كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حافظ الأسد..الرجل الذي أجَّل رحلة التاريخ!

محمد الوزيري- المغرب- فينكس: 
ًليت شعري هل عبث الزمان بحرف القصيد في قريحتي؟ أم سال مداد الأمير في صحراء الجهال، لا سقى فكرة فتزهر كتاباً، ولا خط بيتا فيكبر شعرا!
إن امتلاك ناصية اللغة لا يجعل العقل -ضرورة- ينظم ما شاءت ربة الشعر أن ينظم من الشعر، أو من الوجدان بحراً مغرقاً بالخواطر.. فها أنذا -منذ عام و نيف- أسرح بالنظر مع التاريخ و سلاسله دون أن ينبس القلم ببنت كلمة! لأن المصير محتوم، و الخطة محكمة، و الأهداف مسطرة مسبقاً.
و لكن اليوم أبيت إلّا أن أقول كلمة ليس لأنها تستحق أن تقال، و لكن لأن الذكرى تكاد توشك أن تصطدم بواقع مضى، و قادم حي محال أن يمضي!.. ذكرى رحيل رجل الأمة، الرجل الذي أجّل رحلة التاريخ  لأربعين سنة، فزمجر التاريخ و كشر و اهتز و أزبد و أرعد ليمضي، و لكن حافظ الأسد ظل واقفاً بصدر عار و وحيد أمام جحافله العاتية هاتفاً "لن تمروا، لن تمروا، و إن مررتم.. فعلى جثثنا"! 
فهل مرّ التاريخ؟! 
لست بصدد سرد وقائع التاريخ، إذ الكتب مليئة بخدوشها، و الأرشيف مكدس بصورها. و لكن كلمتي للعبرة و ضبط المقصد، و تصحيح النظر لفهم منحى السلسلة. 
ألم يكن العالم متجهاً في سبعينات القرن الماضي إلى توديع حقبة تعدد الأقطاب برحيل جمال عبد الناصر و مجيء السادات؟ و رحيل ليونيد بريجينيف و مجيء السلطات المتعاقبة المؤدية إلى انهيار الاتحاد؟ و اشتعال سبعة حروب في العالم أطولها دامت لأكثر من عشر سنوات، و تبعاتها لعشرين عام تلت؟! و بلوغ حرب الأقطاب مداها و تسعير حرب المحروقات؟! 
من عمق أمواج هذا المخاض العسير تفتقت زهرة البعث العربي الجديد بالقيادة الرشيدة للزعيم -خالد الذكر- حافظ الأسد، و بمبدأ ثورة التصحيح و التحرير الشعبية انطلق مشروع التحول من الركون إلى المنافحة، و من المهادنة إلى المقاومة، و من التخلف إلى النهضة، و من الصبيانية إلى الديالكتيك الثوري. 
لقد استلم الأسد السلطة في الوقت الذي أعلن فيه العدو الصهيوني بداية التنزيل الحقيقي لمشروعه التلمودي، و ذلك بالتوسع شرقاً و جنوباً و شمالاً و غرباً، ففتح الصراع على جميع الجبهات مع اختلاف المناهج. و كان أقساها دخوله إلى لبنان. 
لقد كان على حافظ الأسد أن يكمل حرب الاستنزاف، و يواجه عملاء ما بعد عبد الناصر، و مشروع ما بعد عبد الناصر، و تحرير لبنان، و إعادة بناء الجبهة الجنوبية في فلسطين، و إنشاء شريان الامتداد للمقاومة في لبنان، و تتبع ثورة التحرر الوطني في إيران، و الإعداد لحرب رمضان-تشرين المجيدة، و كسر منحى الهيمنة الكلية للعدو على مقدرات الشعب العربي عبر ضرب القيادات القومية... 
لقد كان الخط -خط العدو- مستقيماً، بينما كان خط العروبة تائهاً بفقدان الزعيم. خط العدو مضى إلى تسريع وتيرة تنفيذ مشروعه، بينما انكمش خط العروبة حينها و انكفأ على نفسه يعدد ساعات المضي إلى النهاية. فجاء حافظ الأسد فأعاد الحياة لهذا الخط و ضخ دماء الثورة الشعبية في شرايينه ليكون الضوء الذي تستنير به الأجيال اللاحقة و التي تليها. 
عندما قام حافظ الأسد بثورة التصحيح عام 1970 تبعثرت أوراق العدو الذي كان رابضاً على تخوم قلعة العروبة الأخيرة و قلبها النابض، تباطأت عجلة التاريخ الذي كان سيدون بين دفات كتابه أن حلم هيرتزل "سامراء-وادي النيل" قد بزغ فجره بتيه بوصلة البعث في سوريا..
و عندما انطلقت النار من فوهة بندقية العرين في حرب رمضان-تشرين المقدسة عام 1973، معلنة حرب التحرير الشعبية في وجه الاحتلال و ثأراً لنكسة الستة أيام، توقفت عجلته، فأضحى بلا حراك، فقام يسارع الزمن باستدراك الضائعات بفتح جبهة هنا و هناك.
و عندما دخل الجيش العربي السوري إلى لبنان لمواجهة المد الاحتلالي التلمودي المختمر بوشاح الحرب الأهلية عام 1976، معلناً سمو مبدأ وحدة المصير، فقد تكسّرت العجلة هنا فأمست بلا هيكل.
و عندما اندلعت معركة رد الاعتبار و كفكفة التشتت عام 1982، فقد تم احتجاز العجلة، لأن فكرة موت المقاومة العربية المشتركة هي نفسها ماتت. 
و عندما انتقل عش المقاومة الفلسطينية إلى حاضنة دمشق منذ منذ التسعينات، معلنة ميلاد خط جديد من خطوط النزال، فالعجلة فسدت و لم يعد يجدي إصلاحها.
و عندما تبددت أحلام بيل كلنتون في جنيف عام 2000 بالحصول على تنازل بسيط من الأسد يعتبره جائزة كبرى يجتاز بها امتحان الانتخابات و نسيان فضيحة "لوينسكي"، هنا وقف التاريخ و ألقى خطاباً قصيراً مفاده أن العجلة مفقودة، و إرجاعها محال. 
إن العقبة الوحيدة التي كانت أمام تقدم جحافل الاحتلال لإكمال قضم المنطقة المخطوطة في كراسة "هيرتزل" هي سوريا بمبادئها الصلبة التي لا تخضع إلى أي ظروف. و قالها بيل كلنتون عندما كان يعرض على حافظ الأسد خريطة جديدة حول إعادة ترسيم حدود ما بعد 1967.."لقد كنت أكلم حجراً"..! 
هذا الحجر أو الصخر الذي أبى أن يتزحزح -مفسرا ثباته بالقول "أن أترك لأبنائي قضية يناضلوا من أجلها، خير من أن أورثهم سلاماً مذلاً"- هو الذي جعل قواعد اللعبة تتغير في جذرها. 
لأن التاريخ كان قبله يتحرك بسرعة الضوء من أجل أن يعلن ميلاد "شرق كوندوليزارايس الجديد" فتم إقباره قبل أربعة أشهر من رحيل الأسد و تم كنسه إلى المحيط بخروج المحتل من الجنوب مندحرا عام 2000. 
أليس التوجّه العام حينها كان هو الاتجاه إلى إعلان موت الإرادة العربية الحرة و ميلاد الانبطاح الكلي و الخضوع برحيل وحدة جمال عبد الناصر؟! فلماذا و نحن اليوم على مقربة من 2023 ما زلنا نعاين دبلوماسية الاحتلال تتوسل لإحقاق أغلب بنود ما قبل 1971؟!
لماذا لم يندحر الوعي الشعبي إزاء وجود الاحتلال و حقيقته رغم التردي الممنهج؟! لماذا ما زال يشتغل العدو بخطط ما قبل 1971 من أجل توسيع دائرة وجوده الثقافي؟! لماذا لم تستطع القوى الإمبريالية تطويع الأيديولوجية العروبية المناهضة للاحتلال و التبعية رغم ما أنفقته من أموال و ما سفكت من الدم بافتعال الحروب؟!..
إن السبب الموحد لكل تلك النتائج هو أن رحلة التاريخ تأجلت، لأن عجلة مقدمته مفقودة، و خريطة البحث عنها مدفونة مع جثمان حافظ الأسد، ليس في ورقة، و إنما في ضميره و وجدانه الراحل-الخالد!.. أما شيفرتها فهي (نعم) التي ظلت على مدى تسعة عشر عاماً (لا)، و بقيت (لا)!
و قد بقي التاريخ متوقفاً عند محطة هذه الكلمة لأن رمزها السري مدفون مع صاحبه. و كل ما حدث من تخريب و تقتيل و تشريد و تهميش و حصار و ترهيب و تجويع و تفتيت لسوريا، إنما كان من أجل البحث عن الرمز، و لكنه أضاف عشرين سنة أخرى على الاختفاء و يزيد! لأن النهج ما زال نهج حافظ الأسد..
 
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !
السوريون في أوروبا
ما بين انجازات تمّت.. وانجازات مطلوبة ومنتظرة
"إشكالية العدمية السياسية" ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سورية
لا تظلموا كبارنا.. فهم وحدهم القادرون على حفظ الأمن حين تعجز البنادق!