يومَ سبقتُ عمري وعصري وتصرفتُ كأبناء المسؤولين
2022.09.01
صفوان زين- فينكس:
كان ذلك في الأربعينات من القرن الماضي، كنتُ في الثامنة أو التاسعة عندما أقدمتُ مستغلّاً كوني ابن مدير المعارف (التربية) على تصرّفٍ ينمُّ عن الكثير من قلة التربية! وذلك بالدخول الى ثانوية التجهيز (جول جمّال لاحقاً) خارج أوقات الدوام وبالتواطؤ مع آذنها المناوب في زيارة غير مشروعة لهذا الصرح الأبيض الجميل الذي طالما حلمتُ بزيارته.
لقد كان للتجهيز دوماً رمزية خاصة في أسرتنا، ألم يرسخ في ذاكرتنا منذ نعومة أظفارنا بأن الوالد، ولم يكن أصبح بعدُ والداً، كان أول مدير لهذا الصرح التعليمي عند تأسيسه في العام ١٩٢٣؟ وبأن الفرحة عمت أرجاء المدرسة ومُنحَ الطلاب عطلة ليومٍ واحد عند ولادة أختي البكر في العام ١٩٢٦؟ لكي يتكرر الأمر بعدها بعامٍ واحد بفرحةٍ مضاعفة وعطلة مماثلة مع ولادة أخي البِكر في العام ١٩٢٧ (دون مضاعفة العطلة كما طالب الأساتذة بلسان زميلهم الشاعر إدوار مرقص!).
ألم تروِ لي والدتي في طفولتي المبكرة حكاية الصاعقة التي ضربت المدرسة آوائل العام 1926، و بالتحديد غرفة والدي المدير الذي كان لحسن الحظ غادرها لدقائق، مما تسبب في إصابة العشرات من الطلاب بالإغماء كنتيجة للصدمة والهلع؟ ألم يكن التدبير اللاحق لهذا الحادث الخطير ان رُكّبت مانعات للصواعق على اسطح المدرسة من جهاتها الأربع؟

- [ ] طبعاً لم تكن هذه الأحداث مطبوعة في ذاكرتي بهذا الوضوح، إذ كانت وقتئذٍ مجرد استعادة ضبابية لحكايات من أم لطفلها كانت تلقيها على مسامعه في سنواته الأولى قبل أن ينام، وكانت لم تزل راسخة في ذاكرته عندما طرق بابَ التجهيز الذي فُتح له على مصراعَيه ولم يكن في ذهنه إبتداءً اكثر من جولة بريئة داخل الصفوف لكي تتحول البراءة انتهاءً الى تصرفٍ غير بريء بلمعةِ شرّ يبدو أن بذرته كامنة داخل اعماق كل نفسٍ بشرية.
كانت الصفوف التي جلتُ فيها برفقة الآذن المناوب هي الصفوف العليا كما شرح لي وكانت غاية في النظافة والترتيب، سرعان ما لفتت نظري ريشة للكتابة ومحبرة على المقعد أمام كل طالب، ربما منهم من أصبح لاحقاً من المشاهير كالرئيس حافظ الأسد والشاعر أدونيس وسواهما ممّن مرّوا على هذه المدرسة العريقة. فجأةً استبدت بي رغبة عارمة لا تُقاوَم لسرقة الريشة والمحبرة الأكثر نظافةً و لمعاناً بصرف النظر لمن تكونا، ما الدافع؟ لا أدري، ربما رغبة دفينة في أعماقي للإنتقام من مدرسة لم تعطّل ولو لدقيقة واحدة عند ولادتي! أبلغتُ الآذن برغبتي فلم يمانع ولم يوافق، ظلَّ على الحياد، قفلتُ عائداً الى بيتنا القريب وفي جيبي كنز!
ضبطتني والدتي و أنا أفرغ جيوبي من الكنز المسروق، أصيبت بالدهشة وأخضعتني لاستجواب دقيق وأصرّت على إبلاغ الوالد بمجرد عودته الى البيت ظهراً. هيأتُ نفسي لكل أنواع العقوبات عدا عقوبة الفَلَق التي أوقعها بي بكل قسوة، كان لها في نظره ما يبررها ليس في السرقة الصغيرة فحسب، بل الأهم في دخول المدرسة خارج أوقات الدوام بهذا الأسلوب الاستغلالي والانتهازي، كانت السرقة الأولى والأخيرة في حياتي، كما كان الفَلَق الاول... و الأخير حتى تاريخه!
- [ ] عدتُ إلى التجهيز في زيارة ثانية بعد انقضاء ثلاث أو أربع سنوات على الزيارة الاولى، إنما هذه المرة كطالب وليس كسارق! أمضيت فيها، وكان اسمها قد أصبح ثانوية البنين، أحلى سنوات الدراسة حتى حصولي على البكالوريا في العام ١٩٥٥.
بعد انقضاء زمن طويل نقل إليّ المرحوم جبرائيل سعادة رأياً لوالدي سمعه منه شخصياً عندما كان مديراً للمعارف (التربية) يؤيد فيه المدرسة الانكليزية في التربية التي كانت تسمح للمدرّس في ذلك الزمن بالضرب اللطيف والمدروس لطالب المرحلة الابتدائية عند الضرورة القصوى، ضحكتُ لدى سماعي ذلك وقلتُ للأستاذ جبرائيل بأنني مطلّع على رأي الوالد بهذا الخصوص تمام الاطلاع وبطريقة عملية جداً، ولقد كلّفني هذا الاطّلاع دفع ضريبة 'لطيفة ومدروسة' من أقدامي.