كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

معن حيدر: من أسرار المهنة... بين الاستديو والكاميرا المحمولة

كان أول عمل لي في التلفزيون السوري في دائرة (المراقبة العامة والاستديوهات)، التي هي العمود الفقري وعصب العمل التلفزيوني، وينقسم عملها إلى شقّين رئيسيين: المراقبة والتحكم هندسياً Master control لكل ما يجري في أقسام التلفزيون الهندسية من تجهيزات ونظم، والشق الآخر هو الاستديوهات وهو محور حديثنا في المنشور هذا.
سرعان ما اندمجت بالعمل في الدائرة، وأصبحت جزءاً من كادر العمل الهندسي لأغلب الأعمال التي كانت تسجل في لاستديوهات، وفي استديو الدراما (وكان يطلق عليه استديو 2) الأمر الذي أتاح لي الإتدماج في العمل الدرامي بشكل فعّال
وما أعنيه بالانتقال من الاستديوهات إلى الكاميرات المحمولة، وخاصة في مجال الدراما، هو الانتقال من التصوير ضمن الاستديو إلى التصوير الخارجي في الأماكن الواقعية (سوق، شارع، مكتب، منزل، عيادة طبيب، مدرسة...)، وكما نعلم فإن التصوير ضمن الاستديو محكوم بضيق المكان وبالديكورات المصنّعة وبالإضاءة (الصناعية) المستخدمة في التصوير (مقابل الإضاءة الطبيعية خارج الاستديو)...
والاستديوهات التلفزيونية عبارة عن بناء مكعب الشكل، ترتبط أبعاده الثلاثة بعلاقة معينة تحقق (جواً صوتياً) يؤمّن جودة الصوت ضمن الاستديو وعدم وجود صدى، وتكون جدرانها (وأبوابها) معزولة بشكل محكم عن الأصوات الخارجية، و أحجامها تتراوح بين الصغيرة (وتستخدم للإرسال على الهواء، وكانت تستخدم للأخبار أيضاً، أما الآن فقد أصبحت الأخبار تبث من صالات التحرير نفسها) أو متوسطة الحجم (وتستخدم لتسجيلات البرامج المختلفة) وكبيرة الحجم وتستخدم للدراما وبرامج المنوعات...
ويلحق بالاستديو غرفة ملاصقة له تسمى (غرفة التحكم Control room، ويمكن أن نطلق عليها غرفة الإخراج.
تتواجد ضمن الاستديو الكاميرات (وغالباً عددها أربعة)، وشبكة الإضاءة (بروجكتورات مركبة على شبكة معدنية مربوطة إلى سقف الاستديو)، تجهيزات الصوت (مكرفونات مختلفة الأنواع والحجوم وسبيكرات "مجاهير" للتسميع ضمن الاستديو)، وطبعاً الأثاث والديكورات والإكسسوارات.
أما غرفة التحكم فتضم: مازج الصورة، وهو جهاز الإخراج، عبارة عن جهاز الكتروني تُدخل إليه صور الكاميرات الأربعة وصور مصادر أخرى، يقوم المخرج في كل مرة، بانتقاء صورة أحد تلك المصادر حسبما تقتضيه طبيعة العمل..
ومازج الصوت أيضاً هو جهاز إلكتروني تُدخل إليه أصوات المكرفونات في الاستديو مع أصوات المصادر الخرى الداخلة إلى مازج الصورة، ويقوم فني الصوت العامل على المازج بمتابعة المخرج لانتقاء الصوت المطلوب.
ويوجد أيضاً جهاز التحكم بالإضاءة، بحيث يشغل البروجكتورات الخاصة بكل مشهد يتم تصويره، وأيضاً يقوم بتحديد شدة إضاءة كل بروجكتور على حدة حسبما يتطلبه المشهد، ولكل مشهد يلزم استخدام من أربعة إلى ستة بروجكتورات وسطياً منها ما يسلط على واجهة المشهد (وهي وجوه المقدمين أو الممثلين) ومنها ما يسلط على العمق أو الخلفية، ومنها ما يستخدم لإعطاء مؤثرات وأجواء خاصة.
في الأعمال الدرامية (المسلسلات) يقوم المخرج بالتعاون مع كادر الإخراج المؤلف من مدير الإنتاج ومساعد المخرج والمخرج المساعد ومهندس الديكور، بقراءة النص (السيناريو)، ثم (تفريغه) أي:
-تقسيمه إلى مشاهد، وتطلق كلمة (المشهد) على جزء من المسلسل مدته لا تزيد عن دقائق معدودة ويكون له رابط مكاني وزماني وموضوعي (مثلاً حوار بين زوج وزوجته في غرفة الجلوس).
-ثم تقسيم المشاهد حسب زمنها: نهاري داخلي – نهاري خارجي – ليلي داخلي – ليلي خارجي
- تقسيم المشاهد حسب موقع التصوير (Location): غرفة جلوس – عيادة..
- حصر عدد مشاهد التصوير كاملة وترقيمها، ثم عدد مشاهد كل نوع من أنواع مواقع التصوير..
وبعد ذلك يتم بناء الديكورات لتلك المواقع ضمن الاستديو، ويستوعب الاستديو وسطياً ديكورات أربعة مواقع تصوير (مثلاً: غرفة جلوس، صالون، غرفة استقبال، غرفة نوم ..)، وهي عبارة عن ثلاثة جدران دون سقف..
أما موضوع الليلي والنهاري فيتم التحكم فيه بواسطة الإضاءة
بعد التحضير لكل تلك الأعمال يبدأ تصوير المشاهد مشهداً مشهداً.. ولكن ليس بالتسلسل الزمني المكتوب في السيناريو، وإنما حسب مواقع التصوير، فيتم تصوير كافة المشاهد التي تتم في غرفة الجلوس (مثلاً)، ثم في غرفة الاستقبال... وهكذا، أي أنه يمكن أن نبدأ التصوير بالمشهد رقم 14 وبعده المشهد رقم 57 وبعده رقم 700.. لذلك يُكتب اسم المشهد ورقمه وموقع التصوير على قطعة معدنية تسمى (كلاكيت) وتصور قبل كل مشهد لأجل عملية المونتاج..
++التصوير في الاستديو يتم غالباً بثلاثة كاميرات دفعة واحدة، توزع هذه الكاميرات على ثلاثة محاور وفق وجهة نظر المشاهد، فإذا أخذنا كمثال: الحوار بين زوجين في غرفة الجلوس، فإن الكاميرا الأولى تسلط على الزوج، الثانية تسلط على الزوجة، أما الثالثة فتأخذ لقطة عامة للمشهد ككل ضمن غرفة الجلوس، وبعد أن يأخذ الممثلون أماكنهم في موقع التصوير، تشّغل الإضاءة، وترّكب المكرفونات (قديماً كان يدلى من سقف الاستديو مكرفون حساس وذو جودة عالية في وسط موقع التصوير، أو كان يخصص عامل صوت يحمل عصا طويلة تسمى بوم يُركب عليها المكرفون ويدليه فوق رأس الممثل، أما حديثاً فقد أصبحت تستخدم مكرفونات لاسلكية صغيرة بحجم حبة الحمص، تعلّق في أماكن مخفية من ثياب الممثلين)، يقوم المخرج في غرفة الإخراج، ومن خلال الشاشات التي تنقل له صورة الكاميرات في الاستديو، باختيار صورة إحدى الكاميرات حسب تسلسل المشهد، مثلاً: كاميرا 1 ثم 3 ثم 2 ثم 3 ثم 1... ويتم تصوير المشهد دفعة واحدة، وكما ذكرنا فإن أطول مشهد لا يتجاوز غالباً خمس دقائق...
++ أما التصوير بالكاميرا المحمولة فيختلف في موقع التصوير الواقعي، وفي طريقة التصوير، حيث يتم تصوير نفس المشهد السابق الذي تحدثت عنه في الاستديو، ثلاث مرات، أو يقسّم المشهد نفسه إلى ثلاثة مشاهد، أول مرة يصور دور الزوج كاملاً، ثم يصور دور الزوجة كاملاً، ثم يصور دوريهما معاً بلقطة عامة تضمهما ضمن الموقع، ويتطلب ذلك نقل الكاميرا ثلاث مرات وكذلك تركيب إضاءة ثلاث مرات، فالمشهد الواحد يستغرق تصويره بالكاميرا المحمولة ثلاثة أضعاف تصويره في الاستديو، ورغم ذلك فإن مخرجي الدراما كافة هجروا الاستديو بشكل كامل إلى الكاميرا المحمولة..
مرة أخرى أعتذر عن الإطالة، وأرجو أن يكون المنشور ممتعاً وغير ممل.

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته