عن "العلاج المجاني"!
زياد غصن- فينكس:
أياً كان حجم إنفاق المستشفيات الحكومية سنوياً، وأياً كان عدد المراجعين لها، وأياً كان عدد العمليات التي تجرى فيها، فإن العلاج فيها لم يعد مجانياً كما تدعي الحكومة في بياناتها وتصريحات مسؤوليها... على الأقل بالنسبة للفقراء ممن لا سند لهم!
لا أقول أن الدولة تخلت عن سياستها في تقديم العلاج المجاني، فهي لا تزال تنفق بنسبة مقبولة على قطاع الصحة بمؤسساته المختلفة، إنما يجب الإعتراف بوجود خلل متعدد الأوجه في يوميات عمل المنشآت الصحية، وهو في تزايد خطر، بدءاً من نظام عمل هذه المنشآت، مروراً بواقع الكوادر الطبية والإدارية، وصولاً إلى الأنظمة والإجراءات الناظمة لعملها.
طبعاً ذكر ذلك، لا ينال من عظمة وقدسية ونبل ما يقدمه البعض (منشآت، أطباء، ممرضات، عاملين..) من خدمات إنسانية للمرضى والمراجعين، لكن كل ذلك يبقى مهدداً بالإنحسار مع تلك "البقعة السوداء"، التي تكبر يوماً بعد يوم تحت ضغط عوامل مختلفة!
الخلل الذي أتحدث عنه له وجهان:
الأول يتعلق بحالة اللامبالاة، وعدم الاكتراث، التي يُعامل بها المرضى من قبل البعض في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، وكثيراَ ما ساءت أوضاع مرضى، أو فقدوا الأمل بتلقي العلاج في المؤسسات الحكومية، فكانت وجهتهم المستشفيات الخاصة رغم ظروفهم المالية الصعبة!
صحيح أن تلك سمة غلبت على سمعة العديد من موظفي مؤسسات القطاع العام، لكنها في القطاع الصحي لها مدلول إنساني جد سلبي، فالأمر هنا يتعلق بحياة شباب، آلام أطفال، وعذابات كبار في السن، ولا يجوز تحت أي مسمى أو ظرف التعامل معها ببرود أو إهمال..
وقصص الأخطاء الطبية كثيرة، وحوادث الإهمال أكثر فأكثر...
طبعاً الحكومة بمؤسساتها الصحية المختلفة تنفي هذا الكلام، وتبرز في كل مرة كم هائل من البيانات والمؤشرات الإحصائية، التي نعرف جميعاً كيف يتم جمعها وإنتاجها، إنما تبقى قصص المواطنين، وما عانوه في مستشفيات الدولة ومراكزها الصحية أكثر صدقاً وتعبيراً عن الواقع.
الوجه الثاني للخل يكمن في انتفاء مجانية المعالجة عملياً، رغم استمرار الدولة في اعتمادها سياسة تخصص لتنفيذها نفقات سنوية كبيرة... فأين تذهب؟ وكيف تنفق؟ ومن الذي يستفيد منها؟
إذ أن المريض حالياً يتولى شراء كل ما يلزم أثناء إقامته في المشفى الحكومي... من قفزات الطبيب عندما يأتي لمعاينته إلى جرعات الدواء باهظة الثمن، وهي مستلزمات يفترض أن يؤمنها المستشفى !
أي أن المستشفيات لم تعد تقدم للمرضى الفقراء سوى ذلك السرير، في حين أن خدمة معاينة الأطباء للمرضى ليست في أكثر الأحيان سوى "كورس" عملي لطلاب كليات الطب، وهذا يعني أنه يفترض أن تدفع المستشفيات للمرضى تعويضات مالية كبيرة، لاسيما في حالة الأخطاء الطبية وما أكثرها.
استمرار هذا الخلل وتعمقه، يعني أن هناك من يغلق أمام فقراء البلد أخر باب للأمل، لذلك لا تدعوا ذلك الباب يغلق.
ربما لو أن الحكومة عملت خلال السنوات الماضية على وضع نظام تقييم عملي لجودة الخدمات المقدمة في المستشفيات العامة، وضبط الهدر والفساد والمحسوبيات فيها، وبما يضمن حصول جميع المواطنين بلا استثناء أو تمييز على العلاج المجاني، لكان أفضل إنجاز يسجل لها... على الأقل المواطن سيكون مطمئناً على صحته في ظل هذا الوضع المأساوي.