813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شبابنا المظلوم

حسن م. يوسف- فينكس:

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي يوم أمس الثلاثاء بقصة طالبة جامعية كادت تفوت الامتحان بسبب عدم وجود باصات أو ميكرو باصات توصلها من حي الزاهرة الى بناء الجامعة المركزي بالقرب من وكالة سانا للأنباء. سردت الطالبة قصتها المؤلمة بالتفصيل المؤثر ووقعتها باسم "أثلة الخطيب". صحيح أن الاسم قد يكون مستعاراً لكن حتى لو كان كذلك فإن هذا لا يقلل من أهمية القضية التي يثيرها لسان الحال، فمعاناة شعبنا وشبابنا بشكل خاص بلغت حداً ينذر بالخطر.

تقول الطالبة أنها غادرت منزلها باكراً صباح أمس لأنه لديها امتحان. كانت تملك ألف ليرة، وفي ذهنها أن تدفع مئتي ليرة أجرة ميكرو في الذهاب، ومثلها في الإياب، وأن تشتري بالباقي بسكوتة أم القطعتين. لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر. وقفت الطالبة تنتظر على أوتوستراد الزاهرة الجديدة منذ الساعة الثامنة صباحاً، وبعد نصف ساعة من الانتظار لم يمر خلالها أي باص ولا ميكروباص. فكرت أن تعود إلى البيت لكي تحضر أجرة تاكسي، لكن بيتها بعيد نسبياً وقد خشيت أن تتأخر على الامتحان.  تذكرت أن إحدى رفيقاتها تسكن في مكان قريب، فقصدت بيتها وأيقظتها واستدانت منها أربعة آلاف ليرة وفي ظنها أن المبلغ الذي أصبح معها يكفي لأجرة التكسي ويزيد، (فوقفت باعتزاز) وأشارت لسيارة تكسي لكن حسابها لم يكن صائباً هذه المرة أيضاً، إذ طلب السائق سبعة آلاف ليرة. أوقفت سيارة أخرى فطلب السائق الثاني ثمانية آلاف، وبعد أن أوقفت عدة سيارات لم يكن قد بقي على موعد الامتحان سوى عشرة دقائق. أوقفت آخر سيارة فطلب السائق تسعة آلاف، فـصرخت في وجهه باكية: "من أين أجلب لك تسعة آلاف، أريد أن أصل لفحصي، والرسم السنوي للجامعة لا يبلغ تسعة آلاف، وراتب أبي الأسبوعي لا يزيد كثيراً عن التسعة آلاف"!

ومن حلاوة الروح صعدت إلى السيارة وقالت للسائق إنها لا تملك إلا خمسة آلاف، وأنها تطلب منه أن يوصلها لفحصها". تعاطف السائق مع الشابة، فأوصلها الى الجامعة، وعندما أعطته الخمسة آلاف طلبت منه أن يعيد لها مئتي ليرة أجرة ميكرو العودة إلى البيت بعد الامتحان، ففعل.

وصلت الطالبة إلى قاعة الامتحان متأخرة لمدة عشر دقائق، لكن دموعها وعرقها واحمرار وجهها تشفعوا لها لدى المراقبة فسمحت لها بالدخول وتقديم الامتحان.

في ختام لسان حالها الموجع تشكر الطالبة سائق التكسي ومراقبة الامتحان وتستنكر رفع الأسعار الأخيرة وتقول إن القصة التي جرت معها هي قصة مئة ألف طالب في جامعة دمشق، وهي قصة جيل، وتختم لسان حالها بقولها إن "كل دمعة قلق وخوف نزلت اليوم من عين طالب ستقاضي المتسببين بها أمام رب العالمين.".

لست خبيراً بالاقتصاد، لكنني رغم ذلك أجد أنه من واجبي القول إنه من غير المعقول ولا المنطقي، حل مشاكل الاقتصاد على حساب الشباب والناس العاديين، الذين دافعوا عن الدولة وحموها، في حين يترك الحبل على الغارب للتجار والأغنياء الجدد والفاسدين!

يقول مبدع ألمانيا الأكبر فولفغانغ غوته "إن مصير كل أمة يتوقف على شبابها " وبلدنا يصنف بين البلدان الشابة وفق المقاييس العالمية، نظراً لأن الشباب يشكلون فيه الأغلبية. فنسبة النمو السكاني التي تقارب الصفر في اليابان، تصل عندنا الى 2,4 بالمئة. لكن الشباب في بلدنا، مع الأسف، يشكلون أغلبية ساحقة من حيث العدد فقط، في حين أنهم يشكلون أغلبية مسحوقة من حيث الفرص والإمكانيات المرصودة لهم والموضوعة في تصرفهم!

لقد سبق لي أن أعلنت مراراً أنني أومن بالشباب وأفتخر بهم. وهذه حقيقة لم أخفها يوماً ولم يراودني أي شك بصحتها أبداَ. أومن بالشباب السوري وأعتقد عميقاً في قلبي أنهم الضمانة الأساسية لحقوق شعبنا، والتحرير الأكيد لأرضنا المحتلة.  أومن بالشباب السوري وأعتقد برسوخ أنهم الشريحة المؤهلة لحل كل مشاكل مجتمعنا المستعصية، وأية محاولة لتصويرهم خلاف ذلك، تصب في خدمة القوى التي تريد تحويلنا الى ورم في جسد التاريخ، تمهيداً لاستئصالنا منه.

أومن عميقاً في قلبي أن الشباب معدٍ، وأنا أحرص على أن أتعلم من الشباب باستمرار، حتى عندما أقف أمامهم في موقع المعلم. والحق أقول لكم إن اختلاطي بالشباب يجعلني أشعر بالاطمئنان على المستقبل، فشباب سورية يملكون طاقات هائلة يمكننا تفجيرها بأن نعطيهم حقوقهم ونهيئ لهم الفرصة كي يطيروا بنا الى المستقبل!