"ما بدي اسمع لا تقولولي"
2023.05.24
أحمد حسن- فينكس:
في عددها الصادر يوم 22 آيار 2023 نشرت صحيفة البعث مادة للصحفية "ريم ربيع" تحت عنوان "هفوات صغيرة" فنّدت فيه ما جرى في اجتماع رئيس الحكومة مع مجلس اتحاد نقابات العمال، وربما كان أخطر ما في هذا المقال أن رئيس الحكومة "كشف – بقصد أو بغير قصد – عن فجوة كبيرة بين ما يعرفه من أسعار، وما يسجّل على أرض الواقع"، كما أوردت الصحيفة حرفياً، بل وبدا، وفقاً للصحيفة أيضاً، "رافضاً للامتثال للواقع" ولا يريد معرفته وهو ما تمثّل بردّه على العمال الذين أردوا تصحيح ما ذكره حول بعض الأسعار، مثل أقساط المدارس الخاصة وسعر السكر، قائلاً: "ما بدي اسمع لا تقولولي".
والحال فإن ذلك مؤشر خطر بكل المقاييس، فإذا كان "عدم العلم" ليس عيباً بحد ذاته بقدر ما هو تقصير يمكن تداركه على أي حال، إلا أن الخطورة تتمثّل في أن المسؤول الحكومي الأرفع لا يريد، وكما أوردت الصحيفة، أن يسمع بالأسعار الحقيقية، وهنا المعضلة الكبرى فكيف سيصدر الذي لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، قراراً صائباً في أي قضية وكيف إذا كانت قضايا حياتية مؤثرة على معيشة، وصمود، ملايين الأسر من السوريين.
وبالطبع فإن الأمر لا يتوقف على هذه النقطة، على خطورتها، ولا يطرح فقط أسئلة، محقة، حول صواب التعامل الحكومي مع القضايا المعيشية بل إنه يطرح أيضاً سؤالاً هاماً حول حسن تعامل الحكومة مع قضية توقيت إصدار القرارات الكبرى ذات الانعكاس السلبي المباشر على حياة الناس، مثل قرار رفع سعر مادتي البنزين والغاز الأخير، وهو قرار سينعكس مباشرة ارتفاعاً جديداً في أسعار عشرات السلع والخدمات الأخرى، فإذا كان كانت الحكومة تملك تبريراً "مقنعاً" لتوقيت إصداره الليلي، فإن توقيت إصدار هذه الزيادة الأخيرة لم يكن مناسباً أبداً بعد سويعات معدودة على انتهاء "قمة جدة" التي حملت -بمشاركة سورية فيها- آمالاً جديدة للسوريين بانفراج اقتصادي تحديداً، لتأتي هذه الزيادة وما سيليها -الكهرباء مثلاً- بمثابة ضربة مباشرة لهذه الآمال لم ولن يفد في استعادتها كل ذلك الكلام المنمق الذي يلي كل اجتماع اسبوعي لمجلس الوزراء والذي يخرج على المواطنين ببيانات مكرّرة معادة شديدة النمطية وعديمة الفائدة بل ومعاكسة أحياناً فكلما شدّد على مكافحة الفساد مثلاً توسّع هذا الأخير وتجذّر فاجراً، وكلما تحدث عن حل لمشكلة قطاع اقتصادي ما تجذّرت أزمته وتعمقت، حتى أن المواطن أصبح يضع يده على قلبه، وجيبه، كلما قرأ في البيان أن الحكومة "ستعمل على إعادة توزيع الدخل لمصلحة أصحاب الدخول المحدودة، نظراً للتراجع الكبير في القدرة الشرائية"، لأن ما سيليه أصبح حكماً زيادة في أسعار سلع عديدة وانخفاض جديد في الرواتب والأجور وبالتالي في القدرة الشرائية التي تعمل الحكومة على رفعها كما تقول!
وبالطبع لن نتجاهل أبداً في رؤيتنا هذه للمصاعب التي تواجه الحكومة والبلاد دور الحصار الاقتصادي الخارجي في هذه الضائقة الكبرى، لأن تجاهلها إنكار للحقائق الدامغة، لكننا لا نستطيع أيضاً تجاهل الفشل البيّن في مواجهتها والتقليل من انعكاساتها السلبية على المواطن، وذلك دور الحكومة الأول والوحيد، وإذا لم تقم به كما يجب فعلى الأقل من حق هذا المواطن أن يقول -مجرد قول لا أكثر- وبلسان سوري فصيح: "لا تقولولي هاد مو شغل بنوب".