كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التغييرات المناخية والمواجهة الثورية الجينية لحلول جذرية

رانيا الحمامي- فينكس- تونس

 يعيش العالم اليوم تغييرات مناخية عنيفة، وان ارتبطت بأسباب متنوعة، فهي في الحقيقة ليست استثنائية، حيث وجدت هذه التغييرات منذ تواجد الحياة على كوكب الارض. فالعصور الجليدية على سبيل المثال واندثار عدد من الكائنات الحية نتيجة التحولات المناخية هو حقيقة تم اثباتها علميا.

امام هذه التغييرات والتحديات المناخية في الحقبة الزمنية الحالية، توجه الانسان الى تحديد الاسباب التي أدت اليها قصد التقليص منها، فعمل على الحد من اطلاق من ثاني اوكسيد الكربون وغاز الميثان ومراجعة الاستراتيجيات الصناعية ووضع استراتيجيات لحماية البيئة والمحافظة على الطبيعة، لكن ذلك لم يحد بما يكفي من الاحتباس الحراري ومن تغييرات الطقس ومن التحمض البحري ومن ذوبان الجليد ومن الكوارث الطبيعية. فاليوم، يعيش كوكبنا مرحلة مناخية جديدة سيتحمل الانسان تبعاتها.

حاولت الدول خاصة منها الدول المصنعة اتخاذ هذه التبعات بجدية، فعقدت المؤتمرات واخرها المؤتمر الأممي COP28  حيث انطلقت هذه الملتقيات الأممية منذ سنة 1992 تحت تسميات مغايرة، وكانت تهدف الى وضع استراتيجيات عملت الدول المشاركة على تفعيلها والى القيام بالتشجيعات من اجل الحد من هذه التغييرات المناخية وايجاد الحلول لمجابهتها.

ومن جملة الاستراتيجيات المفعلة، غلق المصانع التي تطلق الغازات المضرة كثاني اوكسيد الكربون وتعويضها بمصانع تستخدم الطاقات المتجددة كالرياح والطاقة الشمسية والتشجيع على انشاء حقول عملاقة لتوليد الطاقة الكهروضوئية في المناطق الحارة القريبة من القارة الاوروبية. وهو ما خلق منافسة بين دول شمال إفريقيا وخاصة منها تونس والجزائر والمغرب حول انشاء محطات طاقة شمسية ضخمة يتم تصديرها الى الدول الاوروبية حيث تلعب الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية دورا هاما في اختيار الدولة التي تنتج وتصدر الطاقة.

كما حاولت بعض الدول ضمان طاقات وموارد أساسية عرفت اضطرابا نتيجة هذه التغييرات المناخية وأهم هذه الموارد التي عرفت نقصا حادا هي المياه، وذلك تجنبا للازمات الحادة التي يمكن ان تسبب انهيارا اجتماعيا واقتصاديا. أدى ذلك في حالات عديدة الى ضرر لدول الجوار و الى توترات دبلوماسية وسياسية. على سبيل المثال، سببت السدود التي شيدتها الجزائر انخفاضا شديدا في مستوى المياه في السدود التونسية التي تعاني في الان نفسه من الجفاف. فصارت ازمة المياه في البلاد التونسية نتاج التغيير المناخي ونتاج احتكار دولة الجوار الجزائر مياه واد مجردة بتشييد السدود التي تصل طاقة استعابها اليوم الى ٩ مليار متر مربع وتهدف الى بلوغ ١٢ مليار متر مربع موفى ٢٠٣٠. ومن الأمثلة الاخرى التي سببت ازمة دبلوماسية وسياسية شديدة معلنة هو تشييد سد النهضة الإثيوبي والذي اثار مخاوف لدى مصر حول تأثيره على حصتها من مياه النيل.

أيضا، دفعت هذه التغييرات بعض الدول الى بناء تحالفات واتخاذ قرارات سياسية خارجية جديدة. حيث عرفت بعض الدول تهديدات تمس أمنها الغذائي أو وجودها كارتفاع مستوى مياه البحر مما يجعلها في حاجة الى مساعدات وتحالفات خارجية ودعم مالي ويعطي القوى الكبرى الفرصة لتعزيز نفوذها مع الدول المهددة.

اضافة الى ما سبق، اثرت هذه التغييرات المناخية تأثيرا هاما ومباشرا في ظاهرة الهجرة حيث ان الجفاف المستمر وما ينجر عنه من انعدام امن غذائي جعل موجات المهاجرين تتدفق من الصحاري الإفريقية الى الدول الاوروبية. هذا التدفق خلق أزمات في عدد من الدول، وهي ازمات داخلية في دول العبور التي يرفض شعبها استقرار المهاجرين فيها في حال تعذر عبورهم وأزمات خارجية حيث تعمل الدول المستقبلة على جعل دول العبور حارسة لحدودها من خلال تعزيزات واستثمارات حدودية، وعلى سبيل المثال، الازمة الحادة التي عاشتها الدولة التونسية، فامام تدفق المهاجرين من الحدود الجزائرية خاصة والتي لم يتم التمكن من تقليصها من ناحية وضغط الدول المسقبلة في الضفة الاخرى من البحر المتوسط  لمنع عبورهم من ناحية أخرى، عاشت الدولة التونسية أزمة حادة، حيث ان الوضع الاقتصادي والأمني لا يسمح باحتضان الاعداد الهائلة من المهاجرين. وقد عبر الشعب التونسي بوضوح على قراره السيادي المتمثل في عدم توطين المتواجدين ولو مؤقتا بصفة غير قانونية على الأراضي التونسية مما أضاف ضغطا على الدولة.

مما سبق ذكره، يمكننا الجزم بان التغيرات المناخية أصبحت محورا أساسيا في تشكيل السياسات الخارجية للدول ولها تأثيرات مباشرة في التحالفات الدولية وفي خلق توترات جديدة في بعض الحالات.

و الواضح ان الدبلوماسية الاقتصادية للدول تلعب دورا حاسما في تعزيز التعاون الدولي لتحقيق اقتصاد مستدام ولتقليل التوترات الناتجة على هذه التغييرات وفي صياغة سياسات تجارية ومالية تساعد على التكيف واتخاذ إجراءات متنوعة مثل الاتفاقيات العادلة لتقاسم الموارد المائية والاتفاقيات التجارية التي تشجع تبادل التكنولوجيا المستدامة والمنتجات الصديقة للبيئة واعتماد الحوافز الاقتصادية كالتخفيضات الضريبية وانشاء الصناديق والتحالفات المالية المدعمة للبرامج البيئية والخضراء والمستدامة.

لكن ورغم كل الجهود المبذولة، يبقى وجود الانسان مهددا امام هذه التغييرات المناخية، فالسياسات الدولية والدبلوماسية خلال هذه التحولات تستوجب أيضا بعدا انسانيا بعيدا على المصالح الدولية تنصهر فيها الارادة والوعي بالخطر المحدق بالإنسان. فنتائج التغييرات المناخية يمكن ان تتسبب في نهايته فهو العنصر الاكثر هشاشة في مواجهة مضارها. كما ان هذه التغييرات ليست وليدة هذه الحقبة، ولذلك فالعمل على تقليص مسبباتها والحد منها ليس بالضرورة الحل لبقاء الانسان وتأقلمه. فتواجد الإنسان مرتبط أيضا بتأقلمه مع المتغيرات، وفي اندثار الديناصورات والماموث مثالا يؤكد ان التأقلم والتطور الجيني هو عامل أساسي في بقاء الانسان على كوكب الارض، أما بقية الحلول فيمكن القول انها حلول تكميلية.

ان التوجه الى حلول طبية والى البحث العلمي الجيني هو أحد الركائز لبقاء البشر في ظل هذه التغييرات والتحولات المناخية السريعة والحادة والتي لا يمكن التحكم في أسبابها بشكل كامل مهما كان الارادة السياسية لذلك.

ان المجهودات العالمية الهائلة التي تدعم المشاريع الخضراء ومجابهة الكوارث الطبيعية والابتكارات التكنولوجية البيئية ومعالجة الأسباب تنقصها توجه طبي علمي يقوم على التكيف البيولوجي والجيني للإنسان للتعامل مع الآثار المباشرة لهذه التغيرات.

 فالتكيف الجيني عبر الهندسة الوراثية لم ينل بعد المكانة التي يستحقها في إطار الجهود المبذولة لمواجهة تغير المناخ. حيث ان الهندسة الوراثية والتعديل الجيني يطور من قدرات البشر مما يساعد الإنسان على التأقلم بشكل مباشر مع الظروف البيئية القاسية التي تفرضها التغيرات المناخية كتحمل درجات الحرارة المرتفعة أو التكيف مع شح الموارد المائية. فتعزيز قدرات الإنسان البيولوجية لمواجهة هذه التغيرات من خلال الهندسة الوراثية تمكن- على سبيل المثال - من تعديل حرارة الجسم للبقاء في مناخات شديدة الحرارة، أو تطوير الجلد لمقاومة الأشعة فوق البنفسجية، أو تحسين قدرة استخدام الجسم للمياه وتقليل مخاطر الجفاف. فيكون للأدوية والأمصال وتطوير الأنسجة الدور الأكبر من اجل تأقلم الانسان وبقائه على سطح الارض وضمان ارياحيته.

في الختام، ومع المجهودات المبذولة للتقليص من الأسباب المساهمة في هذه التحولات والاضطرابات والعمل على مجابهة نتائجها والتدخل للحماية منها كردة فعل وهي مرحلة ضرورية، يمكننا الانتقال الى مرحلة المبادرة والقيام بخطوة جريئة تضمن البقاء والارياحية من خلال المواجهة الجينية.

ظاهرة تدني لغة الحوار الفكري في الفضاء الرقمي
ما وراء أنين النواعير: العبقرية الهندسية لشبكات الري الحموية
تكنولوجيا الرايخ الثالث الهندسية هي الجين الأساسي المختبئ في جينات الطائرات المقاتلة
الغنائم العلمية والتكنولوجية بعد الحرب العالمية الثانية
من جبال البرز إلى سواحل بحر العرب.. الهروب نحو الجنوب
رحلة صناعة القرار بالعصف الذهني
من تفاحة آدم إلى الذكاء الاصطناعي.. السيرة الكاملة للحنجرة البشرية
بعد أن دمرت إيران رادارات أمريكية في الخليج هطلت أمطار غزيرة تعادل كمية الأمطار السنوية في غضون 72 ساعة فقط
بمناسبة قرب قدوم الصيف.. نصائح لتجنّب لدغات الأفاعي
قيامة الأموات: الآن باتت ممكنة عبر الذكاء الاصطناعي
معلومات عن المحيط المتجمد الشمالي
أوكرانيا – أرض التاريخ والطبيعة الخلابة في قلب أوروبا!
ما السر وراء الحدود العجيبة بين تشيلي والأرجنتين؟
الذكاء الاصطناعي واستلاب الذات!
النبي إدريس والأهرامات