«نحنُ نجتاز الحياة ولا نعيشها».. أن نكون.. ذاكَ هو الجواب!
2016.04.23
أن تكون طبيعيّاً، بمفهوم المعيش، كائناً سويّاً، عاديّاً يرضى عنكَ المجتمع، ويضمّكَ إلى قطيعه، سائراً بهدي تعاليمه وقيمه القارّة؛ فتلك ميزة عند البعض تدعى التّأقلم، وما هي سوى ميزةُ التّهجين وإيثار المواربة، والظلّ، وهي تقودُك لتصبحَ مجرّد رقم، فهل تستطيع؟!.
ولحسن الحظّ أنّ هناك من يرفضٌ التّهجين ولا يقبل التأقلم إلّا بشروطه هو، تلك التي يسعى جاهداً لخلقها، الشروط الصحيّة لبيئة إنسانيّة طبيعيّة واجتماعيّة نظيفة مفتوحة على فضاءاتِ الحريّة والخلق. وهنا تكمن المحنة والمكابدة، لأنّها قد تنتهي بأصحابها من المغامرين الجميلين إلى التهلكة أو الجنون.. أولئك الذين لم يسيروا في الركب إلى حيث تقودهم الخطا العمياء والقدريّة، الذين حاولوا أن يخلقوا أسطورتهم الخاصّة، لترتقي البشريّة والكائن معاً.
ثمّة أسطورة لدى كلّ كائن، تسعى للتّحقّق لكنها تخبو وتنام مع الأيام، حسب طاقة صاحبها وعلوّ سقف تحمّله ومغامرته، وسرعان ما تتحوّل الحياة لدى الكثيرين إلى مجرّد اعتياد، على مبدأ «نعيش لنأكل»، لقد خاض الفيلسوف «نيتشه» تجربتين غير عاديّتين، ليصلَ إلى سؤال الحياة الكبير/ لماذا؟.
تجربتان أنارتا مجرى حياته وفلسفته بعمق، الأولى كانت وهو تلميذ بصحّةٍ عليلةٍ، يشرحها بقوله: «بالأمس كانت عاصفة مقبضة، معلّقة في السماء، أسرعتُ إلى تلّةٍ قريبة، على قمّة التلّ رأيت كوخاً بداخله رجل يضرب ولدين بينما ابنه يراقبه، وانفجرت العاصفة بفرقعةٍ هائلة من البرق والرعد، انتابني شعورٌ لا يمكن وصفه من اللّذة والحيويّة، البرق والعاصفة عالمان مختلفان، قوى منطلقة بلا أخلاقيّات، إرادة خالصة دون اضطراب المثقّف.. يا للسعادة.. يا للحريّة». والتجربة الثانية كانت بعد مضي خمس سنوات، خلال الحرب البروسيّة سنة/ 1870/ وكان في الثانية والعشرين من عمره، يعمل مع وحدة إسعاف، وكم أمرضه سفك الدماء والبؤس، وضعفت صحّته مرّة ثانية، وذات مساء، بعد يوم شاق مع الجرحى، بينما كان يسير قرب «تراسبورج» مرهقاً، سمع فجأةً خطوات خلفه ووقع أقدام جنودٍ مشاة، عرف بهم أنّهم وحدته الذّاهبة إلى الميدان. منظر هؤلاء الجنود يسيرون بهذه السّعادة والحيويّة، ملأه بشعورٍ عارم بالقوّة، فكتب يقول: «إنّ أقوى وأسمى إرادة للحياة ليست في الكفاح الهزيل للبقاء حيّاً بأيّ ثمن، بل في إرادة الحرب، إرادة القوّة». اتّضح بالتجربتين لـ«نيتشه» أنّ الصراع الوجودي هو بين الكفاح التّافه للبقاء على قيد الحياة مهما كان الثمن وإرادة القوّة.
تلك هي الحياة أن تجعل سؤالك الوجودي واضحاً منذ البداية، فكلّ ما وصلته البشريّة مبنيٌّ على إرادة الفعل والقوة والتّفاؤل، لكن بما أنّ الناس يميلون لأن يكونوا عاديّين، فهل يعني ذلك أنّهم ضيّعوا حياتهم سدى؟. المسألة ليست بالبساطة المتصوّرة، فـ «نيتشه» قضى حياته كلّها في محاولة فهم سؤال الوجود من خلال «قمة تل» لكنه فشل ومات مجنوناً، ولكلّ كائنٍ تلّتُه وكشوفه.. وبروقه واستطاعته على التّشوّف والأسئلة الكبيرة.
السّعادة طائرٌ يغرّد في باحة الدار، تلك مقولة الجميل، العاشق للحياة الخلّاقة دوماً «زوربا» ولكن إيّاك الانتظار، لتأتيكَ لحظة الكشف، قد لا يكون لأكثرنا تجارب كرؤية «نيتشه»، كما أننا لا نحبّذ الجنون ولا الانتحار. ما نحتاجه هو المزيد من التوازن، والقوّة النفسيّة المجبولة بتجارب الحياة ومكابداتها وعذوبتها وعذاباتها، والقراءة التفكيكيّة للمنظومات التي توارثناها، من دون تفكير بها كبداهات لا تقبل الشّكّ، ما أكثر المطمور، والمهمّش في تاريخنا، المنتظر لمن يزيل الغبار عنه!.
وعلى المقلب الآخر للمسألة، لكلّ منّا تجارب عالية تشبه ذاته، لحظات من اليقين والشّكّ الهائلين، نمرّ بهما بشكلٍ دوري وحين تتلاشى الزّوابع والومضات، نجد أنفسنا أمام تساؤلات جديدة. هل كان ذلك نوعاً من الوهم؟ أم إنّ الرّوتين المزعج لواقع الحياة هو الوهم؟. ما يلزمنا هو شيء أشبه ببروق الرغبة الجنسيّة التي تكسبنا المزيد من الفاعلية، والتّكثيف والأحاسيس العالية بأهميّة وجودنا، وكذلك ما يشبه غيوم لحظة الكتابة واستمطار الحروف، وكأنّنا نتحرّك بقوّة البخار الشّفيف التي توجّهنا بالطريقة ذاتها التي يثير بها صوت البوق فرس الحرب.
«أرخميدس» حين صرخ «وجدتها.. وجدتها».. كان على قمّة تلّةٍ تشبه تطلّعاته. و«نيوتن» حين جذبته تفاحة المعرفة، كان يراقب سقوطها من أعلى تلٍّ في شساعة المرأة، والأمّ الأولى «حوّاء» حين حرّضت المعرفة والسؤال لدى «آدم» كانت على تلّةٍ بكر تكتبُ أمومة الكون أيضاً، والحسناء التي أرضعت المتوحّش «أنكيدو» وهدته إلى الأنسنة، وساقية الحانة التي أبهجت روح «جلجامش» وأنارت له خطاه ليغدو واقعيّاً أكثر فأكثر، كانتا تتربّعان على تلّة الفردوس المفقود نفسها.
«واصلت الرياح هبوبها الشديد، أعلم أن الجو بارد وماطر، وأنّ المطر يهطلُ وربما عليّ أن أشتري الصّمغ غداً لا أفعل شيئاً ولكنني أفعل الشيء الأهم: استمع إلى ما كنت أحتاج إلى سماعه في نفسي، وبدأتُ أستمع إلى روحي كانت تتوق إلى التحدّث معي، ولكني كنت مشغولاً طيلة الوقت»، هذا ما قاله «كويللو» في إحدى رواياته. ألا نتلمّس في قوله، كم نحن بحاجة إلى إتقان موهبة الإصغاء لنبض الوجود، وقبل كلّ شيء إلى نبض أنفسنا في زمن الصخب والضوضاء التي نعيش، لنلتفت أكثر إلى شحوبَ أرواحنا وأسئلتنا المغيّبة تحت قشور الحياة السّطحيّة؟!.
يدعونا الفيلسوف الجمالي «باشلار» إلى تجربة أبسط، فقط أن نتأمّل شمعة في بوحها: «تدعونا الشّعلة إلى النظر لأوّل مرة: فنكوّن منها ألف ذكرى، ونحلم بها كلّها في شخصيّة ذاكرة قديمة جدّاً، ومع ذلك نحلم بها كما يحلم الجميع، ونتذكر مثلما يتذكر كل الناس، والحال، فإنّ الحالم يعيش، وفقاً لواحد من قوانين الحالوميّة الأكثر ثباتاً في مواجهة الشّعلة، يعيش في ماضٍ لم يعد ماضيه وحده، يعيش في ماضي نيران العالم الأولى».
لابدّ من إطلاق السّهم في الفضاء ومتابعته بمثابرة وجهد حقيقي للوصول إلى الهدف يقول الشّاعر«روبرت فروست»: «انفتح أمامي، في الغابة طريقان، سلكتُ الطريق الذي قلّما يسلكه النّاس، فتميّزت عنهم». وتقول الأسطورة: رفعت «باندورا» الغطاء فاندفعت الشرور كلها وعمّت العالم وبقي في الصندوق شيء واحد هو الأمل، ما أحوجنا إلى الأمل فلنفتح صندوق «باندورا» وكل الصناديق المغلقة حولنا وفي قلوبنا ومنظوماتنا الفكرية التي صدأت أقفالها، ولنطلق، بلا خشية طائر الأمل كي يغرّد من جديد.
«برتداند راسل»، من ألمع فلاسفة القرن العشرين، أجاب بطريقةٍ فكاهيّة عميقةٍ عن السؤال: «لو كان هناك جحيم ونعيم لاخترتُ الذهاب إلى الجحيم، لأتجنّب رؤية القدّيسين، ولا شك فالنعيم سيكون مملوءاً بمثل هذه الأجساد العثّة وبالقديسين الأغبياء، أعتقد أنّي لستُ قادراً على تحمّل معاشرة هؤلاء ولو دقيقة واحدة، أو تخيّل نفسي محوطاً إلى الأبد، بتلك الأجساد التي ما عرفت الحبّ يوماً، التي ما عرفت معنى الصّداقة، ولا أمضتْ يوم عطلةٍ في حياتها» القدّيس هو قدّيس على مدار الأسبوع، ليس مسموحاً أن يرتاح من قدسيّته، ولو يوماً واحداً في الأسبوع؟ حتى يوم الأحد ليتمتّع به كإنسان عادي، على العكس يبقى إنساناً قاسي القلب وقساوة القلب هذه تزداد مع الأيام. ويعلّق«أوشو» على ذلك بقوله: «إني أقدّر اختيار «رسل» للجحيم لأنّي أفهم دوافعه وما يرمي إليه اختياره هذا، فهو يريد القول: في الجحيم ستجد بشراً مفعمين بالحيويّة، ستجد الشّعراء، الرسامين، والثّوار والعلماء والمبدعين والراقصين والممثلين والمغنين والموسيقيّين، فالجحيم يجب أن يكون النعيم، لأنّ النعيم هو لا شيء، بل جحيم.
أوس أحمد أسعد
تشرين
ولحسن الحظّ أنّ هناك من يرفضٌ التّهجين ولا يقبل التأقلم إلّا بشروطه هو، تلك التي يسعى جاهداً لخلقها، الشروط الصحيّة لبيئة إنسانيّة طبيعيّة واجتماعيّة نظيفة مفتوحة على فضاءاتِ الحريّة والخلق. وهنا تكمن المحنة والمكابدة، لأنّها قد تنتهي بأصحابها من المغامرين الجميلين إلى التهلكة أو الجنون.. أولئك الذين لم يسيروا في الركب إلى حيث تقودهم الخطا العمياء والقدريّة، الذين حاولوا أن يخلقوا أسطورتهم الخاصّة، لترتقي البشريّة والكائن معاً.
ثمّة أسطورة لدى كلّ كائن، تسعى للتّحقّق لكنها تخبو وتنام مع الأيام، حسب طاقة صاحبها وعلوّ سقف تحمّله ومغامرته، وسرعان ما تتحوّل الحياة لدى الكثيرين إلى مجرّد اعتياد، على مبدأ «نعيش لنأكل»، لقد خاض الفيلسوف «نيتشه» تجربتين غير عاديّتين، ليصلَ إلى سؤال الحياة الكبير/ لماذا؟.
تجربتان أنارتا مجرى حياته وفلسفته بعمق، الأولى كانت وهو تلميذ بصحّةٍ عليلةٍ، يشرحها بقوله: «بالأمس كانت عاصفة مقبضة، معلّقة في السماء، أسرعتُ إلى تلّةٍ قريبة، على قمّة التلّ رأيت كوخاً بداخله رجل يضرب ولدين بينما ابنه يراقبه، وانفجرت العاصفة بفرقعةٍ هائلة من البرق والرعد، انتابني شعورٌ لا يمكن وصفه من اللّذة والحيويّة، البرق والعاصفة عالمان مختلفان، قوى منطلقة بلا أخلاقيّات، إرادة خالصة دون اضطراب المثقّف.. يا للسعادة.. يا للحريّة». والتجربة الثانية كانت بعد مضي خمس سنوات، خلال الحرب البروسيّة سنة/ 1870/ وكان في الثانية والعشرين من عمره، يعمل مع وحدة إسعاف، وكم أمرضه سفك الدماء والبؤس، وضعفت صحّته مرّة ثانية، وذات مساء، بعد يوم شاق مع الجرحى، بينما كان يسير قرب «تراسبورج» مرهقاً، سمع فجأةً خطوات خلفه ووقع أقدام جنودٍ مشاة، عرف بهم أنّهم وحدته الذّاهبة إلى الميدان. منظر هؤلاء الجنود يسيرون بهذه السّعادة والحيويّة، ملأه بشعورٍ عارم بالقوّة، فكتب يقول: «إنّ أقوى وأسمى إرادة للحياة ليست في الكفاح الهزيل للبقاء حيّاً بأيّ ثمن، بل في إرادة الحرب، إرادة القوّة». اتّضح بالتجربتين لـ«نيتشه» أنّ الصراع الوجودي هو بين الكفاح التّافه للبقاء على قيد الحياة مهما كان الثمن وإرادة القوّة.
تلك هي الحياة أن تجعل سؤالك الوجودي واضحاً منذ البداية، فكلّ ما وصلته البشريّة مبنيٌّ على إرادة الفعل والقوة والتّفاؤل، لكن بما أنّ الناس يميلون لأن يكونوا عاديّين، فهل يعني ذلك أنّهم ضيّعوا حياتهم سدى؟. المسألة ليست بالبساطة المتصوّرة، فـ «نيتشه» قضى حياته كلّها في محاولة فهم سؤال الوجود من خلال «قمة تل» لكنه فشل ومات مجنوناً، ولكلّ كائنٍ تلّتُه وكشوفه.. وبروقه واستطاعته على التّشوّف والأسئلة الكبيرة.
السّعادة طائرٌ يغرّد في باحة الدار، تلك مقولة الجميل، العاشق للحياة الخلّاقة دوماً «زوربا» ولكن إيّاك الانتظار، لتأتيكَ لحظة الكشف، قد لا يكون لأكثرنا تجارب كرؤية «نيتشه»، كما أننا لا نحبّذ الجنون ولا الانتحار. ما نحتاجه هو المزيد من التوازن، والقوّة النفسيّة المجبولة بتجارب الحياة ومكابداتها وعذوبتها وعذاباتها، والقراءة التفكيكيّة للمنظومات التي توارثناها، من دون تفكير بها كبداهات لا تقبل الشّكّ، ما أكثر المطمور، والمهمّش في تاريخنا، المنتظر لمن يزيل الغبار عنه!.
وعلى المقلب الآخر للمسألة، لكلّ منّا تجارب عالية تشبه ذاته، لحظات من اليقين والشّكّ الهائلين، نمرّ بهما بشكلٍ دوري وحين تتلاشى الزّوابع والومضات، نجد أنفسنا أمام تساؤلات جديدة. هل كان ذلك نوعاً من الوهم؟ أم إنّ الرّوتين المزعج لواقع الحياة هو الوهم؟. ما يلزمنا هو شيء أشبه ببروق الرغبة الجنسيّة التي تكسبنا المزيد من الفاعلية، والتّكثيف والأحاسيس العالية بأهميّة وجودنا، وكذلك ما يشبه غيوم لحظة الكتابة واستمطار الحروف، وكأنّنا نتحرّك بقوّة البخار الشّفيف التي توجّهنا بالطريقة ذاتها التي يثير بها صوت البوق فرس الحرب.
«أرخميدس» حين صرخ «وجدتها.. وجدتها».. كان على قمّة تلّةٍ تشبه تطلّعاته. و«نيوتن» حين جذبته تفاحة المعرفة، كان يراقب سقوطها من أعلى تلٍّ في شساعة المرأة، والأمّ الأولى «حوّاء» حين حرّضت المعرفة والسؤال لدى «آدم» كانت على تلّةٍ بكر تكتبُ أمومة الكون أيضاً، والحسناء التي أرضعت المتوحّش «أنكيدو» وهدته إلى الأنسنة، وساقية الحانة التي أبهجت روح «جلجامش» وأنارت له خطاه ليغدو واقعيّاً أكثر فأكثر، كانتا تتربّعان على تلّة الفردوس المفقود نفسها.
«واصلت الرياح هبوبها الشديد، أعلم أن الجو بارد وماطر، وأنّ المطر يهطلُ وربما عليّ أن أشتري الصّمغ غداً لا أفعل شيئاً ولكنني أفعل الشيء الأهم: استمع إلى ما كنت أحتاج إلى سماعه في نفسي، وبدأتُ أستمع إلى روحي كانت تتوق إلى التحدّث معي، ولكني كنت مشغولاً طيلة الوقت»، هذا ما قاله «كويللو» في إحدى رواياته. ألا نتلمّس في قوله، كم نحن بحاجة إلى إتقان موهبة الإصغاء لنبض الوجود، وقبل كلّ شيء إلى نبض أنفسنا في زمن الصخب والضوضاء التي نعيش، لنلتفت أكثر إلى شحوبَ أرواحنا وأسئلتنا المغيّبة تحت قشور الحياة السّطحيّة؟!.
يدعونا الفيلسوف الجمالي «باشلار» إلى تجربة أبسط، فقط أن نتأمّل شمعة في بوحها: «تدعونا الشّعلة إلى النظر لأوّل مرة: فنكوّن منها ألف ذكرى، ونحلم بها كلّها في شخصيّة ذاكرة قديمة جدّاً، ومع ذلك نحلم بها كما يحلم الجميع، ونتذكر مثلما يتذكر كل الناس، والحال، فإنّ الحالم يعيش، وفقاً لواحد من قوانين الحالوميّة الأكثر ثباتاً في مواجهة الشّعلة، يعيش في ماضٍ لم يعد ماضيه وحده، يعيش في ماضي نيران العالم الأولى».
لابدّ من إطلاق السّهم في الفضاء ومتابعته بمثابرة وجهد حقيقي للوصول إلى الهدف يقول الشّاعر«روبرت فروست»: «انفتح أمامي، في الغابة طريقان، سلكتُ الطريق الذي قلّما يسلكه النّاس، فتميّزت عنهم». وتقول الأسطورة: رفعت «باندورا» الغطاء فاندفعت الشرور كلها وعمّت العالم وبقي في الصندوق شيء واحد هو الأمل، ما أحوجنا إلى الأمل فلنفتح صندوق «باندورا» وكل الصناديق المغلقة حولنا وفي قلوبنا ومنظوماتنا الفكرية التي صدأت أقفالها، ولنطلق، بلا خشية طائر الأمل كي يغرّد من جديد.
«برتداند راسل»، من ألمع فلاسفة القرن العشرين، أجاب بطريقةٍ فكاهيّة عميقةٍ عن السؤال: «لو كان هناك جحيم ونعيم لاخترتُ الذهاب إلى الجحيم، لأتجنّب رؤية القدّيسين، ولا شك فالنعيم سيكون مملوءاً بمثل هذه الأجساد العثّة وبالقديسين الأغبياء، أعتقد أنّي لستُ قادراً على تحمّل معاشرة هؤلاء ولو دقيقة واحدة، أو تخيّل نفسي محوطاً إلى الأبد، بتلك الأجساد التي ما عرفت الحبّ يوماً، التي ما عرفت معنى الصّداقة، ولا أمضتْ يوم عطلةٍ في حياتها» القدّيس هو قدّيس على مدار الأسبوع، ليس مسموحاً أن يرتاح من قدسيّته، ولو يوماً واحداً في الأسبوع؟ حتى يوم الأحد ليتمتّع به كإنسان عادي، على العكس يبقى إنساناً قاسي القلب وقساوة القلب هذه تزداد مع الأيام. ويعلّق«أوشو» على ذلك بقوله: «إني أقدّر اختيار «رسل» للجحيم لأنّي أفهم دوافعه وما يرمي إليه اختياره هذا، فهو يريد القول: في الجحيم ستجد بشراً مفعمين بالحيويّة، ستجد الشّعراء، الرسامين، والثّوار والعلماء والمبدعين والراقصين والممثلين والمغنين والموسيقيّين، فالجحيم يجب أن يكون النعيم، لأنّ النعيم هو لا شيء، بل جحيم.
أوس أحمد أسعد
تشرين