تكنولوجيا الرايخ الثالث الهندسية هي الجين الأساسي المختبئ في جينات الطائرات المقاتلة
2026.07.17
سمير جبارة
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وهزيمة الألمان، بدأت القوى الكبرى في توزيع الغنائم..
لم تكن الغنائم الأثمن مجرد أراضٍ أو ذهب، بل كانت "غنائم بيضاء" لا تقدر بثمن: العلم، والعلماء، والتصميمات الهندسية السرية التي غيرت وجه العالم إلى الأبد..
ومن بين هذه الغنائم الأسطورية، كانت التصميمات الخاصة بالمحرك النفاث الثوري BMW 003..
نعم، شركة BMW (Bayerische Motoren Werke) التي نعرفها اليوم في عالم السيارات الفارهة، هي نفسها التي أنتجت هذا المحرك الذي كان يمثل قمة التطور التقني في ذلك الوقت.
فالشركة البافارية (والتي يعني اسمها "أعمال المحركات البافارية") بدأت جذورها في الأصل كمصنع لمحركات الطائرات قبل أن تتحول إلى صناعة السيارات..
بدأت BMW العمل على تطوير هذا المحرك في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وتحديداً في عام 1938، كجزء من جهود ألمانيا الرامية إلى ريادة تكنولوجيا الدفع النفاث..
تُعتبر BMW 003 وشقيقها Junkers Jumo 004 المحركين النفاثين الوحيدين من نوع "التوربين ذو التدفق المحوري" اللذين دخلا مرحلة الإنتاج الكمي في ألمانيا خلال الحرب..
وعلى الرغم من أن محرك Jumo 004 كان الأكثر شهرة لاستخدامه في المقاتلة الأسطورية Messerschmitt Me 262، إلّا أن محرك BMW 003 كان يمثل تقدماً هندسياً هائلاً..
اعتمد تصميمه على ضاغط محوري وتوربين أحادي المرحلة، وهي المبادئ الهندسية الدقيقة التي جعلت المحرك أنحف وأقل مقاومة للهواء، لتصبح هذه الهيكلية لاحقاً هي الأساس الحقيقي لتطوير المحركات النفاثة الحديثة في كل دول العالم حتى يومنا هذا..
بدأ العمل على تصميم BMW 003 في عام 1938 (قبل Jumo 004)، لكنه واجه مشاكل تطوير معقدة أخرت دخوله الخدمة حتى عام 1944، أي قبل أشهر قليلة من نهاية الحرب، وتم بناء ما يقرب من 3500 محرك من طراز (109-003)..
السر وراء هذا التأخير كان تحدياً مرعباً فرضه نقص المعادن في أواخر الحرب؛ فالمحرك النفاث يحتاج لأن يتحمل لدرجات حرارة هائلة، وألمانيا كانت تفتقر للمعادن الثمينة مثل الكروم، والنيكل، والكوبالت اللازمة لتحمل هذه الحرارة.
هنا تجلت العبقرية الألمانية، حيث ابتكر المهندسون "ريش توربينات مجوفة" يمر من خلالها هواء بارد لحمايتها من الانصهار..
كانت هذه التكنولوجيا السابقة لعصرها رصاصة الإنقاذ للمشروع، وأصبحت لاحقاً معياراً عالمياً في صناعة التوربينات..
بسبب تلك التأخيرات، تم استبعاد المحرك من طائرة Me 262 (التي استعانت بـ Jumo)، واستُخدم محرك BMW 003 بشكل أساسي في طائرات أخرى مرعبة مثل Heinkel He 162 Volksjäger: المقاتلة النفاثة السريعة الخفيفة التي رُكب المحرك فوق ظهر هيكلها مباشرة لخفة وزنه..
أول قاذفة قنابل استطلاعية نفاثة في العالم"Arado Ar 234 Blitz"، والتي أُنتجت منها نسخ متطورة رباعية المحركات باستخدام محرك BMW 003..
وفي فترة من الفترات امتدت شرارة هذا المحرك إلى الحليف الياباني..
أرسلت ألمانيا وثائق المحرك إلى اليابان عبر الغواصة اليابانية الكبيرة I-29.
لكن الغواصة تعرضت للقصف والغرق من قِبل قوات الحلفاء قرب الفلبين وضاعت أغلب المخططات..
لحسن الحظ، كان هناك مهندس ياباني قد غادر الغواصة في محطة سابقة بسنغافورة، ومعه بضع صفحات وصور عامة للمحرك في حقيبته..
ومن هذه الأوراق القليلة والمبسطة، نجح العباقرة اليابانيون في إعادة هندسة المحرك عكسياً في غضون أشهر، لينتجوا محرك Ishikawajima Ne-20 الذي شغل طائرتهم النفاثة الوحيدة (Nakajima Kikka)..
بعد استسلام ألمانيا، تسابقت الاستخبارات العالمية لسرقة هذا الإرث التكنولوجي..
كان لأمريكا نصيب الأسد؛ حيث شرعت في عملية سرية لنقل العلماء والوثائق والمعدات..
مصنع BMW في منطقة "أشرسليبن" وقع أولاً في يد القوات الأمريكية.
وقبل أن يسلموا المنطقة للاتحاد السوفيتي (بموجب اتفاقيات تقسيم مناطق النفوذ)، قام الأمريكيون بـ"تنظيف" المصنع تماماً وشحنوا كل المحركات الجاهزة، وقطع الغيار، والرسومات الهندسية إلى الولايات المتحدة لدراستها في شركات مثل "جنرال إلكتريك" و"ويستنغهاوس"، مما قفز بالتكنولوجيا الأمريكية قفزة هائلة..
عندما وصل السوفييت إلى المصنع وجدوا جدراناً فارغة! لكنهم لم يستسلموا.. قاموا بجمع المهندسين الألمان المتبقين وأجبروهم على إعادة بناء التصاميم من الذاكرة، ليولد من رحمها محرك RD-20 الذي شغل طائرة MiG-9، أول مقاتلة نفاثة سوفيتية تطير في التاريخ..
فرنسا لم تقف متفرجة بل وظفت المهندس الألماني العبقري "هيرمان أويستريش" (أحد كبار مهندسي برنامج محركات BMW)، وقاد فريقاً في فرنسا لتطوير محرك Snecma Atar الناجح، وهو المحرك الأسطوري الذي شكل عصب عائلة طائرات "الميراج" الفرنسية الشهيرة لاحقاً..
أما العلماء والمهندسين الألمان أين ذهب هؤلاء العلماء بعد أن منع الحلفاء ألمانيا تماماً من صناعة أي محركات طائرات؟
الإجابة تبدو واضحة في الشوارع اليوم؛ لقد تحول هؤلاء المهندسون العباقرة الذين صمموا التوربينات وضواغط الهواء النفاثة والتشكيل الهيدروليكي الديناميكي إلى قسم السيارات في BMW..
هذا الانتقال التاريخي كان هو السر الحقيقي والشرارة التي منحت سيارات BMW الألمانية تفوقها الأسطوري في هندسة المحركات، ونظام التبريد، والديناميكا الهوائية للسيارات الرياضية التي نعرفها اليوم..
وإلي اليوم ما زالت تكنولوجيا الرايخ الثالث الهندسية من القرن الماضي، هي الجين الأساسي المختبئ في جينات الطائرات المقاتلة.. وحتى السيارات التي تمر بجانبنا في الطرقات..