هل يمكن الخروج من دوامة العجز؟
د. لمياء عاصي- فينكس:
عندما يتجاوز العجز المالي في الموازنة العامة مقدار النمو في الناتج المحلي الإجمالي بكثير، فإن معالجته تكون صعبة للغاية وذات كلفة عالية. والعجز المالي باختصار هو، الفرق بين النفقات العامة والايرادات المتمثلة بالضرائب والرسوم والموارد الأخرى، إن الحكومات في سعيها لمعالجة العجز المالي كثيراً ما تلجأ للاقتراض من المصرف المركزي، مما يدفع بمعدل التضخم للارتفاع، وإذا ترافق العجز المالي بالتضخم، فإنهما يشكلان معاً دوامة اقتصادية، لا يكون الخروج منها سهلاً، ومعها تتآكل القدرة الشرائية للناس مما يزيد الطين بلة.
يعتبر الاقتراض الداخلي والخارجي، أحد أهم الطرق المستخدمة لمعالجة العجز المالي وتأمين السيولة اللازمة للوفاء بالتزامات الدولة المالية، حيث أن الاقتراض الداخلي هو قيام الحكومات بإصدار أذونات أو سندات خزينة، لتقوم البنوك والمؤسسات المالية بشراء تلك السندات في مزادات تنظّم لهذه الغاية، ويجب أن يكون الهدف من الاقتراض الداخلي أو الخارجي هو تمويل مشاريع استثمارية، حتى يكون مفيداً.
الاقتصادي البريطاني (مينارد كينز) له رأي آخر، إذ الأولوية لتخفيض البطالة، فيقول: إذا كان لديك عجز مالي في الموازنة العامة للدولة، فعليك أن تحاول تخفيض معدل البطالة، أما العجز المالي فإنه سيعالج نفسه تلقائياً. وأضاف مثلاً: لو قام عدد من العمال بعمل حفر في مكان ما، وقام عمال آخرون بردم تلك الحفر، وأعطيت رواتب للعمال الذين حفروا ومثلها للذين ردموا تلك الحفرـ فإن ذلك سيعمل على معالجة العجز المالي في موازنة الدولة. قد يبدو هذا الكلام نظرياً وغير قابل للتطبيق، ولكن كينز وعدد كبير من الاقتصاديين يقولون: بأن السياسات المالية التوسعية قادرة على تنمية الطلب الكلي، وتحفيز النمو الاقتصادي في البلاد بما يؤدي الى معالجة العجز المالي في الموازنة العامة، حيث اعتبروا أن التنمية الاقتصادية، هي من أهم الطرق التي يمكن اعتمادها لمعالجة العجز الموازني ولو أنها بحاجة لوقت أطول، كما أن الإنفاق الحكومي على المشاريع الكبرى ولا سيما في البنى التحتية ضروري لتحقيقها، هذه المشاريع من شأنها تخفيض معدلات البطالة ورفع القدرة على الاستهلاك، هذه الطريقة التحفيزية استخدمت كثيراً، في معالجة آثار الأزمات المالية العالمية، وكمثال: ما حصل في 2007- 2008، حيث أصدرت الكثير من الدول، حزم تحفيز مالي لإنفاقها في تعزيز البنى تحتية وتخفيض معدلات البطالة.
في سورية وبعد الحرب عام 2011، تراجعت نسبة تغطية الإيرادات للنفقات العامة في الموازنة العامة للدولة بشكل كبير، وبلغت نسبة العجز المالي حوالي ثلث الموازنة أو أكثر، كذلك حصل انكماش اقتصادي ترافق بمعدل تضخم كبير، أتى على موارد الأفراد والمؤسسات معاً.
وقد بذلت الحكومات المتعاقبة جهوداً كبيرة لمعالجة العجز المالي في الموازنة العامة، تقوم على ضغط وترشيد الانفاق العام بشقيه الجاري والاستثماري، وتخفيض الانفاق الاستثماري، الذي بلغ حوالي 15% من الموازنة العامة فقط في عام 2022، حتى أن الرفع الجزئي للدعم كان الهدف منه معالجة العجز المالي، حسب تصريحات حكومية، أي اعتماد سياسة شد الأحزمة، إلّا ان هذه السياسات التقشفية إضافة الى بعض القرارات والسياسات الخاطئة، زادت من حدة معدلات العجز المالي والتضخم.
للخروج من هذه الدوامة وتحسين الواقع الاقتصادي بشكل عام ومعالجة موضوع العجز المالي، لا بد من توفر عدد من النقاط، أهمها:
- 1- تبني السياسات المالية التوسعية، والتركيز على تحفيز المنشآت الإنتاجية وتحسين البنية الأساسية لها، بدل السياسات الانكماشية القائمة على التقشف وشد الأحزمة فقط.
- 2- الإعلان عن مشاريع كبيرة في ظل قانون التشاركية رقم 5 الذي صدر عام 2016 خصوصاً في البنية التحتية، (كهرباء، مواصلات)، هذه المشاريع يمكن أن تخفض معدلات البطالة وتحسن البيئة الإنتاجية والاستثمارية.
- 3- تحسين مناخ الاستثمار، أي القضاء على البيروقراطية وتعقيدات المعاملات المالية والتراخيص الإدارية وغيرها، واعتماد مبدأ "دعه يعمل.. دعه يمر".
- 4- الحوكمة الاقتصادية للمؤسسات هي أحد الركائز اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي، وأهمها الشفافية، المساءلة، المحاسبة، التقييم، سيادة القانون.
5- إعادة هيكلة للإيرادات العامة والممتلكات الحكومية، معروف، انه لازال هناك تهرب ضريبي وتهرب جمركي ورسوم ضائعة بسبب الفساد، وما زالت الكثير من المؤسسات المملوكة للدولة، تدار بطريقة تفتقد للكفاءة وتحقق الكثير من الخسائر.
أما الطريقة الأخيرة لمعالجة العجز المالي في الموازنة، تتلخص بلجوء الدولة الى خطة إنقاذ والذهاب الى دائنين دوليين مثل صندوق النقد الدولي، للمساعدة في معالجة نقص السيولة لدى الدولة، وتعطيها المزيد من الوقت للتعامل مع العجز المالي، ولكن عادة ما تكون هذه القروض مرتبطة بشروط وأجندات سياسية، وتكون مترافقة بشروط قاسية وتعليمات صارمة، تضمن التزام الدول المقترضة بمجموعة سياسات أطلق عليها تسمية "توافق واشنطن"، وهي عشر نقاط، تبدأ بالخصخصة، ورفع الدعم والتشدد في الانفاق العام حتى على الأوجه الضرورية، وتبني الانفتاح التجاري وغيرها، المعلن أن هذه السياسات تساعد الدول على سداد القرض، ولكن ما يحدث فعلاً، أن هذه الشروط تسبب المزيد من الركود والتضخم في الاقتصاد الوطني، وبالتالي تزيد معاناة شرائح اجتماعية كبيرة من الفقر والبؤس.