الخاص.. الشبيه بالحكومي!
2021.07.07
زياد غصن- فينكس:
قبل أيام قليلة، قصد أحد الزملاء مكتب إحدى شركات النقل لاستلام طرد بريدي، وقبل أن تطأ قدماه عتبة الباب الرئيسي، لاحظ وجود عجوز سبعيني في الطابور، بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه.
رقّ قلب صديقي لوضع ذلك العجوز، فتدخل لدى أحد موظفي المكتب طالباً تقدير وضع العجوز الصحي، فكان أن أجابه الموظف بشيء من استعلاء بعض موظفي القطاع العام: بالدور أستاذ... ما فيني... ما في عنا موظفين كفاية.
هنا ثار صديقي وقال له: "ولماذا لا تستعينون بموظفين جدد لتخفيف حالة الازدحام..؟ أنا بإمكاني الخروج إلى الشارع الآن، وآتي لك بأربعة أشخاص يبحثون عن فرصة عمل". لم يرد الموظف بأي كلمة، ربما لأنه ليس صاحب قرار في هذه الشركة، أو ربما لأنه وجد نفسه مخطئاً، وقد يكون صمته تعبيراً عن رفضه الدخول بمزيد من النقاش..
رواية صديقي هذه ذكرتني بحادثة أخرى سردها لنا الدكتور أديب خضور، عندما كنا طلاباً في قسم الصحافة، ومفادها أنه خلال تواجده في مكتب إحدى شركات النقل الخاصة، وبينما كانت إحدى الموظفات تصرخ في وجه المراجعين، قال لها مراجع بذكاء: لتكوني مفكرة حالك بشركة الكرنك!
في واقع الحال... مشكلتنا ليست مع القطاع العام فقط،، وإنما مع القطاع الخاص كذلك.
وهذا أمر عمره سنوات طويلة، فشل خلالها القطاع الخاص في تقديم أنموذج عمل مقبول، سواء على صعيد العلاقة المباشرة مع المواطن بمختلف مستوياتها، أو على صعيد بيئة عمله الداخلية.
الأمثلة على ذلك كثيرة، تبدأ من طريقة التعامل مع المواطنين كمستهلكين للسلع والخدمات، وهي معاملة يمكن أن يقال فيها الكثير سواء لجهة جودة السلعة أو أثناء تقديمها وبيعها، مروراً بحقوق العاملين في مؤسسات القطاع الخاص وتعويضاتهم المالية، وصولاً إلى التجارب الإدارية والمؤسساتية التي قدمها هذا القطاع، والتي لاتزال تحكمها عقلية العائلة أو "الحجة".
وهذه حقيقة، لمس أهميتها كل من عمل أو تعرف عن قرب على عمل بعض الشركات الأجنبية في سورية قبل الحرب، والتي كانت تتبع نظاماً إدارياً صارماً في كل شيء... حتى في تقيد السائق بحزام الأمان أثناء قيادته للسيارة داخل المعمل أو خارجه.
ما أوصل القطاع الخاص السوري إلى هذه الحالة أمران:
-الأول، أن معظم الشركات والمؤسسات الخاصة ذات طبيعة فردية وعائلية، تعتمد في أنظمتها وقراراتها وأنشطتها على ما يقره مالك الشركة، وتالياً فإن معظمها لم يكن مهتماً بتطبيق الأنظمة الإدارية الحديثة، أو اعتماد نظام عمل خاص يقيد تدخل العلاقات الشخصية والعائلية لصالح مأسسة العمل وشفافيته.
-الثاني، ويتعلق بالظروف والعوامل التي أسهمت في تكوين القطاع الخاص الحالي، وهي ظروف أنتجتها غالباً بيئة الفساد متعددة الأشكال والأساليب، من شيوع الاحتكار والاستغلال، وصولاً إلى فساد الصفقات والمشتريات الحكومية، فالتهريب والسوق السوداء، وأخيراً اقتصاديات الحرب والعنف، وغير ذلك.
لهذا كله، لا يمكن التعويل على القطاع الخاص بصورته الحالية، ولا يمكن القول إن القطاع الخاص سيكون أنجح في إدارة بعض المنشآت العامة، ولا يمكن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي في ظل وجود قطاع غير محترف في أصول العمل الإداري والاقتصادي..
ملاحظة: وجود بعض الشخصيات الاقتصادية المحترمة، وتأسيس شركات ومؤسسات تحاول العمل كما نظيراتها العالمية، ليس سوى نقطة ضوء تحتاج إلى جهد ووقت كبيرين حتى تتسع.