كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أمواج الوعي

مروان حبش- فينكس

شهدت بعض البلدان العربية جملة تحوّلاتٍ سياسية، ومرحلة سقوط “النظام العربي الرسمي المريض” هي مرحلةٌ لا يمكن الدفاع فيها عن واقع حال هذا النظام المريض أو القبول باستمراره، لكن التغيير المنشود ليس مسألة أهداف وشعارات فقط، بل هو أيضاً ممارسات وأساليب وتمييز دقيق في المراحل والأجندات والأولويات.
لا شك أن ظاهرة ما سمي الربيع العربي بما هي ظاهرة مستحدثة وغير مسبوقة في السياق السياسي العربي الحديث، خلفت الكثير من الجدل، وذلك بالنظر إلى طبيعة الأسئلة التي أفرزتها، والنتائج الآنية التي تمخّضت عنها. ولما كان "الربيع العربي" يتميز برأي الكثيرين بخاصية الفجائية، ولكن لا يجوز الاستغراب حين ملاحظة هذا الكم الهائل من الدراسات التي سعى أصحابها إلى رصد هذه الظاهرة وتحليلها معرفياً وسياسياً، والوقوف على إجاباتها الراهنة ورهاناتها.
إن الربيع العربي مقولة عامة لا تخلو من تعميم. كما أن تجارب بلدان الربيع العربي حمّالة أوجه، ونتائجها متباينة من بلد إلى آخر، وكل تجربة لها من الخصوصية التي يجعلها مختلفة عن تجارب الآخرين. وذلك على الرغم من بعض الملامح العامة التي قد يشترك فيها أكثر من بلد، والقاسم المشترك بينها جاء حول انتفاضة الشعوب التي كسرت حال الانغلاق في المجتمعات العربية، وأسّست لتاريخ جديد فاصل لا يمكن التراجع عنه، لكن ذلك لا يمكنه أن يكون سبباً كافياً لاستعجال نتائج الربيع العربي، ولا يمكن الحُكم على حركة في التاريخ بسرعة وسهولة، لأنها حركة جدل وصراع لا يُحسم مسبقاً، وهي الوعي التاريخي وجدل التاريخ ما بين النجاح والفشل، كما أن الأمر يحتاج إلى الدقّة بعيداً عن التفاؤل المفرط في الاعتقاد بأن التحوّل إلى الديمقراطية قد أصبح على الأبواب ـ وبعيداً، أيضاً، عن التشاؤم المحبط، لأن المعيار الحقيقي للتغيير لا يتمّ عبر الإطاحة بالأنظمة الحاكمة، فقط، وإنما بمدى ما يمكن إنجازه من عملية التغيير السياسي ـ الاجتماعي ـ الاقتصادي، وأن يستطيع تشكيل “قطيعة معرفية” في الثقافة السياسية والمجتمعية السائدة، تنتقل بالمجتمع من وضع سابق إلى وضع لاحق يردم الفجوة المعرفية والحاجة إلى مشروع بديل، مشروع حضاري جليّ وطَموح يستوعب مدارات عديدة منها السياسي والفكري ـ المعرفي، مشروع يتلاءم مع هذه اللحظة التاريخية، وبموجبه يصاغ المستقبل على أسس الديمقراطية الحقيقية والمواطنة، وقبول الآخر الذي يمثّل عنصر قوة إذا ما أُحسن توظيفه على طريق الاندماج الوطني.
ولكن "الربيع العربي" يشكل حدثاً تاريخياً غير مسبوق في السياق التاريخي العربي الحديث بالنظر إلى حالة الركود الذي عرفته المجتمعات العربية طوال عقود كثيرة. وهو ما زال مرحلة أولية في المسار العام لحركية التاريخ وهي مرحلة إجبارية للانتقال نحو الثورة الحقيقية من خلال ضرورة هضم الماضي وتصفية الحساب مع رموزه وطروحاته قبل المضيّ قدماً نحو المستقبل.
إن شرارة "الربيع العربي" بما هي ظاهرة اجتماعية ـ سياسية، ما زالت من منظور حياة الشعوب والحضارات لا تشكل إلا بداية البدايات، أو هي مرحلة التشكل الأولي الذي غالباً ما يشهد صراعاً محموماً بين الأطروحات والأطروحات المضادة، ويحتاج حيزاً زمنياً كافياً لبلورة الإطار الأنسب للإجابة على أسئلة المرحلة. وعندما تبرز هذه النتائج على السطح تحتاج إلى حيز زمني معلوم لتكسب مشروعيتها العملية على مستوى الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة.
إن حياة الإنسان تتأثر بثقافته ووعيه، وكلما كان أكثر ثقافةً ووعياً، كانت حياته أرقى وأفضل، إذن فالثقافة والوعي لهما تأثير كبير على حياة الإنسان في مختلف المجالات، وهما ليس أمراً ترفياً كمالياً، لأن ممارسات الإنسان ومواقفه تنطلق من قناعاته وأفكاره، والثقافة الأفضل تنتج قناعات ورأياً أفضل، ينعكس على سلوكه وتصرفاته، كما يقاس مستوى تقدم أيّ مجتمع من المجتمعات، بمقدار فاعلية حركة الوعي والثقافة في أوساطه، فعلى أساسها تتحدد مكانة المجتمع، وتصاغ شخصيات أبنائه.
إن العلاقة بين الثقافة والوعي، هي علاقة جدلية، فكما أن الثقافة تستطيع أن تنمّي الوعي وتجدده، فكذلك الوعي يستطيع أن يثور على الثقافات البالية، ولهذا فتجديد الثقافة يعني تجديد الوعي، وتجديد الوعي يعني تجديد الثقافة، ومما لا شك فيه أن الوعي إذا بلغ هذا المستوى من النضج الذي يمكّنه من التمييز بين ما يخدم التطور وما يقف عائقاً في وجهه، لا يبقى منحصرا في إدراك جوانب الواقع، بل يتعدى ذلك إلى إدراك نفسه كوعي. فالإنسان الذي يأخذ على عاتقه تغيير الواقع من مستوى معين إلى مستوى أفضل هو الإنسان الذي يعي واقعه، ووعيه في الوقت نفسه، وما لم ينصهر الوعي داخل عقلية المجتمع، فإن التخلف الفكري سيبقى مهيمناً بأدواته ووسائله تحت منظومة من التصورات والمفاهيم والعادات التي تسيطر على المجتمع وتقاوم نهضته وتنميته. ولذلك فإن إدراك قيمة الوعي والثقافة في عصر توفّرت فيه وسائل العلم والمعرفة، بات ضرورة وليس ترفاً.
أصبح التغيير مفهوماً حاضراً بشكل متزايد في الخطاب المجتمعي، الذي رأى في الأفق شمساً تُشرق، وعلى الحاكم أن يدرك بأن التغيير أصبح قدراً ولذا لا يمكن قياس مستوى تقدم شعب من الشعوب إلا بمقدار فاعلية حركة الوعي والثقافة في تركيبته المجتمعية، ومع ذلك، ففي كل مجتمع هناك فئة فاعلة ومنفتحة قادرة على الحركة والاشتغال، وفئة أخرى مناهضة للتغيير لا يميزها عن الأولى سوى التشدد والانغلاق، ما يجعل تقدم المجتمع وتطوره مرهوناً بأيّهما الأكثر قدرة على الإمساك بزمام الأمور وبالتالي التأثير في الساحة.
إن الواقع يقول بأن ثقافة الاستبداد الفردي، والشمولي شكلت نمطاً من وعيين متناقضين، وعي التخلف في عمقه وفي تركيبته من مفاهيم وتقاليد وممارسات رسخت تخلفاً فكرياً في بعض الشرائح الاجتماعية، وعرقلة مسار التطور المجتمعي. والوعي الثاني وعي التطور والسير نحو المستقبل للتغيير السياسي والثقافي والحداثة الفكرية، وبناء دول المواطنة في أنظمة ديمقراطية لرفع المستوى الثقافي والفكري لمجتمعاتها بتعاون منظمات المجتمع المدني، ومؤسساته التعليمية والتربوية والإعلامية، منطلقة من إفساح مساحة أكبر لحرية التعبير والإبداع وقبول التعددية واختلاف الآراء وتنوع المشارب والمذاهب، بالحداثة الفكرية والثقافية، أي إنتاج وعي ثقافي وفكري وتنموي في المنظومة الاجتماعية. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية