مسارات الصعود الروسي على الصعيد العالمي 1 من 2
2022.03.14
عبد الله منيني- فينكس:
تناولنا في مقال سابق (روسيا والغرب.. هل تُغيّر العالَم؟) نشرته جريدة فينيكس الاخبارية بتاريخ11/02/2002قصة الصعود الروسي في العقود الثلاثة الفائتة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وكيف أصبحت "روسيا" الوريثَ القانوني والوحيد للقوّة العُظمى السابقة، مُحتفظةَ لنفسها ليسَ فقط بأكبرِ مساحة فحسب، والتي تبلغ (6,612,000ميل)، ولكن أيضاً بقاعدةِ مواردَ مُتعدّدة، كما قاعدة إنتاج متنوّعة وقويّة، وبقيَت هذهِ الامتيازات رهينةً لتداعياتِ الانهيار الكبير، وصولاً لِحقبة الرئيس "بوتين" التي بدأت في العام /1999/م، فقد استثمرَ هذهِ الإمكانيّات المَوروثة في خدمةِ رؤيتهِ الخاصّة لموقع "روسيا" ودورها الإقليميّ والدوليّ، وهوَ الذي ركّزَ على عناوينَ أساسيّة انطلقت منها سياستهُ العابرة للحُدود. وفي ضوء الأحداث الناشئة بفعل العملية العسكرية الروسية كان لا بد لنا من قراءة مسار التحول الاستراتيجي للصعود الروسي في المنطقة منذ الألفية الثانية في استكمال للمقال المشار إليه أعلاه، حيث بدأت هذه التطورات منذ وصول الرئيس بوتين الى السلطة عام 2000, و إظهار قدرة روسيا بالدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها، وفرض رؤيتها في هذا الخصوص, حيث تشكل مشهد مغاير تماماً للعقد الأخير من القرن العشرين, والذي شهد انهياراً في القدرات الروسية الاقتصادية, ومعالم عدم الاستقرار السياسي, مترافقاً مع استكانة إزاء التدخلات الأمريكية في المجال الحيوي لروسيا الاتحادية، كما في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, وصولاً إلى التدخل العسكري الأمريكي المباشر بشكل مباشر أو عبر أذرع الناتو, و إقامة قواعد عسكرية متعددة، و إقامة تعاون واسع النطاق مع عدد من هذه الدول, فغدت جورجيا السباقة كأول جمهورية سوفييتية سابقة استضافت قواعد أميركية, فضلاً عن دور اسرائيلي مباشر فيها وعلى يد رئيسها الأسبق ميخائيل ساكاشفيلي.
لقد مثّلت الحرب في القوقاز عام 2008 ذروة هذه المواجهة الروسية - الأمريكية, والتي اندلعت في أعقاب العدوان الجورجي على أوسيتيا الجنوبية, العدوان الذي اتسم بعملية تطهير عرقي في هذه الجمهورية ذات الحكم الذاتي على يد النازيين الجدد، في الثامن من آب (أغسطس) في ذلك العام, فلم تكن هذه الحرب مجرد أزمة اقليمية بين دولتي جوار, بقدر ما كانت في حقيقتها مواجهة بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة التي وضعت في استراتيجيتها المباشرة والأطلسية, عمليات صناعة وإنتاج أزمات في هذه المنطقة الاستراتيجية من الخاصرة الروسية, واجتذاب حلفاء لها بما يمكنها من تطويق روسيا, والتموضع العسكري على حدودها مباشرة. وكبح جماح تقدمها وصعودها وتعافيها.
إلا أن نتائج الحرب السريعة التي أنجزتها موسكو أكدت بما لا يدع مجالاً للشك, بأن روسيا لاعب دولي رئيسي على منصة هذا العالم, لا يمكن تجاوزه أو تجاهله, كما أنها لن تتوانى عن اتخاذ القرارات الكبرى ضد محاولات تهديد أمنها القومي, والأهم الإشارة الواضحة بأن موسكو قادرة وبزمن قياسي على تصحيح الخلل في توازن القوى مع واشنطن, فضلاً عن نشدانها تعدد قطبي على الصعيد العالمي, فهي ترسم علاقاتها الثنائية مع عموم القوى الدولية بعلاقة متكافئة على قدم المساواة, في اطار نظام متعدد القوى ينهي الاحتكار والانفراد الأمريكي في إدارة الشأن الدولي.
لقد جاء الرد الروسي الحازم والسريع على العدوان الجورجي على أوسيتا الجنوبية عام2008, و اعتراف موسكو بـ "استقلال" أبخازيا و أوسيتيا الجنوبية ليعلن على الملأ وبكل جلاء العزم الواضح على حماية المصالح الروسية, عبر قدراتها العسكرية ومكانتها كقوة كبرى, وهذه الخطوة هي بمثابة مواجهة مباشرة للمرة الأولى مع العدوان الأمريكي، منذ سبعينيات القرن الماضي, بداية مرحلة التراجع السوفييتي، وبدء الانتقال من الثنائية القطبية إلى الأحادية الأميركية، لقد أرّخت حرب القوقاز إلى بداية انتهاء الهيمنة الأمريكية على الشأن الدولي والإقليمي, مترافقاً مع الفشل في إدارة حملاتها العسكرية في العراق وأفغانستان, بل التأكيد أنه لا يمكن لقوة وحيدة في هذا العالم مهما بلغ جبروتها أن تسيطر وتهيمن عليه منفردة, الأمر الذي يؤكده تاريخ العلاقات الدولية, وخاصةً ما بين واشنطن وموسكو في السنوات اللاحقة, حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية باضطراد, لمرحلة تتسم بتعدد القوى الدولية, تبرز فيها أيضا الى جانب روسيا الصين ودول الاتحاد الأوروبي وقوىً إقليمية صاعدة مثل الهند والبرازيل وغيرها من الدول.
اما النقلة الثانية، فقد جاءت حين أعلن الرئيس الأمريكي أوباما في 17 أيلول (سبتمبر)2009، عن تراجع واشنطن عن الدرع الأمريكية المضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية, وأنّ الولايات المتحدة ستبني منظومة درع صاروخية أكثر تطوراً وأقل كلفة, مؤكداً في إعلانه أن بلاده ستراعي مصالح روسيا في خططها الجديدة. لقد هدف مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي والذي أعلن عنه الرئيس السابق جورج بوش الابن مطلع عام 2007 في تشيكيا وبولندا, والذي اعتبرته موسكو يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي, بما يهدف إلى حرمانها من القدرة على توجيه الضربة الثانية الرادعة في حال أي هجوم على روسيا, بما يعني من اختراق لأمنها القومي وحماية وسلامة شعبها, أي حرمانها من الردع الحقيقي, كما يعني أن واشنطن ما زالت تنظر الى موسكو باعتبارها تهديداُ ينبغي احتوائه, ومنع صعودها كقوة كبرى على الصعيد العالمي.
يتبع.....