحكون أولاً، ثم يفكرون تالياً ".

تم نحت اسم الجائزة من كلمة ignoble الإنجليزية التي تعني: خسيس، مخزٍ أخلاقياً، وقد تم وضع فراغ بعد حرفي IG في مطلع الكلمة لإبراز اسم Nobel أي ألفريد نوبل مخترع الديناميت الذي يشكل الشطر الثاني من الكلمة، بقصد التورية على جائزة نوبل الشهيرة وإلصاق صفة الخزي بها.

يتم تقديم جوائز Ig Nobel من قبل الحائزين على جائزة نوبل في حفل سنوي يقام في مسرح ساندرز بجامعة هارفارد، وتنظم الحفل مجلة الفكاهة العلمية. تم إنشاء Ig Nobel في عام 1991 من قبل مارك أبراهامز، ويتم خلال حفلها السنوي تقديم عشر جوائز تغطي كل فئات جائزة نوبل: فيزياء، كيمياء، طب، أدب، سلام، بالإضافة إلى فئات أخرى مثل الصحة العامة والهندسة وعلم الأحياء والبحوث متعددة التخصصات. وتمنح الجوائز للاكتشافات “التي لا يمكن أو لا ينبغي إعادة إنتاجها". وينتهي الحفل بقذف الطائرات الورقية نحو المسرح وهذا تقليد قديم يتم تكريسه كل عام.

فيا أخي الحبيب بيان هون عليك. صحيح أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق، لكن الثقافة الحقيقة التي تنتجها أنت وأمثالك من الكتاب السوريين المبدعين لا يمكن طردها لأنها لا تعرض في الأسواق أصلاً.