نتذكر مجزرة دمشق 1860 حتى نصفح لا كي ننسى وحتى لا تعاد
2026.07.13
د. اليان مسعد
مع مرور ذكرى مرور 166 عاماً على المجزرة، التي وقعت في التاسع من تموز (يوليو) عام 1860م، يمكن القول إنه على الرغم من هولها وأثرها العميق في تاريخ البلاد، إلّا أنها انزلقت تدريجياً إلى هامش الذاكرة الجمعية السورية، تاركةً فقط آثارها المباشرة وغير المباشرة، وبات بعض مراقبي سوريا من غير السوريين ملمّين بهذا الحدث المفصلي أكثر من أهل البلاد أنفسهم.
وفي خضمّ المرحلة الانتقالية المحفوفة بالمخاطر التي تمرّ بها سوريا اليوم، تؤثر تجليات الذاكرة الجمعية بعمق في تشكيل السياسات ومجريات الأحداث.
وفي حين يناقش السوريون قراءاتهم المختلفة والمتضاربة أحياناً للثورة السورية ضدّ نظام الأسد، وما قد سبقها وتلاها، لا بدّ من إعادة النظر ليس فقط في فهمنا لهذه المرحلة المعاصرة، بل أيضاً في كثيرٍ من محطات تاريخ سوريا. ولعل أحداث العام 1860م من أبرز ما أثّرَ في مسار التاريخ السوري الحديث في مرحلةٍ مبكرة نسبياً منه، إذ وقعت المجزرة في أعقاب الاصلاحات الممتازة التي قام بها السلطان عبد المجيد والخط الهمايوني الذي ساوى به بين رعايا السلطنة، وكذلك «تنظيمات» الدولة العثمانية المضطربة في وقتٍ كانت تواجه ضغوطاً متزايدة من القوى الأوروبية، مع بداية ما يُسمّى عصر النهضة العربية.
وحتى إن من أبرز من عاصروا تلك المجزرة، وأحد الناجين منها والمُوثِّقين لها، كان العلّامة الدكتور ميخائيل مَشاقة، القنصل الفخري الأميركي في دمشق، وأحد أبرز وجوه النهضة. بحسب مشاقة، قُتل نحو 15000 مسيحيّاً في المجزرة، وأُحرق حوالي 1500 بيت، علاوةً على 1270 بيتاً آخر ألحق به الخراب والنهب. طال العنف جميع الكنائس والأديرة في المدينة.
ولكن أين الحكمة في هذا الاستحضار لجراح الماضي في وقتٍ بالغ الهشاشة، نستحضر ذلك لأنّه يُخشى فيه من اندلاع أحداثٍ مشابهةٍ بين مكونات المجتمع السوريّ الجريحة في مناخٍ يشوبه الاحتقان. أليس من الحميد أن السوريين تناسوا تلك «الهفوة»، ولم تَعُد أصلاً موضعَ جدلٍ أو إنكارٍ أو تملّصٍ من المسؤولية أو متاجرة بدم الضحايا، بل غابت عن الوعي السوري العام وانزلقت إلى هامش الذاكرة الوطنية؟ وإن تجاهل ما لا يُرضينا من مراحل مفصلية في تاريخ البلاد لا يساعدنا على بناء مستقبلٍ أكثر استقراراً، بل قد يُفضي إلى بقاء أسباب العنف وآلياته عُرضةً للتشويه وسوء الفهم، وإلى إعادة إنتاج أنماطه في غياب قراءة تاريخية واعية للأسباب القريبة والبعيدة التي تؤدي إليه.
وفي حين أنّه ما من امرئٍ حيٍّ اليوم يحمل إثمَ تلك المجزرة، إلّا أنّنا نتحمّل جميعاً مسؤولية تذكُّرها والاستهداء بتلك التجربة، باعتبارها درساً في هشاشة المجتمعات حين تتآكل الثقة بين مكوناتها، وحين يُترَك الخوف والاحتقان والتدخل الخارجي لتتحول إلى وقودٍ للعنف الجماعي، وحين يغيب الإلمام الكافي بالظواهر المجتمعية لدى صانعي القرار، خصوصاً المرتهنين منهم لضغوط خارجية. وإن استعادة وقائع مجزرة 1860 إلى الذاكرة الجمعية الوطنية لا ينبغي أن يُفهمَ بوصفه نبشاً للأحقاد القديمة، بل محاولة لوضعها في سياقها التاريخي الصحيح. فامتلاكُ الرواية التاريخية يتيح للمجتمع فهم ماضيه بدلاً من ترك تفسيره للآخرين، وبذلك يهتدي بدروس الماضي في بحثه عن الحقيقة، علماً ان المجزرة حصلت داخل السور بينما بالميدان والغوطة الشرقية لم يقتل ولا مسيحي.
للعلم وللمنكرين فقد أرسلت السلطنة العثمانية الصدر الأعظم شخصياً والذي شكّل محكمة خاصة للتحقيق بالمجزرة وأُعدم 113 مجرماً على رأسهم والي دمشق وبعض ضباطه الذين تلكأوا بالدفاع عن المدنيين العزّل، كما سجن ونفى الآلاف من المسؤولين والمحرضين، ووثائق المحاكمات لا تزال محفوظة بالوثائق العثمانية باسطنبول ومسموح الاطلاع عليها.