التاريخ الوطني
2025.10.29
د. ناديا خوست
لاحظنا في لقاء الرئيسين بوتين وترامب في ألاسكا زيارة الرئيس بوتين مقبرة الطيارين السوفييت الذين استشهدوا في ألاسكا خلال الحرب العالمية الثانية. بدت شواهد القبور وسط مرج أخضر، وضع الرئيس بوتين باقة ورد أمام كل منها. يعني ذلك أنها كانت محمية تحت سيادة أمريكية كأنها أرض ديبلوماسية، وأنها كرّمت بالورد مع أنها من مرحلة سابقة. وضّح ذلك السيد لافروف عندما سئل عن رمز الاتحاد السوفييتي على قميصه، فقال: الاتحاد السوفييتي جزء من تاريخنا! ذكّرني ذلك بأن في منطقة المزة بدمشق مقبرة بريطانية محمية أيضاً وهناك من يعنى بها. وبأني اشتريت من مكتبة في مدريد كتاباً كبيراً مصوراً عنوانه: إسبانيا العربية، يزهو بأن العرب جزء من التاريخ الوطني الإسباني.
كم عقد مضى مترعاً بالآلام كي يطوي الروس البيريسترويكا التي نشرت الخراب والبطالة والدعارة، وصخب أصحاب الجنسية المزدوجة الذين تصدّروها؟ وكم عقد مر من عذاب المسلمين الإسبان الذين استُعبدوا وكادت تدمر عمارتهم المدهشة التي أبدعوها، حتى أوقف ذلك ملك إسباني قال: "لا تهدموا العمارة التي لا توجد إلا هنا لتشيدوا عمارة موجودة في كل مكان"؟ أثمر ذلك التحذير حماية المدن العربية الإسبانية وترميمها وتسجيلها تراثاً إنسانياً. ثم أثمر الاعتداد الوطني بأن العرب جزء من تاريخ إسبانيا، واستلهم الفنان المعماري غاودي أساطيرها. وكم شكرناهم من بُعد، لأنهم حفظوا ما دمرناه ولا نزال ندمره من هويتنا المعمارية.
لا شك في أن العقلاء، بجهد عظيم مثابر، اجتازوا نفق الخراب الذي واكب الأحقاد الدينية والسياسية، وبحر العذاب الذي عانى منه الناس خلال الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى. لكنهم صححوا خلال ذلك ما عانت منه البنية السابقة. مثلاً، بالرغم من الثقافة الإنسانية التي أنجزها الاتحاد السوفييتي، ونشر تراث الكتاب الروس وأدائه بالمسرح والسينما، وبالرغم من تشييد المتاحف في أنحاء البلاد، وإنتاج الأفلام عن القياصرة والأبطال الوطنيين الروس، حُجبت في المرحلة السوفيتية فنون قصر الكرملين التي تعبّر عن ذوق القياصرة. وأهملت مكانة الأرثوذكسية في التربية الروحية الروسية. مع أن المعروف نظرياً أن المنظومات الفكرية والثقافية تتسع أو تضيق بمقياس القامات التي تتناولها، والخطر أن يستولي على السلطة الدينية جاهلون لا يحيطون برسالة الدين الإنسانية الواسعة.
بذلك التصحيح تألقت الأبنية التاريخية الروسية، وعادت الكنائس إلى وظيفتها الروحية، واتسع الفضاء العام للناس. في أول هذا الطريق الصعب استنجد المصلحون بالفن. غنى مغني الاوبرا العالمي خفرستوفسكي في الساحة الحمراء سنة 2003 أغاني الحرب الوطنية العظمى. وشيّد الوطنيون متحفاً عنها. وواجه الكتاب تشويه التاريخ الوطني. وطبعوا أعمالاً تنبش التخريب الصهيوني. ورسم الفنان غلازونوف في أيام التسعينيات الحالكة، لوحات كبرى تستلهم التاريخ الوطني.
تلك المحن ووسائل الانتصار عليها، دروس لجميع الشعوب. تشهد أن التاريخ الوطني أوسع بكثير من أنظمة سياسية هي لحظات فقط من حياة الدولة الوطنية، لها سابق ولاحِق. لذلك يُداوى الشعب المجروح بالاعتداد بتاريخه الوطني، سنده الروحي الذي نسجته الأجيال. ومن بلاغته أنه يمنع الغرور الذي يوهم بأننا خالدون، ويشهد أن لا ثبات في الكون، ولا يخلد منا غير أعمالنا الصالحة التي يُؤسس عليها التماسك الوطني. وما أغنانا بما في تاريخنا الوطني من شخصيات كبيرة تجسد ألوان المجتمع السوري: يوسف العظمة، وسعيد العاص، وسلطان باشا الأطرش، وهنانو، وصالح العلي، وفارس الخوري، وشكري القوتلي، وخالد العظم، ورفاقهم من رجال الاستقلال. على هذا الأساس نعتد بأن أهل الشام نظموا لشهداء أيار، ممثلي البورجوازية الوطنية المتنورة، أهزوجة: "زيّنوا شامنا، وهي مزينة"، وفهموا في وقت مبكر أن أولئك الشهداء هم ضحايا الدونمة.