كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مسامح مشكور وطامع غير معذور

عبد اللطيف شعبان- فينكس:

حالةُ قَضم "كسريّات" النقود على أصحابها هيَ حالة قائمة في أمكنةٍ دونَ غيرها ومعَ أفرادٍ دونَ غيرهم.

هذهِ الكسريّات التي تتراوح مابينَ عشرات الليرات وآلافِها يُمارسُ البعض قضمَها على البعضِ الآخر، فبعضُ سائقي سيّارات الركّاب داخل المدينة أو خارجَها يتعمّدونَ اقتطاع /50/ ل. س أو أكثر زيادةً على الأجرة منَ الراكب بدلاً من الأجرة الرسميّة التي يحتجّ السائق أنّها "لا توفّي معه"، ويرى أنّ من حقّه أن يجمعَ يوميّاً آلافَ الليرات بشكلٍ غير شرعيّ، وينسى أو يتجاهل أنّ دافعَ المبلغ "لا توفّي معه" أيضاً، ولا مصلحةَ له في أن يخسرَ يوميّاً مئات الليرات نتيجةَ هذهِ الاقتطاعات عليه في أكثرَ من مكان في اليومِ نفسِه. وكثيراً ما لفتَ انتباهي أخلاقيّاتُ الصيادلة قبلَ الارتفاع الكبير لسعر الدواء، إذ كانَ الصيدلانيّ يُسارع لإعطاءِ زائر صيدليّته ظرف "سيتامول" أو بعض لصاقات الجُروح بالكسور المتبقّية في حال عدم وجود قطع نقديّة صغيرة لديه.
وقد رأيتُ أحدَ البائعين في مركز السوريّة للتجارة يضع علي يمينه علبَ بسكويت، كي يُعطي قطعةً أو أكثر للمُشتري بما يُعاد له منَ الكُسور النقديّة المُتبقّية.
جميل جداً أن يُسامح أحدهُم السائق بالمبلغ طواعيةً تقديراً منه على أنّ صاحبَ السيّارة يتحمّلُ نفقاتٍ كبيرة في إصلاحِها، ولكن، الأجمل أن يرُدَّ السائق المبلغَ للراكب تقديراً منه أنّهُ حقّه ويحتاجُه، ولا عيبَ ولا حرجَ من ألّا يسامحَ الراكب بحقٍه، وأن يُطالب به حالَ تقاعسِ السائق في دفعهِ له، ومنَ المُعيب، بل منَ المُسيء جدّاً أن يُصرَّ السائق على تقاضي ما ليسَ من حقّه، والأكثر سوءاً أن يتضايقَ من مُطالبة الراكب له بهذا الحقّ، أو أن يُخفيَ الكًسور النقديّة ويدّعي عدمَ وجودها لديه. وقد لمحتُ هذا التصرّف عند بعضهم، فإن يكُن منَ الفضيلة أن يُسامحَ الراكبُ بحقّه طواعية، فمن غيرِ المقبول أن يتهرّبَ السائق من إعطاءِ الراكبِ حقّه تحتَ أيّةِ حُجّةٍ كانت، فالتسعيرة الرسميّة تُنصف السائق. واللافِت للانتباه أنّ بعضَ سائقي الباص الداخلي العائد للبلديّة يتقاضَونِ أجرة الراكب و لا يقطعونَ التذكرة، وبذلكَ يعودُ المبلغ لجيوبهم.
كما أنَّ العديدَ منَ المُحاسبين لا يكتفونَ باقتطاعِ كسورِ "المئة ليرة" من راتب الموظّف، بل يتطاول بعضهُم على اقتطاعِ كسور ال /500/ ل.س، وبعضهم الآخر يقتطع كسورَ "الألف ليرة"، وبخاصّة في حالِ قبض أحدهم عن زميله من عنده، وذلكَ وفقاً لكميّة المبلغ، وحُجّتهم أنّهم قد يتعرّضونَ لفقدِ بعضِ النقود نتيجةَ أخطاء في العدّ أو لسببٍ ما، وهذهِ الاقتطاعات تعوّض لهم ذلكَ حالَ حصوله، عِلماً أنّ بعضَ المُحاسبين يضعونَ أمامهُم مبالغ ماليّة من مختلف الوحدات النقديّة، ويُعطونَ المُستحقّ كاملَ حقّه، وبعض المُستحقّين يتركونَ الكُسور طواعية، لا بل إنّ بعضَهم يردّها اختياراً، وهُنا لا ضيرَ في قبولِها منَ المُحاسب. ويحدث مثل ذلك أيضاً لدى الكثير منَ الجُباة، وقد يُمارس ذلك بعضُ التجّارِ والمِهَنيّين، والظاهرة نفسُها تتكرّر ولكن بمبالغَ أكبر لدى أُمَناء الصناديق الذينَ قد لا يكتفي بعضُهم باقتطاعِ كسورِ "المئات"؛ بل ربّما "الآلاف" منَ المبلغ الذي يقبضهُ منهم مستحقّوه.
فأيّاً كانَ المبلغ، قليلاً أو كثيراً، فهوَ من حقّ صاحبه، ومنَ الخطأ اتّهامهُ باللؤم حالَ مُطالبته به، ولا ظلمَ في اتّهامِ مَن يتطاول عليهِ بالدناءة، وشتّان ما بينَ تُهمةٍ باطلة وتُهمةٍ في مكانها الصحيح. ولا حُجّة لمن يقول "أنا أعطي كسورَ المبلغ المُتبقّي لمَن يطلبها منّي فقط، وحال لم يطلبها فهوَ بمثابةِ مُسامح"، فالمُسامحة الحقيقيّة تكونُ حال تركَ صاحبُ الحقّ حقّهُ بنفسه، أو ردّهُ اختياراً وقناعةً منه. والمؤسف أنّ البعض يمتعض، وقد يتلفّظ بما لا يليق حالَ طالبهُ صاحبُ الحقّ بالكُسور المُقتطَعة عنه، بدليل أنّ بعضهم يتطاول على من يطلُب حقّه، وحدثَ ذلك أمامي وسماعاً أكثرَ من مرة، وأحياناً كادَ الموقف أن يتحولَ إلى شِجار، فليسَ من حقّ مُقتطِع المبالغ على الآخرين أن يجمعَ يوميّاً ما ليسَ من حقّه، ولا مصلحة لمواطنٍ يخسر يوميّاً مبلغاً هو في حاجةٍ له نتيجةَ هذهِ الاقتطاعات عليه، والقانون الذي يمنع ذلك تؤيّدهُ الأخلاق الفاضلة والسلوكات الحميدة. والحالة هُنا أقرب إلى أن تكونَ بينَ مُسامِحٍ مَشكور وطامعٍ غيرِ معذور.
قد ينبري مَن يقول: "ما شاءَ الله عليك، كيفَ لفتَ انتباهك من يقضمونَ هذهِ المبالغ الصغيرة، وأينَ أنت من أولئكَ الذينَ يقضمونَ الملايين بمئاتِها وآلافِها"، أجيبهُ قائلاً "لقد سبقَ أن كتبت وكتبَ غيري عمن تقصدهُم، وكلُّ إدانة بحجمِ الجُرم، ومن يتجرّأ على قضمِ المئات سيكونُ أكثرَ جرأة ًعلى قضمِ الملايين متى أتيحَ لهُ ذلك، ومُعظمُ النار مِن مُستصغرِ الشّرر. 
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !
السوريون في أوروبا
ما بين انجازات تمّت.. وانجازات مطلوبة ومنتظرة
"إشكالية العدمية السياسية" ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سورية
لا تظلموا كبارنا.. فهم وحدهم القادرون على حفظ الأمن حين تعجز البنادق!