حول ايديولوجيا التسلح
2025.10.22
يونس كامل صالح
لا يكاد يمر يوم إلا ونشاهد على شاشات الوسائل الإعلامية المرئية منظراً للآلاف من البشر في أوروبا وأمريكا وغيرهما من البلدان المتطورة يرفعون اللافتات ضد مشروعات التسلح، بينما القارئ في بلداننا عندما يُطالع عنواناً كبيراً في الصحف أو في وسائل الإعلام المرئية عن موضوع له صلة بالتسلح، فإن عينيه تبتعدان عادة عن هذا الموضوع. وتتحركان بحثاً عن عنوان آخر يتناول موضوعاً أقرب إلى اهتمامه، وأقوى جذباً لا نتباهه. هذه صورة مقابلة.
والصورتان تكشفان عن الفارق بين الوعيّ وانعدام الوعيّ. بين الاهتمام واللامبالاة. ففي الوقت الذي يطوي فيه الكثير من المثقفين في بلادنا أخبار التسلح على أساس أنّها "من شأن الآخرين" أو لأنّها ثقيلة معقدة الظل..... تتصدى النساء حاملات أطفالهن، في المجتمعات الواعيّة، لجنود مدججين بالسلاح كشاهد لتصدي الإنسانيّة للنزعات اللإنسانية، ووقوف أنصار الحياة في وجه دعاة الموت والدمار.
إن قضية التسلح اليوم تهم جميع الناس، ولها أوثق الصلات بالحياة اليومية لهم، ولهذا يتخذ الملايين من البشر الواعين موقفاً واضحاً ومحدداً من هذه القضية، ويتصدون بحزم وإصرار لتجار الموت. ولأنّ نوع الموت الذي تهددنا به أسلحة العصر لن يوفر أحداً، فواجب إنساننا أنّ يكون أكثر اهتماماً، وأنّ يفتح عينيه جيداً، ولا يقلب الصفحة، حين يقرأ خبراً من أخبار التسلح.
فما هي القضية بالضبط؟
إن لهذه القضية أبعاداً كثيرة، شديدة التعقيد، أولها الصراع بين الدول الرأسمالية من أجل تقاسم العالم، والتي انقسمت إلى دول غربية ودول شرقية. ويأخذ هذا الصراع في كثير من الأحيان طابعاً إيديولوجياً بين الشرق والغرب. والصراع يتمحور على امتلاك أكثر كتلة وهي العالم الثالث الذي يسعى إلى اللحاق بموكب التقدم، وينجح أحياناً، ويفشل أحياناً أخرى. وهكذا فإننا لو شئنا أنّ نلخص صراعات عالم اليوم في كلمة موجزة، لقلنا أنّها هي صراع بين المعسكر الرأسماليّ الغربيّ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على ما في هذا المعسكر من تناقضات، وبين المعسكر الرأسماليّ الشرقيّ الأقل تطوراً من أجل تقاسم العالم، ومن أجل التنافس على اجتذاب الكتلة الضخمة للعالم الثالث من جهة أخرى. وفي هذا الصراع بشقيه يقوم التسلح بدور أساسيّ.
إن النظام الرأسمالي في الغرب يستطيع إلى الآن أنّ يتحمل دون عناء كبير أعباء التسلح ونفقاته الباهظة. بل أنّ انتاج السلاح وتطويره وتجديده المستمر من أهمّ العوامل التي تساعد على استمرار هذا النظام في الحياة وازدهار اقتصاده وتشغيل مصانعه، وإيجاد فرص عمل جللعاطلين فيه.
بينما في الشرق فهو أقل تحملاً منه على هذه النفقات من الغرب الرأسماليّ نتيجة الفوارق من حيث تطورهما الاقتصاديّ. إلا أنّ هذه الحقيقة إذا استوعبناها جيداً أمكننا أنّ نفهم بوضوح طبيعة الدور الأيديولوجيّ الخطير الذي يؤديه التسلح في عالمنا المعاصر. فحين نستوعب هذه الحقيقة، نستطيع أنّ نعلل ظواهر كثيرة قد تبدو في نظرنا غير مفهومة. فلماذا كانت أهمّ التحديدات الحاسمة في ميدان التسلح تأتي من جانب هذين المعسكرين الرأسماليين؟
هذا التطور المستمر لا يعني فقط مزيداً من الروح العدوانية لدى مبتكريه، بلّ إنه موجه في الأساس نحو بعضهما البعض، والهدف الأساسيّ منه ليس عسكرياً حسب رأيي، بل هو اقتصاديّ بالدرجة الأولى مغطى بإطار أيديولوجي. إن المعسكرين الرأسماليين في صراعهما من أجل التغلب أحدهما على الآخر، أو بالحد الأدنى تحقيق التوازن. يحتم على كل قوة من القوتين أنّ تلحق الواحدة بالأخرى في قدراتها العسكرية. وكل تصعيد في مستوى التسلح ونفقاته يعني مزيداً من الإرهاق الاقتصاديّ لكلا الطرفين، وعلى الأخص الطرف الشرقيّ الأضعف اقتصادياً. ولقد أصبح التسلح اليوم يؤدي دوراً ايديولوجياً. وكل جديد من أسلحة الدمار الشامل يبتكره أحد المعسكرين، يرغم المعسكر الآخر على مواجهته بأسلحة مقابلة، إنّما هو وسيلة جديدة يصطنعها هذا العالم الرأسماليّ لكي يتغلب من جهة على أزماته الداخلية، من بطالة وغيرها، ولكي يرهق أحد المعسكرين المعسكر الآخر وينهك قواه من جهة أخرى.
لقد شاهدنا جميعاً، في أفلام رعاة البقر الأمريكية، منظراً لمواجهة بين مسلحين يقترب كل واحد منهما من الآخر ببطء ويده بقرب زناد مسدسه، وعرفنا من هذه الأفلام الأمريكية أنّ حياة الفرد كانت تتوقف على السرعة التي يسحب فيها أحده المسلحين مسدسه. وبوسعنا أنّ نقول أنّ هذين المعسكرين قد استطاعا نقل هذا المنظر بحذافيره إلى المستوى الدولي. وقد أصبح هذا المنظر واضحاً للعيان. إن سباق التسلح القائم حالياً ليس ضرورة تمليها ظروف عالمنا المعاصر. وليس إجراءً وقائياً يستهدف تحقيق الأمن للدول في عالم يسوده الصراع. إنه ببساطة إجراء يرمي إلى نقل المواجهة بين اقتصاديات وايديولوجيات البلدان الرأسمالية الكبرى في العالم من الميدان السلميّ إلى الميدان العسكريّ، محققاً بذلك أسباباً عدة أبرزها:
خدمة الاقتصاد القائم على النشاط الحر الذي يحقق الأرباح الهائلة للشركات عابرة الجنسية، ويحل كثيراً من مشاكله الداخلية عن طريق صناعة الأسلحة.
استنزاف موارد البلدان النامية وإضاعة فرصتها في تعويض التخلف وإبقائها في حالة اعتماد متزايدة على الدول التي تورد السلاح.
وهكذا فإننا لسنا على الإطلاق بعيدين عن المعركة، وإنّما هي تمس صميم مستقبلنا. وإذا كان المخططون الأصليون لعملية تصعيد التسلح يستهدفون في الإساس غايات أيديولوجية واقتصادية، فإنهم في سبيل ذلك يضعون العالم كله- وضمنه نحن- على فوهة بركان ويهددون بقاءنا ذاته في كل لحظة. وبالتالي إنها معركتنا جميعاً وعلينا التصدي لها بنفس الشجاعة التي يواجهها بها نساء وأطفال وآباء في مجتمعات تكشفت لها الحقيقة بكل ما فيها من بشاعة ومرارة.
وهي معركة ينبغي أنّ لا ينتصر فيها من يمتلك أسلحة الدمار، بل ينبغي أنّ يكون النصر النهائيّ فيها لمن يؤمن بالإنسان.