الصورة النمطية عن إيران: دولة دينية مطلقة
2025.06.16
علي بدر
فقط للفهم وليس للدعاية.
غالبا ما تقدم إيران في الإعلام العربي ككاريكاتور مذهبي، صورة واحدة لدولة يحكمها الملالي، يتكلم فيها المرشد باسم الله، وتخضع مؤسساتها السياسية والاجتماعية لإملاءات دينية مطلقة.
في الواقع هذه الصورة، لا تشرح شيئا عن حقيقة إيران، ولا تنجح في فهم تناقضات الدولة والمجتمع في إيران، ولا تلتقط الصراع الرمزي في إيران.
ايران ليست دولية دكتاتورية هرمية، هي شبكة من المؤسسات المتفاوضة، صحيح أن النظام تأسس على فكرة الوليالفقيه وفق اجتهاد الخميني، لكن النظام السياسي الإيراني الحالي لا يطبقه، إنما هو عبارة عن شبكة من التوازنات المؤسسية المتضاربة، مجلس صيانة الدستور مقابل مجلس الشورى، الحرس الثوري مقابل الرئاسة، بيت الولي الفقيه مقابل التيارات الإصلاحية والدستورية، المرجعية التقليدية في النجف مقابل المرجعية السياسية في قم، الواقع إن الدين في ايران لا يحكم وحده، بل يتفاوض مع السوق، ومع القوميات، ومع الأجهزة، ومع تيارات فكرية إسلامية ويانية وماركسية وفردانية. والناس في قلب المجتمع ليسوا جميعا ملتزمين دينيا، لو نزلت إلى شوارع طهران، أو أصفهان، أو شيراز، راح تشوف شباب وشابات من دون حجاب، مثقفين ينتقدون النظام من داخل الجامعات والمنتديات، شعراء يتكلمون بلغة علمانية تتحدى النص الرسمي، كتابات فكرية تصدر من الداخل وتناقش ولاية الفقيه، بل وتنتقد حتى الدين، وهذه الطبقة المتوسطة المتعلمة، وتمثل قلب المجتمع الإيراني لا تقف مع النظام بالضرورة، لكنها أيضا ليست معارضة تقليدية. انما تبحث عن لغة ثالثة، لا تسقط الدين ولا تمجده، بل تحاول أن تضعه في مكانه الرمزي–الأخلاقي، لا السياسي، مدن ايران ليست فارسية بل هي تعددية قومية وثقافية، فرس وأذريون وتركما وبلوش وعرب واكراد. وهؤلاء، رغم الاختلاط يمتلكون ثقافتهم، لغاتهم، ومجتمعاتهم الخاصة التي تتفاعل مع الدولة لا بوصفها سلطة إلهية، بل كهيكل سياسي يجب التفاوض معه.
في ايران تنتج اهم الروايات، واكبر حركة ترجمة للفكر في الشرق الأوسط، وتنتج واحدة من أكثر السينمات راديكالية في العالم الإسلامي، كيف نفسر أن تنشأ أفلام مجازية وناقدة كأفلام أصغر فرهادي أو عباس كياروستامي داخل نظام ديني، المجتمع الإيراني تغذى قرونا على الشعر والتأويل، يملك قدرة غريبة على انتاج مدارس فكرية واجتماعية وسياسية وفلسفية بقدر ما ينتجه من مدارس فقهية.
الخلاصة إن الدين في إيران هو واجهة القوة، نعم، لكنه ليس القوة كلها. والدولة قمعية، نعم، لكن رغم مظهرها المتماسك، ليست كيانًا واحدًا، بل أرخبيل من القوى والمدارس الفقهية المتنوعة، أما المجتمع، فهو لا يعيش في ظل الخوف فقط، بل في ظل مفاوضة مستمرة مع الدولة، وفي ظل رمزية تفتح أبوابا لا نهائية.
ايران ليست بلد المساجد بل أيضًا بلد المنشآت الثقيلة، الصناعات المعقدة، ليست فقط عمامة تلوّح بالشعارات، بل بنية تحتية ضخمة وسط حصار طويل، أنشأت مدنًا صناعية، شبكة قطارات، جامعات محترمة، وتقنيات مختلفة للاستعمال اليومي، ايران دولة عميقة ماديًا، تقف على قاعدة إنتاج، لا على فراغ شعاراتي. رغم العقوبات، فقد استطاعت أن تسير شبكة قطارات، خطوط أنابيب، مصانع صلب، محطات نووية، ومراكز فضاء. هذا ليس دفاعا، بل توصيفا موضوعيا.
النظام الديني يهيمن، نعم، لكنه لم يكن قادرا على البقاء لولا أن تحته جهاز تكنوقراطي علمي يعمل في صمت، ويراكم معرفة، وينتج سلطة مادية.
ما يقال عن إيران غالبا يتوقف عند ظاهر السياسة. لكن تحت هذه السطحية المريحة، هناك بلد آخر. لم يكن الدين وحده بل تحالف معقد بين الميتافيزيقا والتقنية، بين الخيال السياسي والبنية التحتية. إيران تبدو للوهلة الأولى دولة رمزية تقودها العمائم، لكن في العمق شبكة متماسكة من بنى تحتية، قواعد صناعية، أنظمة تقنية، ومؤسسات إنتاجية تمكنت من النجاة بل والتوسع في ظل الحصار.
الدولة العميقة في إيران ليست فقط استخبارات ومؤسسات أمنية، بل "دولة صناعية صلبة تحركها إرادة تقنية لا تقل صرامة عن الإرادة الأيديولوجية. دولة لها لغة دينية على المنابر ولغة صناعية في الأرض الأولى تبرر السلطة، والثانية تحرسها. ولهذا، فالرؤية السطحية التي ترى إيران كنظام ملالي لا ترى شيئا من عمق تلك الدولة التي تعرف كيف تخلط الرمزية بالإنتاج، الدين بالبنية التحتية، والطقوس بالحسابات الهندسية. من لا يرى هذا، لن يفهم إيران. ومن يراها كدولة ملا واحد، لن يرى شيئا من نارها الرمزية، وصراعها الداخلي، وفرادتها التاريخية.