كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الرقم الإحصائي ودوره في صنع القرار في التنمية الزراعية

كتب الدكتور نور الدين منى- فينكس*:

تزداد أهمِّية الإحصاءات والأساليب الحديثة لجمعها وتحليلها بالنسبة للقطاع الزراعي، انطلاقاً من أهمِّية هذا القطاع الداعم الرئيسي لتوفير الأمن الغذائي.. فضلاً عن التحدِّيات الكبيرة التي يُواجهها هذا القطاع، والتي ازدادت في السنوات الأخيرة؛ مع استخدام المحاصيل الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي، وارتفاع أسعار السلع الزراعية.

الهدف من المسح الإحصائي.. والحصول على الرقم والمؤشر الإحصائي هو إتاحة كافة البيانات اللازمة لدعم صانعي القرار، التي تكفل سلامة إدارة القطاع الزراعي.

فمثلاً كيف يتسنى للجهات الحكومية والجهات المانحة الأجنبية، إعداد خطط الإغاثة أو التنمية أو الأمرين معاً، سواء على المستوى العام أو المستوى القطاعي.. في ظل غياب أرقام موثوق بها وتتسم بالمصداقية...؟!

القرارات السليمة والواقعية في جميع المجالات الاقتصادية والزراعية و الاجتماعية و السياسية والمالية، لا يمكن الوصول إليها بموثوقية عالية.. إلا من خلال الاعتماد على رقم إحصائي دقيق، وبيانات إحصائية معتمدة .. لحل المشكلة المدروسة.

وهذا يتوقف على مدى الدقة ووصحة البيانات والإحصاءات... والرقم والمؤشرالخطأ يترتب عليه نتائج سلبية وخسارات ضخمة.

إن جودة البيانات في العمل الإحصائي، تشير إلى جميع المجالات والنواحي المتعلقة بمدى تلبية هذه البيانات لحاجة المستخدم واستجابتها لتوقعاته، من حيث الأداء والمستوى والشكل والمضمون.

- للأسف، كانت ولا تزال توضع الخطط الزراعية اعتماداً على مؤشرات وأرقام إحصائية غير دقيقة وغير موثوقة...

وعلم الإحصاء هو أحد فروع الرياضيات الهامة، الذي يهتمّ بجمع البيانات الرقمية، ومن ثم تنظيمها، وترتيبها، وتحليلها، بهدف الوصول إلى نتائج معينة لتوضيح ظاهرة أو حالة ما.

استخدامات علم الإحصاء كثيرة.. كاستخدامه في العلوم الطبية، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، والصناعة، والكيمياء، والرياضة، والإدارة، وغيرها العديد من المجالات....

وهو أداة تساعد في إتخاذ القرارات الهامة، ويمكن بواسطته إثبات كثير من الحقائق.... وقد أخذ علم الإحصاء منحى تطبيقياً، بحيث لا ينحصر في إحصاء الأعداد بدقة، بل يحاول أن يستنتج مؤشرات.

وبشكل عام، يعتمد الاقتصاديون في وقتنا الحاضراعتماداً كبيراً في رسم السياسات الاقتصادية على الأساليب الإحصائيّة، من خلال دراستهم لعدد من المواضيع ذات العلاقة الوطيدة بالاقتصاد.. كإحصاءات الدخل القومي، والتجارة الداخلية والخارجية، والإنتاج الصناعي والزراعي، والأرقام القياسية لأسعار السلع والخدمات وتكاليف المعيشة، والإحصاءات المتعلقة بالبنوك والاستثمارات والمدخرات، وإحصاءات القوى العاملة، والإحصاءات السكانية.

ومن المعروف، بأن استخدام الأساليب الإحصائية أصبح من الأعمدة الأساسية، التي يُركن إليها في التوصل للحلول المناسبة لكثير من المشاكل والقضايا، التي تهم المجتمع.

- للرقم الإحصائي أهمية بالغة، حيث يعتبر مقياساً أو مؤشراً للأداء الاقتصادي.. فلا إحصاء ولا بحث اقتصادي دون استخدام معطيات إحصائية. كما يمثل البيان الإحصائي أو المعلومة الإحصائية رقماً تنموياً في جميع الخطط والاستراتيجيات التي تتبعها الحكومات والدول.
فالرقم الإحصائي ضرورةٌ علميةٌ للتخطيط العلمي السليم واتخاذ القرارات الصائبة.. لأنّ القرار الزراعي بدون مؤشر إحصائي صحيح، كمن يطلق الرصاص على هدف في الظلام بدون رؤية.

ليس للرقم الإحصائي قيمة مطلقة، لأنه ناتج عن عملية رياضية حسابية.. لذا يجب أن يؤخذ الرقم الإحصائي كمؤشر وليس كقيمة مطلقة.. فمثلا يتم حساب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالى لأي بلد، بقسمة مجموع الناتج المحلي الإجمالى على عدد السكان، ولكن الدخل يختلف من فرد لآخر.

البيانات الإحصائية تُصنّف إلى صنفين رئيسيين هما:

- البيانات النوعية: هي عبارة عن البيانات التي لا تُقاس بأعداد، مثل الحالة الاجتماعية (غني، متوسط، فقير)، والجنس (ذكر، أنثى).

- البيانات الكمية: هي البيانات التي تُقاس من خلال الأرقام مثل: أعداد العاملين، والطول، والوزن.... وغيرها.

يتم الحصول على البيانات الإحصائيّة من:

- مصادر من الميدان: حيث يتم الحصول عليها بشكل مباشر.. عن طريق جمع المعلومات، والتحري عن الحقائق حول دراسة معينة، كالاستبيان والاجتماعات... وتسمى البيانات الأولية.

- مصادر رسمية: حيث تتولّى المؤسسات المختصة مسؤولية جمع البيانات الإحصائية عن الظواهر باختلاف أنواعها مثل: الظواهر الصحية، والعلمية، والاقتصادية بأنواعها...

تضمُّ المؤشرات عن الإنتاج الزراعي:

لمحة عن حالة القطاع الزراعي في بلد ما.. متضمنةً حجم الحيازات، وحيازة واستخدام الأراضي، والمساحة المحصودة، والري (طرق الري)، والثروة الحيوانية، والعمالة، وغيرها من المدخلات الزراعية.

وتعدُّ هذه المعلومات أمراً حيوياً في التخطيط الزراعي، ووضع السياسات، والبحث والتطوير، ورصد تأثير الزراعة على البيئة. 

بالاضافة إلى بيانات سنوية عن الإنتاج النباتي والإنتاج الحيواني.. ومعرفة عناصر الإنتاجية، وأساليب وطرق الإنتاج، المساحة المزروعة، وكمية الإنتاج، وكمية الفاقد، والمستهلك ذاتيّاً من الإنتاج، والإنتاج المباع، وأسعار المحاصيل عند باب المزرعة للمحاصيل الحقلية (حبوب وأعلاف) والخضروات.. حسب نوع ووضع المحصول، وأسلوب الري، والموسم الزراعي.

يسمح تصنيف البيانات والمعلومات بوضعها في فئات ذات معنى، من أجل إنتاج إحصاءات مفيدة. حيث أن جمع البيانات يتطلب ترتيباً دقيقاً ومنهجيّاً، وفقاً لخصائصها المشتركة.. لكي تكون الإحصاءات موثوقةً وقابلة للمقارنة.

ويخضع مسح الإنتاج الزراعي للمعايير الدوليَّة في جمع بياناته وتصنيفه، حيث تعتمد إحصاءات الإنتاج الزراعي على البرنامج العالمي للإحصاء الزراعي 2020، من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO).

يمكن أن يكون الرقم الإحصائي مزيفاً ومضلِّلاً، لغاياتٍ وأسباب منها:

- تحسين الصورة و الأداء في نظر المسؤولين صانعي القرار، وكذلك المواطنين.

- استخدام الرقم الإحصائي من قبل جهات دولية هدفها سياسي واقتصادي؛ لزعزعة الثقة في سياسة الدولة الاقتصادية.

- التهرب الضريبي وسوء إدارة الدعم الحكومي.. والأعباء المالية المترتبة.

فمثلاً لو أخذنا على سبيل المثال إحصائيات الثروة الحيوانية (الأغنام)، لوجدنا أن أعداد الثروة الحيوانية متباينةٌ بشكلٍ كبيرٍ بين إحصائيات وزارة الزراعة، وإحصائيات وزارة المالية، وإحصائيات الاتحاد العام للفلاحين.

فإحصائيات المالية (أعداد الثروة الغنمية) تكون منخفضةً؛ بسبب رسوم الجباية.. فبآلية الفساد، يعطى للجابي أو الموظف رقماً أقل من حجم القطيع ...

بينما إحصائيات الاتحاد العام للفلاحين الناتجة عن الجمعيات الفلاحية، تكون أكثر بكثير من الواقع.. إذ أن بعض المربين وبأساليب الهدايا والفساد، يزيدون أرقام الثروة الحيوانية، للحصول على كميات أكبر من المخصصات العلفية، لبيعها في السوق السوداء.

وأيضاً إحصائيات وزارة الزراعة من دوائرها، تكون كذلك تقديرية وبعيدة عن الدقة

والرقم الإحصائي الخطأ للثروة الحيوانية، قد يسبب أًخطاءً في وزارات مسؤولة عن التصدير والاستيراد... الخ.

- حتى الخطأ البشري غير المقصود، فإنّ نتائجه خطيرةٌ، وقد تكون كارثيةً.

- وكذلك ضعف الأدوات و الوسائل و الأساليب الكافية والتقنيات والخبرات للوصول إلى الرقم الإحصائي المعتمد.

واستناداً لما تقدّم، يمكن القول:

إنّ الأخذ بأساليب التخطيط التنموي ورسم السياسات التنموية لكل دولةٍ، يتطلب توفر بياناتٍ ومعلوماتٍ ومؤشراتٍ إحصائيةً، مع ضمان دقتها وشمولها، من أجل بلوغ الأهداف االمرجوّة من التخطيط.. وتمكين القائمين على التخطيط من متابعة تنفيذ جميع مراحل الخطط المرسومة، والتأكد من سير هذه المراحل على الوجه المطلوب.

نظراً لما لحق بالقطاع الزراعي من جرّاء الحرب السورية، إضافةً لغياب ( الرقم الإحصائي) الموثوق في صنع القرار.. وبالأحرى الموثوقية في الرقم الإحصائي المستعمل، وغياب دراسات التوقع والتنبؤ على الإنتاج الزراعي.

يُفترض وجوب إجراء مسحٍ إحصائيٍّ زراعيٍّ فعليٍّ وسريعٍ.. يفيد في دعم متخذي القرار؛ وراسمي السياسات، والباحثين، والمهتمين بإحصاءات محدَّثة، وذات شموليةٍ... تتعلق بالإنتاج الزراعي في سورية، واعتماد التخطيط العلمي والإدارة، وتطبيق السياسة الزراعية السورية.. لصنع أفضل القرارات، وإعادة ألق الزراعة السورية.. كما يجب أن تكون.

*أستاذ جامعي و خبير أممي سابق و وزير زراعة أسبق

رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !
السوريون في أوروبا
ما بين انجازات تمّت.. وانجازات مطلوبة ومنتظرة
"إشكالية العدمية السياسية" ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سورية
لا تظلموا كبارنا.. فهم وحدهم القادرون على حفظ الأمن حين تعجز البنادق!