وطنية الدواليبي
2025.10.18
ناديا خوست
من حظ السوريين أن في تاريخهم الحديث شخصيات كبيرة يمكن أن يستلهموها في الأيام الصعبة. مثل سعيد الغزي، النزيه الذي سقط في الانتخابات التي أدارها في الخمسينيات من القرن الماضي. وخالد العظم، "الرأسمالي"، الذي تبين أن القطاع العام يدعم القطاع الخاص فسعى إلى اتفاقية كبرى مع الاتحاد السوفييتي. وسلطان باشا الأطرش الذي واجه مشروع التفتيت الفرنسي إلى دويلات فجمع السوريين بشعار الدين لله والوطن للجميع. قدّر أولئك الكبار موقع سورية الاستراتيجي، والصراع عليها، وتميزوا بسلامة البوصلة الوطنية التي ميزت الصديق من العدو. لذلك طلبوا، في السر عن الانتداب الفرنسي، التبادل الديبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي، مقدرين أن دولة عظمى يمكن أن تسند استقلالهم بعد نهاية الحرب العالمية. وقال جميل مردم، "اليميني" يوم أعلنت تلك العلاقات الديبلوماسية إن ذلك من أيامه العظيمة.
ذكرتني بكل ذلك زيارة العمل التي أنجزها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو وحديثه مع الرئيس بوتين عن العلاقات التاريخية بين البلدين. واستحضرتُ قول خالد العظم إنه لا يرى الشيوعية صالحة لبلادنا، لكنه يتجه إلى الشرق لأن الغرب المنحاز للعدو لا يمكن أن يساعدنا. وعبّر عن الموقف نفسه معروف الدواليبي.
سجل الدواليبي في مذكراته أنه استدعى السفير السوفييتي وقال له: "سأكون في حديثي معك على خلاف المعتاد. سأبدأ بعرض نقاط الضعف التي نعانيها. في الأمس في منتصف الليل استلمنا الحكم، وليس لدينا رواتب ولا سلاح. وإسرائيل حشدت قواها على حدودنا مهددة باحتلال سورية. سلاحنا أخذه عبد الناصر، ولما اتصلنا به رفض التفاهم. وأميركا غير معترفة بنا وقد تعطي الضوء الأخضر لإسرائيل فتهجم علينا. فهل نساوم على الصلح معها؟ حين رفضتم إعطاءنا السلاح إلا نقداً وبالدولار كنتم تساومون على الشيوعية. نقطة أخيرة أقولها لكم: أنا ضد الشيوعية في بلدي، ولكنني بحاجة إليكم". بعد يومين حمل السفير له رسالة من خروشوف: ليأخذ من السلاح ما يريد وليرسل بعثة لاستلامه، ويؤجل ثمنه! وتناول ما احتاجه من السلاح بسرعة من عبد الكريم قاسم في العراق ليرد عدواناً إسرائيلياً.
الذكرى الخالدة لأولئك الوطنيين الذين لم تهتز البوصلة في أيديهم، ولم يصب رؤيتهم الغبش.