كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

دمشق تحت الرايات

ماهر سليمان العيسى

 دمشق لم تكن يومًا مدينةً تُعرَّف بصوتٍ واحد.
هذه المدينة التي تعلّمت عبر قرونها الطويلة كيف تُدير تناقضاتها داخل الحيّ الواحد والسوق الواحد، وكيف تسمح لاختلافاتها بأن تتجاور دون أن تتحول بالضرورة إلى صراعٍ مفتوح، تبدو اليوم وكأنها تُدفع إلى مرحلة جديدة يُعاد فيها اختبار معنى المجال العام نفسه: لمن ينتمي؟ ومن يملك حق تعريف هوية المدينة وشكلها النفسي؟
في دمشق القديمة، لم يكن التنوع شعارًا نظريًا ولا فكرةً حداثية مستوردة، بل جزءًا من الإيقاع الطبيعي للحياة.
المآذن والأجراس، الأسواق والخانات، الزوايا الصوفية والحارات المسيحية، كلها كانت تتجاور داخل نسيجٍ واحد رغم ما كان يحكمه أحيانًا من تفاوتات اجتماعية ودينية وعلاقات قوة كامنة.
لم تكن المدينة الفاضلة، لكنها امتلكت تاريخيًا قدرةً خاصة على منع الاختلاف من التحول الدائم إلى معركة سيادة شاملة.
لهذا يبدو المشهد اليوم مثقلًا بأسئلة تتجاوز المناسبة نفسها.
في سوق الحميدية، قلب دمشق الرمزي، كانت المسيرة تتحرك ببطء.
رايات بيضاء، أصوات تكبير مرتفعة، وجوه متحمسة تسير بحالةٍ جماعية تعبّر عن فرح العيد كما يقول المشاركون فيها. ومن المهم قول شيء بوضوح: هذه المسيرات ليست من “أصول الدين”، ولا من الطقوس التعبدية الملزمة، بل هي أشكال اجتماعية وشعبية عرفتها مدن سورية في أزمنة مختلفة بوصفها تعبيرًا جماعيًا عن الفرح في بعض المناسبات الدينية.
لهذا فالمشكلة ليست في التكبير، ولا في الرايات بحد ذاتها، ولا في حق الناس بالتعبير عن هويتهم الدينية داخل المجال العام. فالمدن الطبيعية لا تُبنى عبر محو الرموز الدينية من حياتها، ولا عبر مطالبة الناس بإخفاء مشاعرهم وطقوسهم الاجتماعية. كما أن تحويل أي مظهر ديني تلقائيًا إلى تهديد وجودي ليس سوى شكل آخر من أشكال التوتر المرضي داخل المجتمع.
لكن المسألة تصبح مختلفة حين يتحول التعبير الاجتماعي أو الديني إلى استعراض قوة رمزية، أو إلى رسالة سياسية غير معلنة عن الجهة التي تملك تعريف المجال العام وحدود المقبول داخله.
هنا يتغير معنى المشهد.
الفارق كبير بين مدينةٍ تسمح بتعدد أشكال الحضور داخل فضائها المشترك، وبين مدينة تبدأ فيها جماعةٌ ما — أيًّا كانت — بالتعامل مع الشارع بوصفه مساحةً لإعلان الغلبة النفسية والثقافية. ففي الحالة الأولى، يكون المجال العام مكانًا يتجاور فيه المختلفون. أما في الثانية، فإنه يتحول تدريجيًا إلى مساحة اختبار للقوة الرمزية: من يرفع صوته أكثر؟ من يحتل الصورة؟ من يفرض إيقاعه على الآخرين؟
في الماضي، كانت المواكب والاحتفالات جزءًا من الإيقاع الاجتماعي للمدينة، لا إعلانًا عن امتلاكها. أما حين تُستخدم الرموز والهتافات والكتلة الجماعية بطريقة توحي — ولو ضمنيًا — بأن المدينة تُعاد صياغتها وفق تصورٍ أحادي للهوية، فإن المسألة تتجاوز حدود الاحتفال العفوي.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين التدين الاجتماعي الطبيعي، وبين بعض الأنماط الحركية المغلقة التي تتعامل مع المجال العام بوصفه ساحة لإعادة تشكيل المجتمع نفسيًا وثقافيًا. فليس كل متدين جزءًا من مشروع هيمنة، وليس كل من يشارك في مسيرة دينية يحمل بالضرورة تصورًا إقصائيًا. كثيرون قد يشاركون بدافع العادة أو الفرح أو الانتماء الاجتماعي البسيط، لكن المشكلة تبدأ حين تنجح التيارات الأكثر انغلاقًا في تحويل هذه المناسبات الشعبية إلى أدوات لإرسال رسائل سياسية تتجاوز المناسبة نفسها.
عندها لا تعود الراية مجرد قطعة قماش، أو رمزًا دينياً تاريخيًا يحمل شعارًا مقدسًا، بل تصبح رمزًا لسؤال أعمق وأكثر قلقًا: من يملك حق تعريف المدينة وهويتها؟ ومن يحدد شكلها النفسي؟ ومن يقرر من يشعر بالراحة داخلها، ومن يشعر بأنه مضطر إلى مراقبة نفسه؟
ولعلّ أكثر ما يكشف حساسية المسألة هو انتقال بعض هذه المسيرات إلى باب توما، الحي العريق الذي يعود وجوده إلى ما قبل الإسلام نفسه. هنا لا يعود المكان مجرد خلفية جغرافية محايدة، لأن الأمكنة في المدن التاريخية تحمل ذاكرةً ومعنىً وهويةً نفسية تراكمت عبر قرون طويلة.
باب توما ليس “تفصيلًا” داخل دمشق، بل أحد الشواهد الحية على تاريخ المدينة المتعدد. ولهذا فإن دخول جماعات منظمة إلى حيّ ذي أغلبية مسيحية، وهي ترفع الرايات وتهتف بصوت جماعي في ظرفٍ سوري هش ومحمّل بالخوف والقلق، لا يمكن فصله عن أثره النفسي على السكان، حتى لو لم يكن القصد المعلن استفزازهم بصورة مباشرة.
في المجتمعات الخارجة من الحروب الطويلة، لا تُقرأ الرموز ببراءتها النظرية فقط، بل أيضًا عبر ميزان الذاكرة والخوف وتبدلات القوة. وقد لا يقول المشاركون أي شيء عدائي بصورة مباشرة، لكن الاستعراض الرمزي لا يحتاج دائمًا إلى خطاب صريح كي ينتج أثره النفسي. يكفي أن يشعر المختلف بأن عليه مراقبة نفسه أكثر، أو أن حضوره داخل مدينته بات مشروطًا بالحذر والصمت وتجنب الاحتكاك.
أحد أصحاب المحال القديمة في باب توما كان يقف صامتًا يراقب مرور المسيرة. لم يقل شيئًا، ولم يعترض، لكنه بدا كمن يحاول أن يفهم إن كانت المدينة التي يعرفها ما تزال هي نفسها، أم أن شيئًا آخر يُعاد تشكيله فوق ملامحها القديمة. هذا الصمت تحديدًا هو ما يخيف أكثر من الضجيج أحيانًا؛ لأن المدن تبدأ بخسارة روحها حين يشعر الناس أن عليهم خفض أصواتهم الداخلية كي ينسجموا مع الصورة الغالبة.
الخوف الحقيقي لا يبدأ فقط حين يُمنع الناس من الكلام، بل حين يشعرون تدريجيًا أن عليهم تعديل وجودهم الداخلي كي لا يصطدموا مع المزاج الغالب. هنا تبدأ المدن بخسارة روحها، لا عبر العنف المباشر وحده، بل عبر إنتاج شعورٍ متراكم لدى المختلف بأنه أقل اطمئنانًا داخل الفضاء الذي يفترض أنه فضاؤه أيضًا.
والمشكلة أن هذا النوع من الاستعراض الرمزي لا يهدد الأقليات وحدها. فأي مجتمع يبدأ باختزال المجال العام في صورة واحدة للهوية، ينتهي تدريجيًا إلى تضييق المجال حتى على أبناء الأكثرية أنفسهم. اليوم يشعر المسيحي بالقلق، وغدًا يشعر الصوفي أنه مضطر للاختفاء، وبعده يشعر المسلم المختلف فكريًا أو اجتماعيًا بأنه مطالب بإثبات ولائه المستمر للنموذج الغالب. وعند هذه النقطة، لا يعود الخوف شأن الأقليات وحدها، بل يتحول الاختلاف نفسه — أيًّا كان شكله — إلى عبءٍ يومي داخل المجال العام.
هكذا تفقد المدن تعددها، وروحها بالتدريج.
ليس دفعةً واحدة، وليس عبر قرارٍ رسمي واضح، بل عبر الاعتياد البطيء على فكرة أن المجال العام يخص الأكثر قدرة على الحشد والضجيج واستعراض القوة الرمزية.
مسؤولية السلطة اليوم ليست فقط في حفظ الأمن بمعناه التقليدي، بل في منع المجال العام من الانزلاق إلى منطق الحشود المتقابلة. لأن التغاضي عن استعراضات الهيمنة الرمزية لا ينتج استقرارًا، بل يدفع المختلفين تدريجيًا إلى البحث عن أشكال مضادة من التكتل والخوف والاصطفاف. وعندها لن تبقى دمشق مدينةً يعيش فيها الناس معًا، بل ساحة جماعات تراقب بعضها بعضًا بقلق دائم.
دمشق التي نجت عبر تاريخها الطويل لأنها لم تُختزل بالكامل إلى قالب واحد، تبدو اليوم أمام اختبار جديد:
هل تبقى مدينةً تتسع لأشكال متعددة من الحياة والانتماء والتدين؟ أم تتحول تدريجيًا إلى مدينة يشعر المختلف داخلها بأنه مضطر إلى الانكماش المستمر كي يتجنب الصدام مع الصورة الغالبة؟
السؤال الحقيقي ليس إن كانت الرايات سترتفع اليوم أو غدًا، ولا إن كان الناس سيكبرون في الأعياد أو يحتفلون في الشوارع. السؤال الأعمق هو: كيف نحافظ على المجال العام بوصفه مساحة مشتركة يشعر الجميع داخلها أنهم أصحاب بيت، لا ضيوف مؤقتون تحت رحمة التوازنات المتغيرة؟
فالمدن لا تموت فقط بالقصف والحروب.
أحيانًا تموت حين يبدأ الناس بخفض أصواتهم داخلها، وحين يشعر المختلف أنه مطالب كل يوم بأن يعتذر بصمت عن مجرد كونه مختلفًا.