813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الحكيم عبد الرحمن هلال

حسن م. يوسف - فينكس:

مرت في الأيام الماضية الذكرى الأربعون لاستشهاد الصديق طبيب الأعصاب الدكتور عبد الرحمن هلال إثر اقتحام فريق من الإرهابيين لعيادته في مدينة اللاذقية وقيامهم بإطلاق النار على المرضى في غرفة الانتظار، مما أدى لاستشهاد أربعة مرضى وإصابة عشرة آخرين بجراح، ثم اقتحموا غرفة المعاينة وأمطروها برصاصهم فقتل المريض الذي كان يعاينه الدكتور عبد الرحمن على الفور، أما الدكتور عبد الرحمن فقد أصيب في عدة أماكن من جسده مما أدى لاستشهاده في بلغاريا، التي نقل إليها للعلاج.

وقد كتبت عن الدكتور عبد الرحمن هلال عقب استشهاده مقالاً طويلاً بعنوان: "قراءة في أوراق الشهيد الدكتور عبد الرحمن هلال" قلت في مطلعه: ليست هذه هي المرة الأولى التي يجمع فيها طبيب ما بين الحكمة والشعر، وليست هذه هي المرة الأولى التي يرثي فيها شاعر نفسه، وليست هذه هي المرة الأولى التي يتنبأ فيها شاعر بمصرعه، وليست هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها ولادة شاعر بعد استشهاده... لكنني أعتقد أنها المرة الأولى في تاريخ الشعر التي تقع فيها كل هذه الأحداث دفعة واحدة لشخص واحد.

بعد تخرجه كطبيب أعصاب مختص من جامعة صوفيا، عاد الدكتور عبد الرحمن الى أرض الوطن وافتتح عيادة في اللاذقية، فذاع صيته كطبيب –إنسان. كانت الفاشية الظلامية آنذاك تستهدف العقول البارزة، ونظراً لتألق الطبيب عبد الرحمن وانتشار صيته في المدينة وخارجها، فقد تلقى تهديدات بالقتل. ونزولاً عند رغبة زوجته البلغارية سافر معها الى صوفيا. وقد قال في رسالة كتبها لأخيه عبد الحميد: "...وهكذا يا صديقي وأخي وبكلمة وجيزة: لم أهجر سورية أو اللاذقية بسبب أنانية، أو خوف أو كره بالأهل والناس. وإنني أتمنى بل سأعمل على أن تكون هذه الهجرة قصيرة مؤقتة، كما أنني لن أقبل بالرضوخ سلوكاً ولا الاستسلام طريقاً...".

في صوفيا عاش الدكتور عبد الرحمن هلال صراعاً حاداً عبر عنه في الرسائل التي كتبها لأصدقائه ولأخوته. وقد قال في واحدة من تلك الرسائل:

"قرأت مرة جملة تقول "إن الفراق بالنسبة للحب كما الريح بالنسبة للنار، فهي تطفئ الحب الصغير وتؤجج الحب الكبير" يتهيأ لي أن هذا يصدق كل الصدق بالنسبة لي، فقد نسيت الكثير من المنغصات"..."بيد أن حبي الكبير للإنسان وتعلقي وشغفي به هو سر عذابي وقوتي... هو جوهر ألمي وعزائي وعقوبتي ومكافأتي، يلتهب ويتأجج فيكاد يعصف بي... إن قلبي بعاطفته العاصفة وروحي بزخم وجداناتها الألقة تنزل العقاب بي ليل نهار تجلدني بلا رحمة صباح مساء." وفي رسالة أخرى قال: "إن ما يحز في نفسي ويقطع قلبي ويقلق نومي ويقظتي هو أن لا أكون مفيداً للناس، وأن لا أحمل السعادة والفرح ولو بالنذر اليسير الى قلوب بني البشر".

وفي ختام رسالة أخرى قال: "لقد عزمت على قطع حبل هذا التشرد بكل قوة وصممت على العودة في أقرب وقت تتاح لي الفرصة، فقد أصبحت لا أطيق الغربة... أنا هنا أحيا جواً من السلام والهدوء والناس يحبونني، ولكنني أحمل في نفسي جحيماً ".

كان الدكتور عبد الرحمن هلال يكتب الشعر لنفسه ولا يطلع عليه أحداً سوى أصدقائه المقربين. في إحدى قصائده يقول: "...فأنا القاتل والمقتول والسيف الحرام / وبكائي ونشيجي يوم عرسي/ يوم تأبيني لروحي الضائعة/ لم تعد أحسن حالاً من قتيل / من ترى شاهد حزني وأساي غير نفسي؟ / من ترى قد قدَّر ما بي من عذاب وهيام وألم غير نفسي؟ / فأنا الطير الجريح، وأنا الجرح الصريح".

وفي قصيدة عنوانها بلادي يقول: "يا ربة الحسن لا مرت بك المحن/ ولا أصابك مكروه ولا ضرر/ أفديك روحي وأحلامي ورقتها/ والقلب كبش فداء عنك والبصر / أهواك بحراً وأنهاراً ويابسة / أهواك ما انسكب الشلال والمطر / يا عزة الشرق والأمجاد ساطعة/ أنت الكرامة أنت النار والقدر/.

لقد كتب الدكتور عبد الرحمن هلال قصيدة بعنوان "الشهيد" وطلب أن تحفر على قبره، لكنه كتب بدمه قصيدة أخرى ستظل محفورة في قلوب كل من عرفوه.

أقر وأعترف أن طبيب الأعصاب الشهيد عبد الرحمن هلال كان ولا يزال قدوة لي وهو في قلبي أكثر حياة من غالبية الأحياء الذين يتحركون حولي.

مرة كنت أنتظره عند الممرضة لنخرج ونتناول طعام الغداء معاً، لاحظت أن المرضى يدخلون إليه ذابلين ويخرجون نشطاء منتعشين، وعندما كاشفته بهذه الملاحظة قال لي: "أكثر مرضى الأعصاب في بلادنا يحتاجون الاحترام أكثر من الدواء.".