كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مدرسة الطبيعة.. حيث تعلّمت أجمل دروس الحياة (الجزء الثالث)

جوليان بدور

كلما تقدمت بي السنون، وعدت بذاكرتي إلى طفولتي، أدركت أن أعظم معلم مرّ في حياتي لم يكن أستاذًا في مدرسة، ولا أستاذًا في جامعة، بل كان الطبيعة نفسها.
هناك، بين المروج والسهول الخضراء، وعلى سفوح الجبال والهضاب، وأنا أقود قطيع الأبقار منذ ساعات الفجر الأولى، تلقيت دروسًا لم أجدها في كتاب، ولم أسمعها في قاعة محاضرات. كانت دروسًا في الصبر، والعمل، والمحبة، والانتماء، واحترام الحياة.
ولذلك، كلما سألني أحدهم: أين تعلمت هذه الدروس التي صقلت شخصيتك وميزتك عن الآخرين؟ أبتسم وأجيب بثقة: في مدرسة الطبيعة.
كان أول درس لقنتني اياه الطبيعة كانت متعة الاستيقاظ باكرًا. فما زلت أذكر تلك النسمات العليلة التي كانت تسبق شروق الشمس، تحمل برودةً منعشة تعبق برائحة الأرض المبللة بالندى، في بيئة نقية بعيدة كل البعد عن ضجيج المدن وصخبها.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الاستيقاظ المبكر عادةً راسخة في حياتي، ليس فقط للاستمتاع بنقاء الصباح وصفاء الهواء، بل أيضًا لاحتساء فنجان قهوتي على مهل، وتأمل الطبيعة من حولي، والاستماع إلى زقزقة العصافير، ومطالعة الأخبار بهدوء قبل أن تبدأ حركة الحياة اليومية.
كما علمتني طفولتي القروية أن الطبيعة لا تعرف الجمود؛ فلكل لحظة جمالها الخاص. فالهدوء الذي يسبق شروق الشمس يختلف عن دفء الصباح، وسحر الغسق ليس كبهجة الفجر، ولكل مشهدٍ لونه وإيقاعه وروحه.
وكان أكثر ما يسرني في الطبيعة شروق الشمس وغروبها. ففي كل صباح، كنت أقف مترقبًا بزوغها من خلف الجبل المطل على قريتي، أراقب أشعتها الذهبية الأولى وهي تتسلل ببطء بين الصخور، قبل أن تغمر بنورها الدافئ جبال القرية وسهولها وحقولها، فتبعث الحياة في كل ما تقع عليه.
وفي زمن لم تكن فيه ساعات اليد ولا الهواتف المحمولة جزءًا من حياتنا، تعلمنا أن نقرأ الوقت من الطبيعة نفسها. فكنا نهتدي إلى الساعة من خلال موقع الشمس في السماء وطول الظل أو الخيال. فعندما يبلغ طول ظلي أربعة أقدام، أعلم أن الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحًا، وعندما يقصر إلى ثلاثة أقدام، أدرك أن وقت الظهيرة قد اقترب، وأن عليّ أن أعود بالقطيع إلى المنزل.
كما فتحت لي تجربة رعي الأبقار نافذة واسعة على عالم الطيور والفراشات والكائنات الصغيرة التي كانت تشاركني يومي في الحقول والمروج. فقد كنت أقضي ساعات طويلة أراقب أسراب السنونو والطيور المهاجرة، ولا سيما عصافير “الدانينورا” و“القتّالة” وطيور الحجل، وهي تحلق في السماء بأسراب منتظمة، فتملأ الفضاء بحركتها الرشيقة وأصواتها العذبة.
وكان أكثر ما يثير دهشتي تلك الدقة التي تبني بها الطيور أعشاشها فوق الأغصان العالية، مستخدمة الأعشاب اليابسة والقش وأغصان الأشجار الصغيرة، في أماكن لا تطالها يد الإنسان. ثم كنت أراها تحتضن فراخها بعناية، وتتنقل بلا كلل بحثًا عن الطعام، لتعود به إلى صغارها. ومن خلال هذه المشاهد البسيطة، تعلمت، وأنا في نعومة أظفاري، معنى الرعاية الأبوية، والإحساس بالمسؤولية، وغريزة المحافظة على الحياة.
ولم تقتصر دروسي على الطيور، بل امتدت إلى القطيع نفسه، إذ اكتشفت مع مرور الأيام أن بين أفراده روابط تشبه إلى حد بعيد العلاقات التي تجمع البشر. فإذا هاجم عجل أو ثور غريب أحد أفراد القطيع، هبّت الأبقار جميعًا للدفاع عنه. وهناك أدركت أن التعاون والتكاتف ليسا حكرًا على الإنسان، بل هما قانون من قوانين الحياة.
وفيما يخصني، كنت أشعر بمسؤولية كبيرة تجاه القطيع. فلم أكن أدّخر جهدًا في البحث عن المراعي الخصبة والسهول الغنية بالأعشاب التي تفضلها الأبقار. وكان يسعدني كثيرًا أن أراها تلتهم هذه الأعشاب بشهية عالية، حتى إنني كنت أشعر أحيانًا وكأنني أنا من يلتهم الأعشاب معها.
ومن أجمل الذكريات التي لا تزال تسكن وجداني كانت بقرتي “شقيرة”. فما إن نقترب من القرية في طريق العودة حتى تبدأ بالخوار، (تعجّ) وكأنها تنادي صغيرتها التي تركتها في المنزل طوال النهار. وكلما اقتربنا ازداد خوارها، حتى كنت أتخيل أنها تقول لها: “اعذريني يا صغيرتي، أعلم أنك جائعة، لكن الأمر لم يكن بيدي. ها أنا أعود إليك، وقد امتلأ ضرعي بالحليب.”
هكذا تعلمت بأن مشاعر الأمومة ليست حكرًا على الإنسان، بل هي لغة مشتركة تجمع معظم الكائنات الحية، وتعبّر عن أسمى معاني الحنان والوفاء.
أما الدرس الأكبر، فقد تعلمته من مملكة النمل الأسود. كنت أجلس طويلًا أراقب أسرابه وهي تعمل في صمت ونظام مدهش، تحمل حبات القمح والشعير والشوفان من مسافات بعيدة، وتسير في صفوف منتظمة عبر مسارات واضحة ونظيفة، لا تعرف الكسل ولا الفوضى، استعدادًا لفصل الشتاء.
لم أكن أرى أمامي مجرد حشرات تبحث عن قوتها، بل كنت أشاهد مدرسة حقيقية في التعاون، والانضباط، وتقسيم الأدوار، والتخطيط للمستقبل.
ومن دون أن أشعر، بدأت أقارن بين ما يفعله النمل وما كانت تفعله أسرتنا. فكما كان أفراد مملكة النمل جميعًا يتعاونون في جمع المؤونة قبل حلول الشتاء، كانت أسرتي، بكل أفرادها، تعمل طوال فصل الصيف لتأمين احتياجات الشتاء من الطعام والحطب وسائر مستلزمات الحياة.
ومن هنا، لم أكن أتذمر يومًا من العمل في الأرض أو من رعي الأبقار، ولم أعترض على توجيهات والدي أو أرفضها، لأنني أدركت منذ طفولتي أن العمل ليس عقوبة، بل قيمة نبيلة، وأن المستقبل لا يُبنى بالأمنيات، وإنما بالاجتهاد، والصبر، والعمل المتواصل.
ولم تكن الطبيعة بالنسبة إليّ مدرسةً للعمل والانضباط فحسب، بل كانت أيضًا فضاءً رحبًا للفرح واللعب والخيال. فقد علمتني أن الإنسان لا يحتاج إلى الكثير ليصنع سعادته؛
كنا نلعب بلعبة “القواميع”، وهي لعبة تعتمد على المهارة في استخدام الحجارة، كما كنا نصنع ألعابنا من أغصان الأشجار، ونبتكر من أبسط الأشياء وسائل للمتعة والتسلية. ولم تكن تلك الألعاب تقل متعة عن ألعاب اليوم، لأنها كانت تُمارس في أحضان الطبيعة، حيث الهواء النقي، والمساحات الخضراء، والحرية التي لا تحدها الجدران.
وكثيرًا ما كنا ننظم سباقات الحمير، وكنت أحرص على المشاركة فيها بكل حماس، بل وكنت أفوز في معظمها، لأن دابتي كانت أكبر حجمًا وأكثر قوة وسرعة من دواب أصدقائي.
كما كنا ننظم مصارعة بين العجول والثيران، أطلقنا عليها اسم “مصارعة الثيران”، لنرى أيها أكثر قوة وهيبة. كانت ألعابنا بسيطة وعفوية نعيشها في بيئة طبيعية مفتوحة، بعيدًا عن صخب المدن وضجيجها، ودون حاجة إلى ألعاب إلكترونية أو مدن ملاهٍ حديثة.
غير أن لعبتي المفضلة كانت، بلا منازع، المرجوحة.
كنا نربط حبلًا متينًا بغصن شجرة جوز أو سنديانة عتيقة، فنصنع مرجوحة بسيطة نتناوب على التأرجح عليها لساعات طويلة. وتحت ظلال الأشجار الوارفة، وعلى أنغام زقزقة العصافير، ولا سيما عصافير “الدانينورا” والدوري، كنا نشعر وكأننا نملك أجمل مدينة ملاهٍ في العالم.
واليوم، كلما استعدت تلك الذكريات، أدركت أنني لم أكن مجرد طفل يرعى الأبقار، ويقاوم قلة النوم، ويقضي نهاره متنقلًا بين المراعي والحقول، بل كنت تلميذًا في مدرسة عظيمة، ما زلت أتعلم منها حتى يومنا هذا؛ إنها مدرسة الطبيعة.
لقد منحتني تلك المدرسة ما هو أثمن من المعرفة النظرية؛ فقد علمتني الصبر، والعمل الجاد، والانضباط، وتحمل المسؤولية، واحترام الوقت، والتخطيط للمستقبل، والرحمة بكل كائن حي. كما غرست في نفسي قيم الوفاء، والامتنان، والإخلاص، وحب الأرض، والإيمان بأن الإنسان لا ينفصل عن الطبيعة، بل هو جزء منها.
كما أنني أؤمن بأن أعظم دروس حياتي لم أتلقاها بين جدران المدارس والجامعات، على أهميتها ومكانتها، وإنما تعلمتها في الحقول والمروج، وأنا أقود قطيع الأبقار بين سهول قريتي وجبالها.
فهل هناك أجمل من طفولة قروية عشتها في أحضان الطبيعة، حيث كانت السماء سقفنا، والجبال حصوننا، والأرض معلمتنا الأولى، وكانت الحياة نفسها أجمل مدرسة؟
مدرسة الطبيعة.. حيث تعلّمت أجمل دروس الحياة (الجزء الثالث)
أحفاد.. لكن بالترجمة
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء